ARTICLE AD BOX
الأكاديمي حمزة طيبي يكتب: إلغاء عيد الأضحى في المغرب.. تضامن حقيقي أم سياسة رمزية؟
الملك محمد السادس ينحر أضحية العيد
الجمعة 28 فبراير 2025 | 16:11
عندما أعلن الملك محمد السادس عن إلغاء عيد الأضحى لعام 2025، كان مبرره واضحًا: الأزمة الاقتصادية تُثقل كاهل معظم المغاربة، وهذه لحظة تتطلب التضامن أكثر من التضحية. للوهلة الأولى، يبدو القرار بادرة تعاطف، إذ يعترف بمعاناة الفئات العاملة والفقيرة، ويضمن عدم الشعور بالإقصاء من تقليد ديني عميق لمجرد عدم القدرة على تحمّل تكاليفه. لكن، خلف هذا الفعل الذي يبدو أنه يعكس مبدأ العدالة الاجتماعية، تكمن حقيقة أكثر تعقيدًا. إذ، بتدخّلها في تنظيم ممارسة دينية وثقافية، لم تكن الملكية تستجيب فقط لصعوبات اقتصادية، بل كانت ترسّخ أيضًا دورها في تشكيل الوعي العام وتحديد أولويات الدولة.
هذا القرار يحمل بُعدًا عمليًا وسياسيًا في آنٍ واحد. فهو يُقرّ بوجود أزمة، لكنه في الوقت ذاته يُعيد توجيه الأنظار بعيدًا عن الأسباب العميقة للضائقة المالية—كالارتفاع المستمر في الأسعار، وجمود الأجور، والنموذج الاقتصادي الذي يوسّع الهوة بين الأغنياء والفقراء. من منظور غرامشي، يُمكن قراءة هذا القرار كممارسة للقيادة الهيمنية، حيث لا تعتمد السلطة فقط على القوانين والسياسات، بل على تقديم قراراتها كـ”حقيقة بديهية”، مما يُعزز موقع الملكية كحامٍ ومُرشد أخلاقي. ويتأطيره على أنه خطوة لتعزيز الوحدة الوطنية، يُكرّس الملك دوره الأبوي، متدخّلًا للتوفيق بين الأوضاع الاقتصادية والالتزامات الدينية. لكن، في المقابل، يُزيح هذا القرار النقاش عن الإصلاحات الاقتصادية الأكثر إلحاحًا، مثل تنظيم الأسواق، وإعادة توزيع الثروة، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.
وهنا تتجلى تناقضات النموذج المغربي. ففي الوقت الذي تنسحب فيه الدولة تدريجيًا من توفير الخدمات الاجتماعية المباشرة، لا تزال تتدخّل بطرق رمزية من خلال إجراءات تعترف بالمشاكل لكنها لا تعالج جذورها. وإذا كان عدد كبير من المغاربة عاجزين عن تحمّل تكلفة الأضحية، فإن السؤال الواقعي هو: لماذا لا تتحرك الدولة لمعالجة الأسباب الجوهرية لهذا التدهور الاقتصادي؟ بدلًا من مواجهة انعدام المساواة في توزيع الثروة أو معالجة أزمة الأمن الغذائي، تعتمد الدولة على مبادرات تعزّز الشعور بالتضامن دون أن تُحدث تغييرًا جذريًا في الواقع القائم. وهو ما يمكن وصفه، بمفهوم عالم الأنثروبولوجيا جيمس فيرغسون، بـ”سياسة التوزيع”، حيث تأتي التدخلات الحكومية كأدوات لتهدئة الأوضاع أكثر منها إجراءات حقيقية لإعادة التوزيع، مما يمنح الانطباع بوجود دعم اجتماعي بينما يبقى الواقع على حاله.
على المستوى الحكومي، نجد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية، شخصية تجسّد التقاطع العميق بين السلطة السياسية والنفوذ الاقتصادي. فهو ليس مجرد سياسي، بل رجل أعمال وأحد أثرى أثرياء المغرب. قبل أن يتولى رئاسة الحكومة، أمضى أكثر من خمسة عشر عامًا وزيرًا للفلاحة، حيث أشرف على تنفيذ مخطط المغرب الأخضر، الذي رُوّج له على أنه مشروع طموح لتحديث القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي. إلا أن الواقع يكشف عن صورة مغايرة تمامًا.
