المغرب بين التوتر والجمود

منذ 10 أشهر 9
ARTICLE AD BOX

عز الدين شملال

المغرب بين التوتر والجمود

الأربعاء 11 يونيو 2025 | 14:28

لقد شكلت الأحداث السياسية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا مادة دَسِمَةً للكثير من المحللين السياسيين داخل وخارج المغرب، فالصراع الذي نَشَبَ بين القصر وحزْبَيْ الاستقلال والشورى والاستقلال حول الهيمنة على المشهد السياسي المغربي وامتلاك القرار المطلق قُبَيْلَ الاستقلال، جَذَبَ العديد من المفكرين الغربيين ليقوموا بدراساتٍ سياسيةٍ تَرُومُ تفكيك بِنْيَة النظام المغربي وفهم العلاقة التي تجمع الأحزاب المغربية بالقصر، وموقع المواطن المغربي وسط هذه المَعْمَعَة السياسية الغير المستقرة.

آراء أخرى

  • واقع وآفاق السياسة والأحزاب في المغرب

  • معركة المغاربة الحقيقية!

  • رد الإعتبار لأم المدن المغربية

فالمفكر الأمريكي جون واتربوري حاول في كتابه ” امير المؤمنين والنُّخبة السياسية بالمغرب ” (صدر في سنة 1977) أن يحلل مظاهر وأوجه العلاقة بين الملك والنخبة السياسية، حيث تبنى في تحليله للنخبة والحياة السياسية المغربية وفي رصد سيرورتها ” النظرية الانقسامية “ التي تُستعمل أساسا في الحقل الأنثروبولوجي (علم الإنسان)، فقد انطلق في الفصل الثالث من كون التوتر الدائم في مستويات مختلفة يُعَدُّ من خصائص المجتمع المغربي منذ قرون بحيث يبدو وكأنه موشك على الانفجار لكن طبيعته الأساسية هي الجمود.

واعتبر أن التشكيلات السياسية على شَفَا مُواجهةٍ في ما بينها باستمرار، أو مع القصر، و يطالب السياسيون دائما بوضع حد للرشوة و إصلاح الإدارة وإصلاح الفلاحة، كما اعتبر واتربوري أنه دائما هناك تلازم بين التوتر و الجمود، وتعادل بين ضرورة العمل و انعدام القدرة على المبادرة، وفَسَّر هذا حسب اعتقاده بالسلوك العام للمغاربة إزاء الحكم والسلطة، واعتبر أن السلطة في المغرب تستعمل بشكل دفاعي أي دفاع على الثروة، فقد أشار في مقدمة كتابه أن الحياة السياسية بالمغرب تتمحور بين التوتر و الجمود بين الوحدات السياسية و الحكم مرتبط بالأشكال التقليدية للتنظيم الاجتماعي بالمغرب و المدن في المغرب التقليدي تعرف بدورها تنظيما انقساميا، وإذا أراد السياسي المغربي أن يحمي أطرافه يدخل في تحالف أبعد ما يمكن عن التوقع، و اعتبر أنه من الصعب التنبؤ بحلفاء و أعداء الغد في النظام السياسي المغربي، ويجب الإبقاء على الاتصال مع كل الجماعات، وتجنب اتخاذ مواقف عقائدية لكي لا يوضع الفاعل في عزلة.

أما المفكر الفرنسي ريمي لوفو فيصف في كتابه “الفلاح المغربي حامي العرش” (صدر في سنة 1976)، استبداد وهيمنة الملك على الحياة السياسية المغربية بواسطة المؤسسات المخزنية، حيث يشير كيف استطاع الحسن الثاني، من خلال التحالف مع النخب التقليدية، أن يتجاوز الحركة الوطنية التي كانت تستعد لحكم المغرب المعاصر في بداية مرحلة تأسيس الدولة بعد مرحلة الاحتلال الفرنسي، وكيف ساهم ذلك التحالف في تهشيم عمليات التحديث بالقَدْرِ نفْسِه الذي زاد من حِدّة التوترات الاجتماعية والسياسية، فلم تكن السياسات العمومية التي قادها النظام السياسي قائمة إلا على تعزيز الأشكال التقليدية للسلطة السياسية وتَرْويضِ العناصر المتمردة وتعميق شبكات الزبونية والأعيان.

