الحق  في الإضراب ودستورية القوانين”

منذ 10 أشهر 8
ARTICLE AD BOX

 جمال أكاديري

الحق  في الإضراب ودستورية القوانين"

الأربعاء 11 يونيو 2025 | 14:05

أثارت ملاحظات المحكمة الدستورية حول مشروع القانون التنظيمي للإضراب، الذي قدمته الحكومة، نقاشًا واسعًا حول مدى توافقه مع أحكام دستور 2011. في الوقت نفسه، تبرز قضية غياب القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية كمعوق رئيسي أمام تجويد النظام القانوني المغربي وضمان التوافق بين القوانين والمكتسبات الدستورية. هذا التحليل يهدف إلى تسليط الضوء على العلاقة بين هذين الجانبين، وكيف يمكن أن يشكل غياب آلية فعالة للدفع بعدم الدستورية عائقًا أمام تحقيق العدالة الاجتماعية والقانونية.

آراء أخرى

  • أسس ومرتكزات الإصلاح الديني

  • "اَلْخُطْبَةُ الْمُوَحَّدَةُ" وَالْأَئِمَّةُ الْخَوَارِجُ!

  • في ذكرى السبت الأسود بسيدي إيفني

أكدت المحكمة الدستورية في فحصها للمادة الأولى من مشروع القانون التنظيمي للإضراب أن نصوصها “غير مخالفة للدستور”، لكنها جاءت فضفاضة وغير محددة في شروط وكيفيات ممارسة الحق في الإضراب. هذه المادة، التي اعتبرتها المحكمة مجرد تذكير بمرجعية حقوقية دولية ودستورية، قد تكون خارج النطاق الموضوعاتي للقانون التنظيمي الذي ألزمته الفقرة الأخيرة من الفصل 29 من الدستور بتحديد “شروط وكيفيات” ممارسة هذا الحق.

هذا الغموض التشريعي يفتح الباب أمام إشكاليات مستقبلية، إذ قد يؤدي إلى تطبيق غير واضح أو تعسفي للحق في الإضراب. هنا تظهر أهمية وجود آلية للدفع بعدم الدستورية، حيث يمكن للمواطنين أو النقابات الطعن في أي مواد تُعتبر مقيدة أو غير متسقة مع مبادئ دستور 2011. ومع غياب هذا القانون التنظيمي، تبقى القوانين الحالية، بما فيها تلك المتعلقة بالإضراب، عرضة للتفسيرات المتباينة دون ضمانات قانونية كافية.

فلقد ، قضت المحكمة بدستورية المادة الخامسة التي تجعل الإضراب غير مشروع إذا خالف النصوص التنظيمية الصادرة لتطبيق القانون التنظيمي،  المقدم لها من طرف الحكومة . ومع ذلك، أشارت إلى ضرورة ألا تستحدث هذه النصوص شروطًا جديدة لم ترد في القانون التنظيمي.

لكن، في ظل غياب آلية الدفع بعدم الدستورية، قد يستغل بعض الجهات هذه الثغرة لإصدار نصوص إدارية تنظيمية تقيد الحق في الإضراب بشكل غير مشروع. كما أن التعقيد الزمني لاعتماد مثل هذه النصوص قد يؤدي إلى تعطيل ممارسة الحق، مما يجعل الحاجة إلى رقابة قضائية وبرلمانية أكثر إلحاحًا.

حرصت المحكمة  وكذلك على تزكية استتباب السلم الاجتماعي عبر تغليب الحوار والتفاوض، وأقرت بدستورية المادة الثامنة التي تتيح تعليق الإضراب مؤقتًا ضمن إطار اتفاقيات جماعية لتحقيق السلم الاجتماعي.

ومع ذلك، فإن غياب آلية الدفع بعدم الدستورية يعني أن هذه المادة قد تُستغل لتعطيل الإضراب بشكل غير مشروع، خاصة إذا لم يتم احترام الالتزامات المتفق عليها. في هذه الحالة، لن يكون هناك سبيل مباشر لتصحيح الانحرافات إلا عبر أدوات الرقابة التقليدية، وهو ما قد لا يكون كافيًا.

قضت المحكمة أيضا  بدستورية المادة التاسعة عشرة التي تخول لرئيس الحكومة منع أو وقف الإضراب في حالات استثنائية مثل الكوارث الطبيعية أو الأزمات الوطنية الحادة. مع شرط أساسي: يجب أن يكون القرار معللًا ومحددًا زمنيًا.

هنا، يبرز دور آلية الدفع بعدم الدستورية كأداة أساسية لتحدي أي استخدام تعسفي لهذه الصلاحية. بدون هذه الآلية، قد يصبح رئيس الحكومة طرفًا وحكمًا في نفس الوقت، مما يهدد الحيادية ويؤثر على مبدأ التوازن بين السلطات.

أقرت المحكمة بدستورية الجزاءات المالية المفروضة على المخالفات المتعلقة بالإضراب، مشيرة إلى أنها تحقق التوازن بين حماية حرية العمل وضمان ممارسة الحق في الإضراب. ومع ذلك، فإن العقوبات المالية قد تُستخدم كوسيلة لتعسف المُشغّلين ضد المُضربين، خاصة في ظل غياب آلية فعالة للطعن في دستورية هذه الجزاءات.

أشار كثير من الباحثين، إلى أن غياب القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية يعرقل تصحيح القوانين غير المنسجمة مع دستور 2011. فعلى سبيل المثال:

– العديد من القوانين القديمة ، التي تعود إلى فترة ماقبل الاستقلال، لم تتم مواءمتها مع الدستور الجديد، مما يترك المجال مفتوحًا لتطبيقها بشكل غير متسق مع الحقوق والحريات.

غياب هذه الآلية يعني استمرار تطبيق قوانين قد تكون مقيدة للحقوق الأساسية، مثل الحق في الإضراب، دون وجود وسائل مباشرة لتصحيحها.

يظل التحدي الأكبر هو سد الفجوات التشريعية وتفعيل آليات الرقابة البعدية على القوانين، مثل آلية الدفع بعدم الدستورية. في حالة القانون التنظيمي للإضراب، هذا الغياب يترك المجال مفتوحًا أمام تطبيق مواد قد تُعتبر مقيدة للحق في الإضراب أو غير متسقة مع مبادئ دستور 2011. لذلك، يظل إصدار هذا القانون التنظيمي ضرورة ملحة لتحقيق الديمقراطية التشاركية وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.

يبقى النقاش حول قانون الإضراب مفتوحًا، حيث يتطلب الأمر تعاونًا بين جميع الأطراف المعنية لبلورة تشريع يجمع بين حماية الحقوق وتحقيق المصلحة الوطنية.

المصدر