ARTICLE AD BOX
عمرالطالب
بنكيران و"قنادح" الملك
الخميس 09 يوليو 2026 | 11:20
كما كان متوقعاً، أثارت الكلمة التي ألقاها عبد الإله بنكيران، في تجمع حزبي بمدينة الصويرة، أمام ما بقي من أعضاء ومتعاطفين مع حزب العدالة والتنمية، نهاية الأسبوع الماضي، الحدث والجدل على حد السواء؛ ليس بسبب مضمون خطابه أو تقديمه عرضاً سياسياً جديداً، بل لأنه تجرأ على نعت بعض مستشاري الملك بـ“القنادح“، في سابقة هي الأولى من نوعها تصدر عن فاعل سياسي كان، إلى وقت غير بعيد، رئيساً للحكومة وثاني شخصية في الهرم البروتوكولي للدولة بعد الجالس على العرش.
آراء أخرى
شخصياً، لا أعتقد أن بنكيران، وهو يوجه لسانه السليط صوب محيط الملك، كان يطلق الكلام على عواهنه، دون فلترة مسبقة (Filtration) في ميزان حساباته؛ لأن الرجل يعرف، أكثر وأفضل من أي سياسي آخر، أن النبش في المربع الملكي هو تمرين محفوف بالمخاطر، وأنه كفيل في أي لحظة بإشعال فتيل الغضبة الملكية. ولعل بنكيران لم ينسَ بعد كيف تلقى صفعة اللوم الشديد من الملك محمد السادس، ذات يوم من أيام رمضان سنة 2012، وكان بنكيران حينها ما يزال حديث العهد بمكتبه الجديد بالمشور السعيد، بسبب الطريقة التي شرّح بها علاقته كرئيس للحكومة بالمستشارين الملكيين، في حوار مع أسبوعية “لافي إيكونوميك“؛ وهي الغضبة التي دفعته يومها، في واقعة غير مسبوقة، إلى توجيه اعتذار مكتوب للملك ومستشاريه، عمّمته وكالة المغرب العربي للأنباء.
أكاد أجزم أن بنكيران، وهو يستحضر علاقة المستشار أندريه أزولاي بمدينة الصويرة، لم يكن يستهدف المستشار العجوز في حد ذاته، بقدر ما كان يبحث في قرارة نفسه عن قنوات تصريف لرسائل مشفرة وموقوتة صوب من يهمهم الأمر في دوائر القرار العليا؛ وهو ما يفسر قفزته البهلوانية التي خلط بها الأوراق، من دون أي تمهيد سياقي، ليجمع في سلة واحدة بين أزولاي، وإسرائيل، والصباغة الزرقاء لموگادور، قبل أن يرمي بصنارته السياسية نحو صيده الثمين : فؤاد عالي الهمة، صديق الملك وكبير مستشاريه منذ بزوغ شمس العهد الجديد قبل سبعة وعشرين سنة.
ولكن الجديد هذه المرة هو أن رئيس الحكومة الأسبق فضّل، في حديثه المتجدد عن الهمة، إشهار سلاح السخرية والتمشخير، ضمن جبهة مواجهة جديدة فتحها ضد صديق الملك، الذي سبق أن جزم قبل ثمانية أشهر، في تجمع حزبي بوجدة، بأنه ما يزال يمارس السياسة من وراء حجاب. ولأن بنكيران يدرك جيداً أن مقارعة عالي الهمة وجهاً لوجه تعني الدخول في حرب غير متكافئة، مهما فعل سيكون خاسراً فيها، فإنه لم يجد بدّاً من استعمال السخرية كسلاح لمواجهة السلطوية؛ تلك السلطوية التي ما فتئ بنكيران، منذ سنة 2007 وإلى حدود عشية استقباله بميدلت لتعيينه رئيساً للحكومة، خريف 2011، يتهم الهمة بهندستها ورعايتها.
إن بنكيران، بنبشه في سيرة الهمة بين الفينة والأخرى، لا يخترع العجلة، ولا يقدّم للمهتمين بكواليس السياسة والحكم في المملكة أي جديد بشأن حساسية وثقل الدور الذي يلعبه ابن الرحامنة في مغرب محمد السادس منذ يوليوز 1999.. فكل من يتابع أحوال البلد، من قريب أو من بعيد، يعرف أن الهمة لعب وما يزال، من مختلف الخنادق والمواقع التي مر منها، بدءاً من الديوان الملكي، مروراً بوزارة الداخلية، وصولاً إلى قبة البرلمان وحزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يعود للاستقرار نهائياً داخل المربع الأول للقصر، دوراً حاسماً ومؤثراً في رسم التضاريس السياسية لمغرب اليوم؛ بنجاحاته وإخفاقاته، بانتصاراته وكبواته، وبتقدمه تارة وتراجعه تارة أخرى، وهذا، لعمري، هو القدر المحتوم لكل من اختاره القدر ليكون الصدر الأعظم للسلطان.
واقع الحال اليوم، وبعد كل هذه السنوات التي قضاها زعيم “المصباح” في ظلال السياسة، بات يفرض عليه التخلي عن أسلوب المواربة، والتوجه بجرأته المعهودة مباشرة نحو العنوان الحقيقي. فإذا كان فؤاد عالي الهمة يرعى، بشكل من الأشكال، بنية “التحكم“، كما يريد بنكيران أن يُفهمنا في خرجاته الأخيرة، فإن الهمة في نهاية المطاف لا يتحرك في فراغ، وليس قضاءً منزلاً ولا قدراً سياسياً جثم على صدور المغاربة، بل هو نتاج خيار وإرادة عليا للجالس على العرش، الذي رأى في رفيق دراسته بالمدرسة المولوية الرجل الأنسب لهندسة كواليس القرار، وتدبير التوازنات الحساسة، وضبط حرارة الحياة السياسية في المملكة.
بعبارة أخرى تضع النقط على الحروف بعيداً عن لغة التعمية : إذا كان الهمة “قندوح” حسب بنكيران، أليس الملك هو من انتقاه واختاره ليكون بجانبه، ووضع فيه كامل ثقته طيلة هذه العقود دون أن يتخلى عنه ؟ حتى في تلك اللحظات العاصفة التي عاش فيها الرجل ما يشبه الـ Annus horribilis (سنة عصيبة ) سنة 2011، حين خرج شباب 20 فبراير في أزيد من خمسين مدينة يطالبون برأس الهمة ورحيل الحزب الذي أسسه، قبل أن ينتشله الملك من وحل “التراكتور” ويعيده إلى مكانه الطبيعي في القصر.
أعتقد أن المغرب اليوم، بعد كل ما عشناه منذ دفن الحسن الثاني قبل سبعة وعشرين سنة، وفتح صفحة العهد الجديد، لن يجني أدنى فائدة من إهدار الوقت في تفكيك أحجية “القنادح” أو البحث عن هويات أصحابها.. المرحلة الراهنة باتت تقتضي، بكثير من الجرأة والمسؤولية، إخضاع مسارنا الجماعي منذ يوليوز 1999 إلى وقفة تقييمية صريحة وموضوعية، لتدارك ما فات وإصلاح ما يمكن إصلاحه، لأن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في معارك الكواليس، بل في تعبئة المجهود الوطني، ملكاً وشعباً، تمهيداً لفتح فصل جديد، يكون أكثر نضجاً، من فصول الكتاب المغربي.. ما عدا ذلك، فليس سوى هوامش وتفاصيل استُنفدت قيمتها، ولم تعد صالحة لإشغال مغرب الغد.
.jpg)
منذ 1 ساعة
1







