ARTICLE AD BOX
يونس السريفي
العدل والإحسان والعملية الديمقراطية في المغرب
الخميس 28 أغسطس 2025 | 17:45
استطاعت جماعة العدل والإحسان على مدار عقود، أن تصنع لنفسها، موقعا كأحد أكبر الفاعلين السياسيين في المغرب، لكنها تراجعت مع صعود الحركات الإسلامية المعتدلة، (حركة الإخوان المسلمين للسلطة في مصر، وحركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية) التي اعتبرتها الدراسات والأبحاث الغربية الخيار الوحيد المتاح أمام التطور الديمقراطي في العالم العربي. وليس الراديكالية، التي تهدف لإعادة تأسيس خلافة إسلامية توحد العالم الإسلامي أو على الأقل العالم العربي، أو فرض قوانين وتشريعات داخل مجتمعاتهم مستوحاة من تفسير أصولي للإسلام، كيوتوبيا أبعد ما تكون عن الواقع ويستحيل تحقيقها.
آراء أخرى
بالمقابل، استطاعت الجماعة أن تعيد فرض نفسها من جديد في الساحة السياسية لعاملين: داخلي نتيجة لضعف الطبقة السياسية المغربية والعرض السياسي، وتراجع الأحزاب الجماهيرية ذات الخطاب الإيديولوجي، فها هي الدائرة السياسية للجماعة تصدر وثيقة سياسية، وتقدمها خلال ندوة صحافية، أمام صحافيين وشخصيات يمثلون جزء الطيف السياسي والحقوقي المغربي. خارجي، بتأثير الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث استطاعت فرض مسيرات ووقفات احتجاجية وداعمة للقضية الفلسطينية، وفي نفس السياق منددة بتطبيع الدولة المغربية لعلاقاتها مع إسرائيل ومدفوعة بالأحداث التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط ووصول حركات إسلامية راديكالية للسلطة، وحفاظ أخرى على مواقعها، فتنظيم النصرة الإسلامي يصل إلى السلطة في سوريا، وحركة طالبان بأفغانستان، مع استحضار جماعات إسلامية شيعية راديكالية، كحزب الله اللبناني وأنصار الله اليمني، والدولة الإيرانية نفسها.
فلماذا فشلت عملية الاندماج السياسي لجماعة العدل والإحسان؟ وهل هناك بوادر لإعادة إحيائها؟ هل الموقف من الملكية استراتيجي ومتأصل في الجماعة ونابع من جوهرها الفكري أم هو مفروض بحكم الظروف الموضوعية؟ هل استفادة الجماعة من وجودها بالخارج ومن علاقتها بالغرب وكيف تطورت؟
بالرجوع للوثيقة السياسية فهي على غرار سابقاتها (حلف الإخاء، جميعا من أجل الخلاص) جاءت لطمأنة الفرقاء والقوى السياسية بأن الجماعة طرف من الأطراف له رغبة في التغيير والإصلاح، وتقترح جبهة موسعة تجمع كل الأطياف السياسية والأيديولوجية على قاعدة برنامج حد أدنى، وترى أنه هو الطريق الصحيح لإحداث توازن في موازين القوى لصالح الديمقراطية والتغيير والإصلاح، وأنه لا يستطيع طرف بمفرده الانفراد بالتغيير مهما حاول، وإشارة لكون الجماعة لازالت حاضرة كقوة اقتراحية مجتمعية.
الوثيقة السياسية تشير إلى إيمان الجماعة بمفهوم الشورى، وتعتبره روح الحكم وفلسفته في الإسلام، وفي الآن نفسه تشير إلى نجاعة الكثير من الآليات الديمقراطية وفاعليتها في تحصين الدولة والمجتمع من نوازع الاستبداد، وتحقيق التداول السلمي على السلطة، وما يرتبط بذلك من فصل بين السلط، ومنع تغول سلطة على أخرى، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء التعددية السياسية، وكفالة الحقوق والحريات، واحترام الدستور والقانون.
