ARTICLE AD BOX
عبد الرحمان دهباني
العفو عن بعض معتقلي الرأي... تفكير داخل الصندوق أم خارجه؟
الجمعة 16 أغسطس 2024 | 19:57
أفرجت السلطات المغربية عن عدد من الوجوه الصحفية والحقوقية المعروفة رفقة نشطاء ومدونين ومناهضي التطبيع في مقدمتهم الصحفيون المعروفون توفيق بوعشرين، سليمان الريسوني وعمر الراضي ونشطاء آخرين، وإلغاء المتابعة في حالة سراح في حق المؤرخ المعطي منجب إلى جانب صحفيين ونشطاء عبر عفوي ملكي مع استثناء آخرين في مقدمتهم معتقلي حراك الريف والنقيب والمحامي ووزير حقوق الإنسان السابق محمد زيان.
آراء أخرى
والخطوة بقدر ما هي اختصاص دستوري للملك، ينظمه الفصل 58 من الدستور وقوانين وظهائر أخرى، تُنتِج ممارسة مناسباتية ذات أبعاد إنسانية وسياسية، فهي أثارت اهتماما واسعا بالنظر إلى أن العفوي الملكي الأخير أعطى قطرا أوسع للممارسة لم يكن متوقعا للكثيرين بالنظر للأسماء والصفات التي استهدفتها ممارسة العفو، وأيضا بالنظر إلى السياق السياسي الذي تم إنتاج فيه تلك الممارسة.
وباعتبار العفو لحظة إنسانية من جهة ذوي المفرج عنه من مدخل أن الحرية قيمة إنسانية لا تكتمل هوية الإنسان إلا بها وبأختها الكبرى الكرامة، وأخواتها الصغرى الأخرى، فلا يمكن إلا تثمين الخطوة وتهنئة كل من استعاد حريته واجتمع شمله بأسرته وذويه.
وإذا كان العفو المقصود هنا لا شأن له بالمستفيدين منهم على خلفية ملفات الحق العام شكلا ومضمونا، بل إننا نقصد العفو الذي شمل المتابعين بأحكام ثقيلة وُظِّف فيها القانون والقضاء لتصفية حسابات سياسية أو مصادرة الحق في الرأي والتعبير، فإن من مقتضيات هذا العفو ينبغي أن تسري على ماضي المتابعة وليس مستقبلها فقط، وذلك بإيجاد آلية لإعادة المحاكمة وتبرئتهم وتقديم اعتذار وتعويض مادي ومعنوي للمفرج عنهم.
وإذا كان العفو هو كل ما سبق، فهو أيضا فعل سياسي عندما أخرج النص الدستوري من إطاره المعياري إلى مجال الممارسة في سياق معين ولرهانات معينة، وينتظر تغذية راجعة منتظرة واستثمار معين. فإن هذه الخطوة بقدر ما هي بحاجة لتحليل عميق من طرف الباحثين لترسيم حدود البيئة التي أنتجت هذا الفعل السياسي، وما هي المدخلات التي صعدت من هذه البيئة إلى صندوق النظام السياسي الذي اختار أن تكون المخرجات عبارة عن عفو من طرف أعلى مؤسسة في الدولة على رموز صحفية مشهورة وحقوقيين معارضين، ونشطاء في تنظيمات معارضة، بعيدا عن المواقف المتهافتة سواء من جهة الشرعنة والتبرير غير العلمي، أو التقليل من الخطوة وإنكارها غير العلمي أيضا.
وإذا كانت هذه العملية تحتاج جهدا علميا وتأطيرا عميقا لكل المؤشرات واستجماعها لفهم هذا الفعل السياسي بعيدا عن التحليلات الجاهزة تحت الطلب في هذا الاتجاه أو عكسه، فإنها تبقى خطوة هامة من الناحية الرمزية والمعيارية تحتاج إلى تحصين من حسابات الفعل السياسي المظروف برهانات قصيرة المدى، واعتبارها مجرد مورد من موارد السلطة حفاظا أو تجديدا لآليات ممارستها.
ولهذا فينبغي النظر إلى هذه الخطوة، مع استحضار أنها خطوة منقوصة لأنها لم تشمل كل من لديه نفس الوصف في المفرج عنهم الذي يرقى بها إلى مستوى الانفراج الحقوقي، كمقدمة لخطوات أخرى ينبغي أن تحصنها من رهانات الفعل السياسي التكتيكي كما وقع في لحظات سابقة تحت ضغط ظروف بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية تزايدت مطالبها نتيجة عقود من الأزمة المتعددة الأبعاد، والانتقال بها عوض ذلك إلى مرتبة الفعل السياسي الاستراتيجي الذي يضع قطار التنمية السياسية على السكة الصحيحة، ومن مداخلها السليمة لضمان تحول سياسي سلس وتراكمي نحو ديمقراطية حقيقية تسع الجميع. وهي الديمقراطية التي تُشكل صمّام أمان لكسب التحديات الداخلية والخارجية المحذقة بالوطن.
ومن هذا المنطلق فإن تثمين هذه الخطوة يقتضي وجوبا أن تعقبها خطوة /مؤشر يجعلها تجتاز الاختبار الأول لها، وهي أن تأتي بعدها دفعات أخرى لكل النشطاء والمعتقلين على خلفية الممارسة السلمية لحرية والتعبير وتبييض السجون من معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين، ووضع آليات قانونية وقضائية تمنع توظيف هذه الآليات ذاتها لتصفية الحسابات السياسية، وتكميم الأفواه، ومصادرة الرأي، والتضييق على الصحافة المستقلة.
وتجاوز هذا الاختبار هو الكفيل على الحكم على قيمة الخطوة وترقيتها من عدمه إلى مستوى الخطوة المهمة التي يمكن اعتبارها حجر أساس صلب يمكن أن يتم البناء عليها تراكميا خطوات أخرى جادة تفضي إلى ترتيب جو الانفراج الحقوقي المحفز على الحوار السياسي المثمر لتعاقد دستوري جديد يفرز بدوره مؤسسات دستورية فاعلة تُنتِج هي أيضا فعل سياسيا مؤثرا إيجابا على المواطنين من جانب ترسيخ دولة الحقوق والحريات، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستعصية، ومواجهة التحديات الاجتماعية الثقيلة في سياق داخلي وخارجي غير مستقر.
وهذا يتطلب من الفاعلين السياسيين، سواء من أنتج الخطوة أو من هو مخاطب بها، نضجا سياسيا لاستثمار التغذية الراجعة التي يمكن أن تنتجها الخطوة وتحصينها والبناء عليها من التوظيف السياسي الضيق، الذي من شأنه أن يرتبها في رف الخطوات التكتيكية، واستدامة اللامعنى والرتابة اللذين يطبعان المشهد السياسي الوطني الحالي، في سياق اقتصادي واجتماعي لا يمكن تجاهل اكراهاته التي تتفاقم رغم كل السياسات العمومية التي تم انتاجها لتجاوز الوضع، وهو ما يمكن أن يفضي مجددا إلى تصلب في النظام السياسي يحتاج معه مرة أخرى إلى زمن سياسي وتنموي قد لا يكون مضمونا دائما.
باحث في العلوم السياسية
.jpg)
منذ 1 سنة
4







