الإسلام وجدلية كرة القدم: من الرياضة إلى “الدين المدني”؟

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

من منا ينكر أن كرة القدم، هذه العاشقة المتمنعة، تمثل اليوم إحدى أكثر الظواهر الاجتماعية والثقافية انتشارا في العالم؟ فهي لم تعد، كما يعتقد الكثيرون، مجرد رياضة تمارس داخل المستطيل الأخضر أو باقي الملاعب الرياضية، بل الحقيقة التي لا مراء فيها أن هذه الرياضة تحولت إلى منظومة عالمية معقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإعلام والهوية والثقافة الشعبية. وقد دفع هذا التحول، وبكل تأكيد، عددا من الباحثين إلى التساؤل عما إذا كانت كرة القدم قد أصبحت شكلاً من أشكال “الدين المدني” أو “المقدس الدنيوي” الذي يعوض جزئياً تراجع الأطر الدينية التقليدية في بعض المجتمعات الحديثة.

آراء أخرى

  • أي مغرب تريدونه للمغاربة؟

  • موقع الاعلام في الانتخابات

  • استراتيجية حافة الهاوية: تفكيك "مذكرة إسلام آباد" وتحولات القوة بعد حرب هرمز..

وفي السياق الإسلامي تطرح هذه الظاهرة أسئلة مركبة: هل كرة القدم مجرد وسيلة ترفيه بريئة؟ أم أنها تحولت إلى بنية ثقافية تنافس الدين في بعض وظائفه الرمزية؟ وبالتالي، كيف يمكن للإسلام أن يتعامل مع هذه الظاهرة العالمية دون الوقوع بين نزعة التحريم ونزعة التقديس؟

ومن المؤكد أن هذه الدراسة التي نحاول ديباجتها ستنطلق من فرضية مفادها أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل ظاهرة حضارية متعددة الأبعاد، لا يمكن فهمها وإدراك كنهها إلا من خلال مقاربات نظرية مختلفة ومتداخلة.

أولا: المقاربة السوسيولوجية

يرى عالم الاجتماع إميل دوركايم أن الدين ليس مجرد عقائد، بل منظومة تنتج التضامن الاجتماعي وتؤسس للانتماء الجماعي. وانطلاقاً من هذا التصور، يمكن ملاحظة أن كرة القدم تؤدي عددا من الوظائف نفسها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: توحيد الجماهير حول رموز مشتركة، وخلق شعور بالانتماء، فضلاً عن إنتاجها طقوساً جماعية متكررة، وبنائها ذاكرة جمعية مشتركة. فالملاعب الحديثة تشبه اليوم، وإلى حد ما، فضاءات الاحتفال الجماعي التي تمنح الأفراد شعوراً بالخروج المؤقت من حياتهم اليومية نحو تجربة جمعية استثنائية. ومن هنا، فإن كرة القدم لا تحل محل الدين، لكنها تؤدي بعض وظائفه الاجتماعية.

ثانيا: المقاربة الأنثروبولوجية

تنظر الأنثروبولوجيا إلى الإنسان باعتباره كائناً رمزياً يحتاج دائماً إلى الطقوس والأساطير والاحتفالات. ويلاحظ الباحثون أن كرة القدم تمتلك أساطيرها وقصص نجومها التاريخيين الذين يتحولون إلى رموز عالمية، دون نسيان طقوسها المتمثلة في الأناشيد والأعلام والشعارات التي تولد من رحم هذه اللعبة، والتعلق بفضاءاتها وأماكنها التي تكاد تصبح مقدسة كالملاعب التاريخية. ومن هذا المنظور، تبدو كرة القدم كاستمرار حديث لحاجة إنسانية قديمة إلى صناعة الرموز الجماعية.

ثالثا: المقاربة الفلسفية

طرح الفيلسوف فريدريش نيتشه سؤالا مركزيا حول مصير الإنسان بعد تراجع المرجعيات الكبرى، وتعتبر نظريته من المرجعيات الأساسية في هذا الصدد. وقد رأى عدد من المفكرين المعاصرين أن المجتمعات الحديثة أنتجت أشكالاً جديدة من المقدس لتعويض الفراغ الوجودي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى كرة القدم بوصفها ملاذاً من رتابة الحياة اليومية، ومصدراً للمعنى والانتماء، وتعبيراً عن الرغبة في البطولة والانتصار. لكن الفلسفة النقدية تحذر من تحويل هذه الوظائف إلى بدائل عن التفكير الحر أو المسؤولية الأخلاقية.

رابعا: المقاربة النقدية (مدرسة فرانكفورت)

يرى مفكرو مدرسة فرانكفورت أن المجتمعات الحديثة تنتج “صناعة ثقافية” ضخمة هدفها تحويل الإنسان إلى مستهلك دائم. ووفق هذا المنظور، تصبح كرة القدم جزءاً من اقتصاد الفرجة، وصناعة النجوم، وتسليع العواطف، وتوجيه الاهتمام الجماهيري. ويذهب بعض النقاد إلى أن الرياضة الجماهيرية قد تتحول أحياناً إلى وسيلة لصرف الانتباه عن القضايا السياسية والاجتماعية العميقة، لكن هذا التفسير يظل جزئياً؛ لأنه لا يفسر الشغف الحقيقي الذي يشعر به الناس تجاه اللعبة.

