الفرنسية ليست لغة مَدْرَسة والانتقال للأنجليزية ضرورة وظيفية

منذ 3 سنوات 4
ARTICLE AD BOX

يبدو أنّ لغة المدرسة والتعليم في جميع التجارب الناجحة ترتبط بمحددات هوياتية ووظيفية وتنبع ضرورة الربط بين لغة المدرسة والتعليم والمحددات الهوياتية والوظيفية من كون المحدّدات الهوياتية ترسم مسارات المواطَنة، بينما المحددات الوظيفية تؤطرها السوق الاقتصادية الوطنية والدولية. وانطلاقا من هذا المعطى، لا يمكن في حالة المملكة المغربية الحياد عن المحددات الهوياتية التي سطرها الدستور، والتي تخول للغتين العربية والأمازيغية أن تكونا لغتيْ المدرسة، إلى جانب لغات أو لغة أجنبية ذات خصائص وظيفية عالمية تعتمدها المنظومة التعليمية والمشروع المجتمعي في ارتباط بالرهانات الجيوسياسية والتنمية الاقتصادية وازدهار الفرد والجماعة، بعيدا عن أي منطق إيديولوجي أو سياسوي.

من هذه الزاوية، هل اعتماد اللغة الفرنسية لغة لتدريس المواد العلمية في المدرسة العمومية خيارٌ موفّق؟ أم أنّ اللغة الفرنسية غير مؤهلة لأداء هذه الوظيفة، نظرا لمحدودية قوتها وتأثيرها أمام لغات عالمية أخرى، في مقدمتها اللغة الإنجليزية؟. منذ أن عُرض مشروع القانون الإطار المتعلق بإصلاح المنظومة التربوية على البرلمان، انقسم المجتمع المغربي إلى ثلاثة اتجاهات، الأول مناصر لاعتماد اللغة الفرنسية لغة لتدريس العلوم، وتيار يطالب باعتماد اللغة الإنجليزية، بينما يدعم التوجه الثالثة تدريس العلوم باللغة العربية.

في هذا السياق المجتمعي، تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن للفرنسية أن تكون لغة مَدرسة في المغرب لأنها لا ترقى إلى لغة وظيفية، وذلك لأنه حتى في الدول التي تُعتبر اللغة الفرنسية لغة رسمية لها، كما هو الحال في فرنسا وكندا وبلجيكا، فإن هذه اللغة أضحت لغة هوياتية، فيما صارت اللغة الوظيفية في هذه البلدان هي اللغة الإنجليزية.  وتباعا فـإن الانتقال من الفرنسية إلى الأنجليزية كأول لغة أجنبية في المدرسة والجامعة المغربية أصبح ضرورة ملحة ومستعجلة، لا سيما إذا تم استحضار السياسة اللغوية للجمهورية الفرنسية فيما يمت للغة الوظيفية للبحث العلمي والجامعة والمدرسة، إذ اختارت ترسيخ اللغة الأنجليزية كلغة للتداول والكتابة العلمية على المستوى الوطني والدولي. فاختيار الأنجليزية كلغة أجنبية أُولى في المنظومة التعليمية سيرفع من تنافسية اللغتين الرسميتين للمملكة المغربية، العربية والأمازيغية، من خلال فعل ترجمة إيجابي يرتكز على ترجمة الإصدارات العلمية من الأنجليزية إلى العربية والأمازيغية لتأهيلهما للعب أدوار وظيفية، والانتقال من لغات مَدْرَسة (بفتح الراء) إلى لغات مُدَرِّسة (بجر الراء) صالحة للتربية والتكوين والتدريس والتلقين والإنتاج العلمي والكتابة الأكاديمية والابتكار البحثي.

كما أنّ اعتماد اللغات الرسمية لغات أولى في المدرسة أثمر نتائج إيجابية في تجارب عالمية ناجحة، مثل التجربة الصينية واليابانية والكورية والفنلندية، فتطبيق المملكة المغربية لهذا الخيار سيمكّن اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية من إضافة صفة اللغات الوظيفية إلى صفتهما الاعتبارية كلغات رمزية هوياتية دستورية، والاضطلاع بدور لغات التدريس في جميع الأسلاك بالتعليم المغربي، من التعليم الأولي إلى التعليم العالي. في المقابل، يمكن أن تفضي فرضية الارتكاز على اللغة الأنجليزية كلغة أجنبية أولى في المنظومة التعليمية المغربية من إزاحة العقبة التي تعترض إشعاع الجامعة المغربية على المستوى العالمي، والمتمثلة في كون أغلب الأبحاث بالجامعة المغربية تتم إما باللغة العربية أو باللغة الفرنسية؛ بينما الأبحاث المعتمدة في التصنيفات الدولية، كقائمة شنغهاي، تنحصر في ما يُنشر في دوريات معترف بها دوليا، تُنشر بها الأبحاث حصريا باللغة الأنجليزية، كمجلتي “نايتشر”، و”ساينس”.

لهذا، أضحت الحاجة ملحة لقناة وجسر لغوي ملائم يستجيب للمعايير الفضلى والممارسات الناجحة ينتج عنه تدريجيا تمكين المدرسة المغربية من الخروج من وضعية الاحتباس اللغوي والابتعاد عن التبعية الفرنكوفونية واعتماد الأنجليزية لغة أجنبية أولى كضرورة وظيفية.

المصدر