إهانة المهنة لا الفرد: ما الذي تكشفه تسريبات “المجلس الوطني للصحافة” عن تراجع حرية التعبير؟

منذ 5 أشهر 37
ARTICLE AD BOX

حمزة طيبي

إهانة المهنة لا الفرد: ما الذي تكشفه تسريبات "المجلس الوطني للصحافة" عن تراجع حرية التعبير؟

السبت 22 نوفمبر 2025 | 13:16

لم تعد التسريبات الأخيرة من داخل إحدى لجان المجلس الوطني للصحافة مجرد حدث عابر؛ إنها تجسيد لمأزق عميق يضرب البنية المهنية للصحافة المغربية في جذورها. فما ظهر في تلك المقاطع لم يكن فقط اعتداءً رمزياً على الصحافي حميد المهداوي، بل كان شهادة علنية على التآكل الداخلي لمؤسسات يٌفترض أن تكون حامية لحرية التعبير، لا طرفاً في معاقبتها. لقد تحوّل المهداوي من حالة فردية إلى مرآة تكشف مستوى الانحدار المهني والمؤسساتي الذي يسبق ـ للأسف ـ اكتمال المشروع الديمقراطي ذاته في المغرب.

آراء أخرى

  • صاحبة الجلالة أم "صاحبة جلال"

  • صدمة المهنة وسقوط الأقنعة

  • غرفة عمليات "الدعم السريع"

فالقضية لا تبدأ من التسريب وحده، بل من القرار الذي سبقه: حرمان حميد المهداوي من تجديد بطاقته المهنية، وهو قرار يُعدّ في السياق الدولي أحد أخطر أشكال الإقصاء، لأنه يحجب عن الصحافي اعتراف الدولة بصفته، ويقيد قدرته على العمل، ويحوّله إلى هدف سهل لأي حملة تشويه أو تضييق. وقد جاءت التسريبات لتؤكد أن قرار المنع لم يكن مهنياً ولا مؤسسياً، بل كان نتيجة نقاشات تفتقر إلى الحياد، وتعكس منطق “الخصومة مع الصوت الحر” بدَلَ منطق احترام القانون.

واللافت أن النقاشات التي جرت داخل اللجنة المعنية لم تُشِر إلى معايير مهنية أو أخلاقية كما يفرض القانون، بل إلى تقييمات شخصية، وانفعالات غير مهنية، وعبارات نابية لا تليق حتى بالمجال العام، فكيف بلجنة تنظيمية مكلفة بالسهر على احترام أخلاق المهنة؟ والأسوأ أن أحد أعضاء اللجنة ظهر في الفيديو يدخّن داخل قاعة اجتماع رسمية، وهو مشهد لا يُقرأ على أنه مجرد تجاوز سلوكي، بل رمز دالّ على بيئة عمل يغيب عنها الانضباط، وتُدار فيها المهنة بمنطق التسيّب والعشوائية لا بمنطق المسؤولية.

ومن منظور الحوكمة الإعلامية، فإن ما وقع يعكس انهياراً على ثلاث مستويات: شرعية المؤسسات، معايير العمل، وحياد القرار. فالتصرفات التي بدت في الفيديو تُشير إلى أن أعضاء اللجنة يتعاملون مع الصحافي المهداوي ليس بصفته المهنية، بل باعتباره “مشكلة” يجب التخلص منها. وهذا منطق خطير، لأنه يختزل الوظيفة التنظيمية في مهمة عقابية، ويحوّل اللجان المهنية إلى أدوات ضبط سياسي بدل أن تكون آليات حماية ودعم وتطوير.

كما أن استمرار اللجنة في العمل بعد انتهاء ولايتها القانونية يضيف طبقة أخرى من التعقيد. ففي القانون الإداري، تُعتبر أي ممارسة بعد انتهاء الولاية لاغية، وتدخل في نطاق تجاوز السلطة. واستمرار هذه اللجنة في اتخاذ قرارات مصيرية بعد انتهاء صلاحيتها يمثّل مساساً مباشراً بمبدأ سيادة القانون، ويكشف هشاشة مؤسسية خطيرة. وإذا كانت الهيئة التنظيمية نفسها لا تحترم القانون، فكيف يمكنها أن تُطالب الصحافيين باحترامه؟

ومن زاوية علم الاجتماع السياسي، فإن تعامل اللجنة مع المهداوي يجسّد منطقاً سلطوياً قديماً: معاقبة الصوت المختلف بدل محاورته. وهذا المنطق هو ما يعطّل الانتقال الديمقراطي في المغرب، لأنه يُبقي العلاقة بين الدولة والصحافة قائمة على الشك والرقابة، لا على الشراكة والمساءلة. فالديمقراطية لا تكتمل بوجود صحافة، بل بوجود صحافة مستقلة، حرة، قادرة على الاشتغال بدون تهديد وجودي.