خامسا: المقاربة السياسية

مع مرور الوقت، تحولت كرة القدم إلى أداة سياسية مهمة في العصر الحديث؛ إذ تستخدمها الدول من أجل تعزيز الهوية الوطنية، وتحسين الصورة الدولية، وتقوية التماسك الاجتماعي، وممارسة ما يسمى بالقوة الناعمة. وقد أصبحت البطولات الكبرى ساحات للتنافس الرمزي بين الدول والشعوب، بحيث لم تعد النتائج الرياضية مجرد أرقام في منافسة.

سادسا: المقاربة النفسية

يفسر علم النفس الرياضي شعبية كرة القدم من خلال عدة عوامل، أبرزها: الحاجة إلى الانتماء حيث يشعر الفرد بأنه جزء من جماعة أكبر، والحاجة إلى البطولة إذ يعيش الجمهور انتصارات فريقه كما لو كانت انتصارات شخصية، علاوة على التنفيس الانفعالي حيث توفر المباريات مجالاً لتفريغ التوترات والمشاعر المكبوتة، والبحث عن المعنى خاصة في المجتمعات التي تعاني من العزلة أو التفكك الاجتماعي. ومن هنا يصبح التشجيع الرياضي ظاهرة نفسية عميقة تتجاوز حدود الترفيه البسيط.

سابعا: المقاربة الإسلامية

لا ينظر الإسلام إلى الرياضة باعتبارها مشكلة في ذاتها، بل إن القوة البدنية واللياقة الجسدية تمثلان قيمتين إيجابيتين في التصور الإسلامي. غير أن الإشكال يظهر عندما تتحول الرياضة إلى تعصب، واستهلاك مفرط، وإهدار للوقت، وعبادة للنجوم، وصولاً إلى تهميش القيم الأخلاقية. لذلك يمكن القول إن الإسلام يميز بين كرة القدم كوسيلة للتربية والصحة والتعاون والتنافس الشريف، وبين تحولها إلى أيديولوجيا حين تصبح محور الهوية والمعنى والولاء المطلق. وهنا بالذات، يتحول النقد الإسلامي من نقد للعبة إلى نقد للتمثلات الثقافية والاجتماعية المصاحبة لها.

ثامنا: المقاربة الحضارية

تكشف كرة القدم عن تحول عميق في الحضارة الحديثة؛ فالمجتمعات القديمة كانت تضع الدين والفلسفة والسياسة في مركز المجال العام، بينما أصبحت الرياضة والترفيه والإعلام تحتل مكانة متزايدة في تشكيل الوعي الجماعي. ومن ثم، يمكن اعتبار كرة القدم مؤشراً على انتقال المجتمعات من “حضارة المعنى” إلى “حضارة الفرجة”، أو على الأقل إلى نوع من التوازن الجديد بينهما.

خاتمة تركيبية

تكشف المقاربات السابقة أن كرة القدم ظاهرة متعددة الأبعاد لا يمكن اختزالها في كونها مجرد لعبة، أو مؤامرة، أو ديناً جديداً. فهي في الوقت نفسه ظاهرة اجتماعية تنتج الانتماء، وثقافية تصنع الرموز، واقتصادية تدر المليارات، وسياسية تخدم استراتيجيات الدول، فضلاً عن كونها ظاهرة نفسية تلبي حاجات الإنسان العاطفية، وتحولاً حضارياً يعكس سمات العالم المعاصر.

أما من المنظور الإسلامي، فإن السؤال الحقيقي ليس: “هل كرة القدم حلال أم حرام؟”، بل: أي موقع ينبغي أن تحتله داخل سلم القيم الإنسانية؟ فكلما بقيت الرياضة في موقعها الطبيعي بوصفها وسيلة لبناء الإنسان، كانت قيمة إيجابية. أما حين تتحول إلى مركز للولاء والمعنى والهوية المطلقة، فإنها تصبح موضوعاً مشروعاً للنقد الفلسفي والاجتماعي والديني على السواء.

ومن أجل إعطاء الموضوع بعدا معرفيا أكاديميا، نقترح بعض المراجع النظرية لإغناء الدراسة:

إميل دوركايم: الدين والحياة الاجتماعية.

ماكس فيبر: العقلنة والحداثة.

فريدريش نيتشه: أزمة المعنى بعد تراجع المقدس.

أنطونيو غرامشي: الهيمنة الثقافية.

بيير بورديو: الرأسمال الرمزي.

زيغمونت باومان: الحداثة السائلة وثقافة الاستهلاك.

تسمح هذه المراجع ببناء دراسة أكثر عمقا وجدلية، قابلة للتطوير نحو بحث أكاديمي قابل للنشر في مجال سوسيولوجيا الدين أو فلسفة الثقافة المعاصرة.

المصدر