هذه الاستراتيجيات، كما كان يعتقد ذلك ريمي لوفو، مكنت القوى السياسية المحافظة من الهيمنة على الحياة السياسة، وبالذات احتواء الاتجاهات والتيارات الاحتجاجية، وفي الوقت نفسه فرملت، إن لم تكن عطلت، وجمدت انتشار القوى التغييرية البديلة.

واليوم، وبعد مرور أزيد من 64 سنة على استقلال المغرب لا زلنا نعيش على وقع هذه الدراسات السياسية، فالنظرية الانقسامية التي أشار إليها واتر بوري ما زالت هي الآلية التي تتقنها الدولة للهيمنة على القرار السياسي بواسطة المؤسسات المخزنية، والتحالف مع النخب التقليدية وتعميق شبكات الزبونية والاعيان لتجاوز باقي الفاعلين السياسيين كما أشار ريمي لوفو، هي اللغة التي يتقنها النظام المغربي، واستطاع من خلالها تكريس الجمود الدائم  رغم التوتر والاحتقان الاجتماعي، بل واستطاع الهيمنة على القوى السياسية واحتواء الاتجاهات والتيارات الاحتجاجية وتجميد انتشار القوى التغييرية البديلة.

فالربيع العربي الذي وضع حدا لمجموعة من الأنظمة الاستبدادية العربية، استغله النظام المغربي لصالحه ونجح إلى حد كبير في تغيير اتجاه رياحه لمصلحته، وتعطيل حركة تغييراته، برد فعل استباقي أعلن الملك من خلاله عن تغييرات جذرية مَسَّتْ الكُتْلَة الدستورية وعرضه للتصويت عبر استفتاء شعبي، وبالفعل تشكلت لجان المراجعة الدستورية والسياسية، واجتمعت مع مختلف التشكيلات السياسية وهيئات المجتمع المدني، وتم التصويت على دستور 2011 الذي وُصف بدستور الحقوق والحريات بالإجماع، وبذلك نجح النظام في تسويق خطاب مَغْرِبُ الحقوق والحريات، والمؤسسات الديمقراطية، ودولة الحق والقانون، واستطاع امتصاص غضب الشارع، والاحتقان الشعبي والاحتجاجات اليومية والانفجار الوشيك، والتوتر الدائم، بوَهْمِ التغيير والتحالف مع النخب التقليدية عبر تكريس الجمود وإبقاء الحال على ما هو عليه.

بل ذهب النظام إلى أبعد من ذلك، عندما زَوَّجَ الثروة بالسلطة، ووضع على رؤوس القطاعات الوزارية نخب تكنوقراطية ومادية للدفاع عن ثرواتهم وثروات محيطهم من خلال الزيادات في المواد الأساسية التي يهيمنون على أسواقها ويتحكمون في أسعارها، والضحية دائما وأبدا الشعب المقهور المَسْلُوبِ الإرادة، والمُمَارَسِ عليه جميع ألوان الظلم والحَيْف والاستغلال.

فالمواطن المغربي لازال – رغم مرور أزيد من 64 سنة على الاستقلال – ضحية سياسات التفقير الممنهجة التي تجعل من راتبه – إن كان عاملا، فأغلب المغاربة مُعَطّلُون يعيشون على إعانات أهاليهم – عُرْضَةً لشتى الاقتطاعات الضريبية والاجتماعية، في حين أن القِلّة المتحكمة في الاقتصاد المغربي وذوي الدخل المفتوح يستفيدون من جميع الامتيازات والتخفيضات والاعفاءات الضريبية.

حتى الأمل الذي كان يظن أنه الباقي له، ويقاتل الزمن من أجل تحقيقه، بتوفير الحد الأدنى لتعليم أبنائه وتوظيفهم بعد نيل الشواهد الجامعية، يتبخر بعدما استولى على رجال التعليم سماسرة الشواهد وبائعو الوظائف الشاغرة.

فإلى الله المشتكى وبه نستعين وإليه نلجأ وعليه نتوكل وإياه ننتظر الفرج والتمكين..

المصدر