المخزن كاموني

منذ 6 أشهر 3
ARTICLE AD BOX

أنس بن صالح

المخزن كاموني

الثلاثاء 07 أكتوبر 2025 | 11:17

لم أجد عنوانا أكثر دقة لتوصيف حالة شد الحبل المستمرة بين جيل “زد” والدولة في المغرب. فليس ثمة من تعبير أكثر بلاغة من هذا التعبير الذي درج المغاربة على استعماله في أحاديثهم كلما ورد في حكيهم ما يفيد اضطرار شخص أو جهة ما لفعل شيئ ضد إرادته وتقديم تنازلات مؤلمة . فقد أجبرت الدولة ، بعد نحو أسبوع من الاحتجاجات الغاضبة ، شابتها أعمال شغب وسقوط قتلى في مواجهات لا تزال ملابساتها غير واضحة تماما، أن تخرج عن صمتها لتعبر في بيانات ، ركيكة لفظا وصياغة، عن تفهمها لمطالب الشباب، وتقر صراحة بمشروعية حراكهم السلمي، وبحقهم الأصيل في تحسين قطاع الصحة والنهوض بالتعليم ومحاربة الفساد.

آراء أخرى

  • غالي وبنضراوي واعماجو: سفراء مغاربة للضمير الإنساني.. تحرك يا بوريطة

  • "جيل زد".. من الاحتجاج إلى البناء الديمقراطي - خلاصات أولية -

  • قرصنة واختطاف نشطاء مغاربة في عرض البحر: أين وزارة الخارجية المغربية؟

وما كانت تلك البيانات الجوفاء أو تصريحات رئيس الحكومة ومن لف لفه من مسؤولين لتطفئ جذوة الغضب الذي جرى في عروق آلاف الشبان المتنورين، فما زادتهم إلا إصرارا على مواصلة حراكهم على امتداد جغرافية البلد ، وثباتا على نيل مطالبهم في الحرية والكرامة وإسقاط حكومة تغول في عهدها الفساد وأدرك نسبا غير مسبوقة . كذلك كان الحال إبان موجة الربيع العربي التي لفحت رياحها المغرب في عام ألفين وأحد عشر ، حينما أرغم النظام تحت ضغط الاحتجاجات على الإنصات لنبض الشارع ودفعته دفعا إلى مراجعة الدستور، وما كان ليفعل ذلك طوعا ولا اقتناعا بوجاهة مطلب التعديل بل وضرورته لتحديث التعاقد بينه وبين الشعب ، لولا أنه استشعر خطورة المرحلة ، واتعظ مما يدور من حوله من تغيرات أطاحت بأنظمة وأتت بأخرى .

الرجة العميقة التي أحدثها جيل “زد” في المشهد السياسي المغربي الآسن وضعت مرة أخرى الدولة في مواجهات مسؤولياتها تجاه الشعب، وأماطت اللثام عن واقع سياسي واجتماعي هش.

بالنسبة لشباب جيل “زد” ، الوريث الشرعي لحركة عشرين فبراير، ، لم تعد هذه الحكومة أو سابقاتها ، على اختلاف مرجعياتها، مخاطبا يعتد به ، ولم تكن كذلك في يوم من الأيام. إذ لم يروا منها أو من غيرها إلا تسويفا ومماطلة ونكثا بالعهود. وهذه الحقيقة ، على ما فيها من غبن ومرارة ، لم تغرب عن بال شباب الحركة وهم يجوبون شوارع المغرب يصدحون بمطلب التغيير والعدالة الاجتماعية ومحاسبة المفسدين في الأرض. فهم على قدر غير يسير من النباهة والحذاقة ما جعلهم يطرقون باب السلطة المغلق ، ويرفعون مطالبهم للقصر مباشرة، و قد وقر عندهم أن الحكومة لا حول لها ولا حيلة ، ولا هي سيدة قرارها بل تأمر كما تأمر الناقة.