كما سطرت رؤيتها لطبيعة النظام المغربي الذي اعتبرته احتكاريا وسلطويا ودساتيره منذ الاستقلال إلى اليوم ممنوحة، وتكرس السلطوية، ويشكل احتكار “السلطة التأسيسية الأصلية” من قبل الملك، واعتباره فوق كل السلط، ونظام الحكم مركزي وسلطوي. كما تبنت الجماعة فصل السلط، وإرساء دعائم دولة الحقوق والحريات، واعتماد دولة الإدارة المواطنة والفاعلة، ومحاربة الفساد، والتمكين لدولة مستقلة، وبناء المؤسسات بما فيها الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني لتقوم بأدوارها، وتجاوز اختلالات السياسة الأمنية. فالجماعة تبحث عن دولة مدنية بأفق إسلامي وليست دولة دينية أصولية، وهي بداية مبادرات داخل الجماعة ما بعد عبد السلام ياسين، وتؤكد أن هناك نقاشا داخليا للجماعة وصراع بين الأجيال والأفكار لا زال التنظيم قادرا على احتوائه.
لا تعد العدل والإحسان مجرد فصيل سياسي، فهي أيضا بالأصل جماعة ملتزمة بنشر المعتقدات والممارسات الدينية مما يعني ميلها أكثر إلى استخدام لغة متسلطة جامدة مستمدة من قاموس الخطابة، مع التركيز على القضايا الأخلاقية الخاصة بالخير والشر والتي لا تقبل الخلط أو السجالات الديمقراطية، استجابة لنزوعاتها الدينية ولتعبئة قواعدها الشعبية، مهملة أحيانا قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية راهنة، مما يعزز صورة الجماعة بكونها قوة محافظة، بل رجعية. على الرغم من انخراطها في تنسيق ميداني مع قوى ديمقراطية ويسارية في سعيها لضبط إستراتيجية جديدة للمشاركة تقوم على إقناع قوى المجتمع المدني بالعمل المشترك على بلورة خطة عمل تتمحور حول قاعدة جد أدنى للمطالب.
ولا يمكن النظر إلى استمرار وجود مناطق رمادية في فكر جماعة العدل والإحسان وسياستها باعتباره نتيجة مؤقتة للتغيير السريع، وغير المكتمل، الذي شهدته الجماعة. بل يعزى ذلك إلى جذور أعمق وأشد تعقيدا، تتضمن الطبيعة المزدوجة للجماعة كمنظمة سياسية ودينية، وظهور جيل جديد من النشطاء، والتناقضات الموجودة في السياق الاجتماعي والسياسي المغربي، ونتيجة لذلك لا توجد ضمانات بأن الصيرورة الزمنية ستؤدي إلى القضاء على المناطق الرمادية وأن الجماعة ستعترف بشرعية النظام الملكي، ولن تتحالف مع قوى خارجية، ولن تلجأ للعنف وستواصل التطور في اتجاه ليبيرالي، بل تظل النتيجة غير مؤكدة، وستتحدد من خلال الكيفية التي سيتطور بها الوضع السياسي العام بالمغرب. كما يعد استمرار المناطق الرمادية انعكاسا للمشكلات الموجودة في السياق السياسي الأشمل. فليس لدى الجماعة المعارضة كأي قوة معارضة في نظام شبه سلطوي حافز لمواصلة التطور والتكيف مع الظروف المتغيرة، واتخاذ مواقف واضحة كنوع من الاستراتيجية الدفاعية.
وأخيرا يمكن القول أن ترشيد ظاهرة جماعة العدل والإحسان مرتبط بجملة من العوامل الذاتية والموضوعية، فهي لم تدر ظهرها تماما لبداياتها الإيديولوجية، ففي داخل رؤيتها وخطابها، لا تزال هناك مظاهر للتوتر بين الأهداف القديمة بتأسيس خلافة إسلامية، وتطبيق الشريعة، والإيمان بإستراتيجية العنف، ورفضها للنظام الملكي، مع محاولة تقديمها لحلول وسط، وبين الأهداف الجديدة في أن تصبح من الفاعلين المؤثرين في نظام تعددي ديمقراطي. كما أن الخلفية الدينية ما زالت تشكل هاجسا محرجا لمختلف مكونات الطبقة السياسية رغم التحالفات الأخيرة التي عقدتها الجماعة مع عدد من قوى المجتمع المدني والسياسي.
.jpg)
منذ 8 أشهر
3