لا تزال الزراعة المغربية قطاعًا هشًا، عُرضة للجفاف وتقلبات الأسواق العالمية، ومعزّزة بانقسامات عميقة بين كبار المستثمرين وصغار الفلاحين. لقد صبّت مكاسب المخطط الأخضر في جيوب كبار ملاك الأراضي والشركات الزراعية الكبرى، بينما لا يزال صغار الفلاحين يكافحون أمام ارتفاع التكاليف، وشحّ الموارد المائية، وضعف الدعم الحكومي. وبدلًا من أن يكون هذا المشروع وسيلة لبناء قطاع زراعي أكثر عدلًا واستدامة، أصبح أداة لتعزيز مصالح طبقة اقتصادية ضيقة، كان أخنوش نفسه في قلبها. وبينما تسعى الحكومة إلى تقديم صورة مشرقة عن نجاحها الزراعي، تبقى الحقيقة أكثر قتامة. فلا يزال المغرب مستوردًا رئيسيًا للمواد الأساسية، مثل الحبوب، إذ لم يتمكّن الإنتاج المحلي من تلبية احتياجات السكان. لقد ركّز المخطط الأخضر على الزراعة التصديرية، مفضّلًا المحاصيل ذات القيمة العالية مثل الحوامض والطماطم ـ التي يُنتجها في الغالب مستثمرون كبار يملكون أنظمة ري حديثة وأسواقًا خارجية ـ على حساب المحاصيل الأساسية التي تعزّز الأمن الغذائي الوطني. ونتيجة لذلك، أصبح المغرب أكثر عُرضة لتقلبات الأسواق الدولية، وزادت هشاشة القطاع أمام موجات الجفاف المتكررة. وبينما أُنفقت المليارات على البنية التحتية والدعم الزراعي، ظل المستفيدون الحقيقيون هم أولئك الذين كانوا أصلاً في موقع يسمح لهم بجني الأرباح، مما عزّز نظامًا تُخدم فيه المصالح الاقتصادية لفئة محدودة على حساب رفاهية المغاربة.
وفي هذا السياق، يبدو إلغاء عيد الأضحى أكثر تناقضًا. فهو اعتراف بالضائقة المالية التي يواجهها المواطنون، لكنه يأتي في ظل سياسات اقتصادية تُوجّه الموارد إلى قلة ميسورة، بينما يُطلب من الطبقات الفقيرة والمتوسطة التضامن والتضحية. ورغم أن هذه الخطوة تُروَّج على أنها تقدمية وتعزز الوحدة الوطنية، إلا أنها في جوهرها تُعيد إنتاج نموذج الحكم من أعلى إلى أسفل، حيث تُحدّد الدولة شروط التضامن بدلًا من تمكين المواطنين من تحقيق استقلالهم الاقتصادي.
إن الاستجابة العادلة للأزمة الاقتصادية في المغرب لن تكون بإلغاء تقليد ديني، بل بخلق بيئة اقتصادية تُمكّن كل فرد من الاحتفال به وفقًا لقدراته وقناعاته. فالمقياس الحقيقي للتضامن ليس في الإيماءات الرمزية، بل في السياسات التي تُحدث تغييرًا ملموسًا ـ سياسات تُعطي الأولوية للأمن الغذائي، والأجور العادلة، والفرص الاقتصادية للجميع، وليس فقط لأصحاب النفوذ. وبدون معالجة هذه القضايا الهيكلية العميقة، ستظل مثل هذه القرارات مجرد استعراضات للعطف، لا أكثر، في حين تبقى أوجه الظلم وعدم المساواة قائمة دون تغيير حقيقي.
*أستاذ التعليم العالي بالولايات المتحدة الأمريكية
.jpg)
منذ 1 سنة
3