يدرك شباب جيل “زد” ، وقد ألمح الكثير من الشباب لذلك بجرأة ووضوح شديدين عجز عنهما محترفو السياسة في مزايداتهم الرخيصة ، أن صاحب الحل والعقد هو رئيس الدولة ولا أحد سواه. لكن الدولة لا تحب أن يلوى أحد ذراعها ، ولا أن تكره على القيام بما لا ترغب فيه. فهي تريد أن تكون صاحبة المنة والفضل والأيادي البيضاء، تمنح ما تشاء وقت ما تشاء.

ليست الأزمة الراهنة سوى امتداد موضوعي لأزمات سابقة مزمنة لم تتعاطى معها أجهزة الدولة بما يقتضيه الأمر من حزم ونجاعة ، إلا عندما يقتضي الأمر استعمال القوة ، بل إنها تجاهلت الاختلالات العميقة في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم ، وغفلت عن توسع رقعة الفقر وتفشي الهشاشة الاجتماعية ، وارتفاع معدلات البطالة، وفي المقابل اختارت منح الأولوية لتنظيم بطولات رياضية كبرى ، وإطلاق مشاريع القطارات فائقة السرعة في بلد تزحف فيه نسبة النمو كالسلاحف وتتعمق فيه هوة هوامش الفوارق الاجتماعية.

لم تحسن الدولة قط التقاط صيحات الإنذار التي أطلقتها الاحتجاجات الشعبية المتواترة في العقدين الأخيرين على نحو مقلق للتنبيه للأعطال الاجتماعية وحالات التوتر المضمر بدءا من عشرين فبراير وصولا إلى جيل “زد” ، وفيما بينهما حراك الريف وجرادة وآيت بوغماز المغمورة.

إن استراتيجية صمت القبور التي تنهجها الدولة حيال الاضطرابات الاجتماعية لم تعد مجدية، وسياسة صم الآذان عن مطالب الناس وتجاهل شكاويهم، ومقابلتها بالقمع ومصادرة حقهم في التعبير، والتلويح بخطاب التخوين والعمالة ، لن تفيد بعد الآن في لجم المواطنين، وقد تهاوى جدار الخوف والرهبة ، ولن تجعلهم يتراجعون عن ملاحقة ما يراه جيل الشباب الساخط ، كما يراها عموم المغاربة، حقوقا مشروعة ابتلعتها البورجوازية الحضرية والبطانة الفاسدة فزادتها سمنة وتخمة. لقد انتبهت الدولة في وقت متأخر جدا لمخاطر الإمعان في سياسة غض الطرف وتجاهل الغضب الشعبي المتعاظم ، وسارعت في ما يشبه الهرولة لتدارك الموقف بعد أن كانت صور الاحتجاجات في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية قد ملئت الدنيا وشغلت الناس ، وطوقت مشارق الأرض ومغاربها ، وصار اسم المغرب على كل لسان ، ولم يعد ذكر ” أجمل بلد في العالم” يقترن بالإنجازات الرياضية أو بطرقاته المعبدة ، بل بتوتر واحتقان اجتماعي يهدد استقراره ويلطخ صورته .

إن الدولة تدفع الآن كلفة استراتيجية تجريف المشهد السياسي التي مارستها على مدى العقود الأخيرة ، وتحصد نتائج تدجين النخب السياسية ، وفقد الناس الثقة بالمؤسسات وتمييع الحياة السياسية والنقابية، وشراء الولاءات. وبعد نحو سبعة عقود من الاستقلال ، لم تتغير كثيرا ملامح بنية النظام السياسي في المغرب . إذ لا تزال الملكية تحتوي النخب السياسية وتلجأ إلى حزمة من الأدوات متقادمة ومستهلكة للتحكم في مفاصل الحكم ومنها آلة البيروقراطية وحكومات الظل المتنفذة ووزارة الداخلية والبروباغندا.

سيترقب شباب جيل “زد” ومعهم المغاربة ما سيعلنه الملك من قرارات في خطابه أمام البرلمان وسط توقعات ومتمنيات بالإعلان عن تدابير لامتصاص غضب المواطنين أو تلبية مطالبهم ، وسيتطلعون مفعمين بالكثير من الأمل لما قد يحمله الخطاب من إجراءات ترفع عنهم الحيف والتهميش ، وتمنحهم الإحساس بأن صوتهم وصل أخيرا إلى مسامع من يهمه الأمر. وإن غدا لناظره قريب .

المصدر