ورغم أنّ اللجنة التي استهدفت حميد المهداوي تتحمّل المسؤولية المباشرة عن ممارساتها، فإنّ ما جرى يطرح سؤالاً مشروعاً حول الجهات التي قامت بتعيين أعضاء المجلس الوطني للصحافة، والتي يُفترض أن تتحرى أعلى درجات الكفاءة والاستقلالية عند اختيار ممثليها داخل مؤسسة بهذا الحجم. فثلث أعضاء المجلس يأتون من هيئات دستورية وعمومية مرموقة، مثل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، مما يجعل من واجب هذه المؤسسات أن تضمن أن من يمثلها يجسد قيماً مهنية وأخلاقية منسجمة مع أدوارها الدستورية.

وفي الإطار نفسه، لا يمكن إغفال أن الملك محمد السادس، باعتباره الضامن لحسن سير المؤسسات وفقاً للدستور، يظل المرجع الأعلى الذي يُعوَّل عليه في ضمان انسجام أداء هذه الأجهزة مع مبادئ الإصلاح وخيارات الدولة في مجال الحكامة والشفافية. إنّ الإشارة إلى هذا البعد لا تهدف إلى تحميل المؤسسة الملكية مسؤولية مباشرة عن التجاوزات، بل إلى التأكيد على أنّ أي انحراف في أداء الهيئات الوسيطة يُعدّ مؤشراً على الحاجة إلى تعزيز آليات التوجيه والضبط حتى تظل روح الإصلاح التي أعلنها الملك قائمة وفاعلة. ومن هذه الزاوية فإنّ المسؤولية هنا مسؤولية مؤسسات، وليست مسؤولية أشخاص، ومسؤولية منظومة تحتاج إلى مزيد من اليقظة لضمان ألا تتحول الهياكل التنظيمية إلى مصدر إرباك بدلاً من أن تكون رافعة لتعزيز الثقة في الدولة ومسارها الإصلاحي.

ما وقع مع المهداوي يكشف، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ الصحافة المغربية تموت قبل أن تولد الديمقراطية الحقيقية. فالمهنة التي يُفترض أن تكون محرّكاً للنقاش العام، أصبحت اليوم ضحية لديناميات داخلية تُقصي أصواتها الحرة، ومنظومات تنظيمية لا تعمل وفق القانون، وممارسات مهنية تنحدر إلى مستوى غير مسبوق من الشعبوية والابتذال المؤسسي.

لكن الأزمة ليست أزمة أفراد، ولا أزمة مقطع فيديو، ولا حتى أزمة لجنة. إنها أزمة بنية كاملة تُنتج القرارات خارج القانون، وتُعيد تشكيل المجال الإعلامي وفق ميزان القوة لا وفق المعايير المهنية. وعندما يصبح الإقصاء سلوكاً عادياً، وتتحول اللجان إلى أدوات انضباط، وتتراجع مكانة الصحفي المستقل، فنحن أمام مؤشر خطير: الديمقراطية المغربية تُفرّغ من مضمونها قبل أن تستكمل آلياتها.

إنّ مواجهة هذه الأزمة لا تكون بإلقاء اللوم على مسرّب الفيديو أو بالبحث عن “كبش فداء”، بل بإعادة هيكلة المنظومة الإعلامية على أسس قانونية صارمة، وتوسيع فضاء الحرية، وفصل التنظيم المهني عن أي تدخلات ذات طبيعة سياسية أو أمنية، وضمان حق كل صحافي ـ بمن فيهم حميد المهداوي ـ في العمل داخل بيئة تحترم الكرامة المهنية والحرية الفردية.

إنّ حماية حق حميد المهداوي ليست حماية لمهداوي وحده، بل حماية لخصومه أيضاً؛ لأنها حماية للنظام القانوني الذي سيصون حقهم غداً حين تُوجَّه إليهم الاتهامات أو تُستهدف أصواتهم. فالمجتمع الذي يسمح بإهانة صحافي واحد، لأي سبب، هو مجتمع يفتح الباب لإهانة الجميع. وما ندافع عنه اليوم ليس شخصاً، بل دولة نريد لها أن تعيش بالقانون لا بالعقاب، وبالحرية لا بالخوف، وبالصحافة لا بالصمت.

ـ  أستاذ التعليم العالي بالولايات المتحدة الأمريكية

المصدر