“بيتر ماير” ومسألة تسفيه الديمقراطية

منذ 2 سنوات 6
ARTICLE AD BOX

منعم أولاد عبد الكريم

"بيتر ماير" ومسألة تسفيه الديمقراطية

الجمعة 11 أغسطس 2023 | 11:33

خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت أوروبا تناميا لقوة الأحزاب السياسية واتساعا لنفوذ وتأثير قاداتها السياسيين، حينما ترسخت لدى الشعوب القناعة بأن الديمقراطية هي الحل الأنجع لتدبير الخلافات السياسية والاجتماعية، وبالتالي تفادي النزاعات والاضطرابات والحروب. وبفضل ذاك الالتفاف الواسع للجماهير الشعبية الأوروبية حول تنظيماتها الحزبية الوطنية، وانخراطها القوي في الحياة السياسية، ومشاركتها الفعالة في الاستحقاقات الانتخابية صار للأحزاب السياسية ولقاداتها دور جوهري في بناء الديمقراطية بأوروبا وتوطيد أسسها. وهكذا صارت الدول الأوروبية تحقق توازنات في موازين القوى ما بين الطبقات الشعبية، المدعومة من قبل أحزاب اليسار، والقوى اللبرالية والرأسمالية، المدعومة من قبل اليمين والمؤسسات المالية والاقتصادية، من خلال نظام حكم ديمقراطي يكفل حقوق الجميع. 

آراء أخرى

  • كيف نبني وطنا؟

  • هل سيجعل الذكاء الاصطناعي الإنسان غبيا في المستقبل !؟

  • دال ناعم لمدلول صلب

لكن خلال حقبة التسعينيات بدأ بريق الأحزاب السياسية يخفت وبدأ صيتها يتراجع تدريجيا، بعد أن تلطخت سمعة مجموعة من قاداتها بفضائح الفساد المالي والسياسي والأخلاقي، وانخراط هذه الاحزاب في تحالفات وتكتلات تحوم حولها شبهة التواطؤات، مما افضى إلى نوع من هروب الفئات الشعبية من السياسة والعزوف عنها، نتج عنه ما يشبه القطيعة ما بين النخب السياسية والطبقات الشعبية الواسعة. وهكذا صار النضال الحزبي في أوروبا يفقد عمقه الجماهيري وقواعده، ومعه ركيزة مهمة من ركائز قوته. وبدأ رجل السياسة في الغرب يعيش نوعا من العزلة الموحشة، انتهت به في الأخير في احضان المؤسسات التي كانت تحكم في الظل، باحثا عن الحماية والأمان. 

فهل يعيش العالم الغربي مرحلة نهاية الديمقراطية  والإيديولوجيات، بعد تنامي ظاهرة العزوف السياسي بين مواطنيه، وانخفاض نسبة التصويت، وسيادة نوع من القطيعة ما بين القادة الحزبيين والجماهير واتساع الهوة ما بين الأحزاب والشارع؟ كيف استغلت النيوليبرالية كل ذلك لصالحها، فجعلت من الديمقراطية مجرد أداة لحماية نفوذها وتقوية مواقعها؟ كيف انحرف الاتحاد الاوروبي عن مسار حماية  وتكريس الديمقراطية، وتحول الى مؤسسة تستعمل الديمقراطية فقط، حتى صرنا أمام سيرورة أوربة الديمقراطية بدلا عن دمقرطة أوروبا؟ 

وهو يجيب عن كل هذه التساؤلات، يقومبيتر ماير، عالم السياسة الإرلندي (1951-2011)، بشرح وتشريح لأزمة الديمقراطية في العالم الغربي، وكيف تم تسفيهها حتى صارت مجرد حكم فارغ ونظام أجوف، في مؤلفه الشيق Ruling the void (حكم الفراغ) الصادر سنة 2017 والذي تم نشر تحديث له مع بداية هذه السنة. الجميل والاهم في هذا الكتاب هو ان الكثير من خلاصاته وتحليلاته تنطبق على غالبية الدول الديمقراطية وشبه ديمقراطية“. وصالح أيضا لفهم جوانب من مأزق السياسة والأحزاب في بلدنا.، وفهم كيف تحولت الديمقراطية في ظرف وجيز مننظام حكمإلى واسطة لتنزيل سياسات جهات في الغالب ليست ديمقراطية. 

إننا نعيش عصر ديمقراطية مكاتب الدراسات ومراكز الأبحاث والمستندات والمعلومات والتقارير الإستخباراتية والفرجة الإعلاميةسياسة الأولوية المطلقة فيها للتقنيات والاحصائيات والارقام على حساب الايديولوجيات والفكر السياسي النقدي والنظريات السياسيةإنها مرحلة سيادة التقنوقراطي، القابل للتطويع والتلوين بأي لون وفي أية لحظة، على حساب السياسي المبدئي والملتزم. أي أولوية للمنفذ المطيع على المنظر والناقد والمشاكس. 

إنه انتقال من مرحلة كانت تشهد توجهات من أجل دمقرطة الإدارة  وإرساء الدولة الديمقراطية، تنتصر فيه إدارة الدولة للمبادئ والأسس والقواعد الديمقراطية؛ إلى توجه آخر يقودنا نحو إدارة الديمقراطية وترسيخ ديمقراطية الدولة، والذي صارت خلاله الديمقراطية مجرد أداة في خدمة الإدارة ووسيلة لصيانة مصالحها، التي تعلو ولا يعلى عليها، وليست هدفا كما كان الحال في البداية.

المصدر