تقرير: استثمارات البنية التحتية رفعت إنتاجية المغرب بـ20% منذ 2005

منذ 3 ساعات 2
ARTICLE AD BOX

يعتزم المغرب رفع استثماراتها العمومية في البنية التحتية خلال الفترة 2024–2030 إلى ما يعادل 11.9 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي لسنة 2024، في خطوة يُتوقع أن ترفع الناتج الداخلي الحقيقي بنحو 2 بالمائة بحلول 2030 وحوالي 3 بالمائة على المدى الطويل، وفق تقرير حديث لصندوق النقد الدولي تحت عنوان الأثر الاقتصادي الكلي لتسريع الاستثمارات العمومية في البنية التحتية في المغرب.

ويبرز التقرير أن هذا التوجه الاستثماري الكبير يعكس رهان المغرب المتواصل على البنية التحتية كرافعة أساسية للنمو الاقتصادي وتعزيز الإنتاجية، مع تسجيل تأثيرات إيجابية متوقعة، رغم وجود تحديات مرتبطة بارتفاع الواردات ومخاطر مزاحمة الاستثمار الخاص.

ويشير التقرير إلى أن المغرب شرع فعليا في تنفيذ برنامج استثماري ضخم يهم قطاعات النقل والطاقة والبنية الرقمية والسياحية، حيث يهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني ودعم الاندماج الإقليمي والدولي، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والديمغرافية التي يعرفها البلد، من بينها التوسع الحضري وارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية.

استثمارات كبرى بقيمة 190 مليار درهم

وبحسب المعطيات الواردة، فإن هذا البرنامج الاستثماري يشمل مشاريع كبرى تتوزع على تطوير السكك الحديدية بنسبة 6.0 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي، والمطارات بنسبة 2.4 بالمائة، والطرق بنسبة 0.9 بالمائة، إلى جانب بناء وتجديد الملاعب بنسبة 2.2 بالمائة، فضلا عن تحسين البنيات التحتية الحضرية والسياحية بنسبة 0.5 بالمائة.

ويُنتظر أن يبلغ الحجم الإجمالي لهذه الاستثمارات حوالي 190 مليار درهم، مع اعتماد نموذج تمويلي متعدد المصادر، حيث ستساهم المؤسسات والمقاولات العمومية بنسبة 7.4 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي، بينما ستتحمل الجماعات الترابية 3.2 بالمائة، وستمول الحكومة المركزية ما يعادل 1.4 بالمائة من الناتج.

ويؤكد التقرير أن المغرب راكم خلال العقود الماضية تقدما ملحوظا في تطوير بنيته التحتية، حيث ساهمت هذه الاستثمارات في رفع الإنتاجية وتحسين مستويات العيش وتعزيز تنويع الاقتصاد، خاصة منذ منتصف العقد الأول من الألفية الحالية.

وفي هذا السياق، يبرز التحليل أن البنية التحتية لعبت دورا محوريا في نمو الإنتاجية، إذ تشير التقديرات إلى أن تحسينات الكمية والجودة في هذا المجال ساهمت بحوالي 20 بالمائة من نمو الإنتاجية في المغرب منذ سنة 2005، مع توزيع متقارب بين أثر الكمية والجودة.

كما يوضح التقرير أن قطاع الاتصالات كان الأكثر مساهمة في هذا النمو، متبوعا بقطاع الموانئ، في حين سجلت قطاعات أخرى مثل الطرق والكهرباء تقدما متفاوتا، ما يعكس استمرار وجود فجوات هيكلية رغم التحسن العام.

تأخر في سرعة وجودة الإنترنيت 

وفي ما يتعلق بالبنية التحتية الطاقية، يشير التقرير إلى أن المغرب نجح في توسيع قدراته الإنتاجية بشكل ملحوظ، إلا أنه لا يزال يعتمد على استيراد الطاقة لتلبية الطلب المتزايد، حيث تبلغ القدرة الإنتاجية لكل 1000 عامل حوالي نصف متوسط الدول ذات الدخل المتوسط.

أما في قطاع الطرق، فقد ظلت كثافة الشبكة الطرقية منخفضة نسبيا، رغم تحسن جودة الطرق المعبدة التي أصبحت قريبة من مستويات الدول المقارنة، بينما شهدت خدمات الإنترنت توسعا كبيرا، لكنها لا تزال متأخرة من حيث السرعة والجودة، مع بدء تشغيل خدمات الجيل الخامس في أواخر 2025.

وفي المقابل، يبرز قطاع الموانئ كنقطة قوة رئيسية، حيث أصبح ميناء طنجة المتوسط أكبر ميناء من حيث طاقة الحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، ما ساهم في تعزيز موقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية ورفع حجم الصادرات الصناعية، خاصة في قطاع السيارات.

ويركز التقرير على أن فعالية الإنفاق العمومي تمثل عاملا حاسما في تحقيق العائد الاقتصادي من هذه الاستثمارات، حيث تمكن المغرب من تقليص فجوة كفاءة الإنفاق على البنية التحتية بشكل ملحوظ بين 1980 و2010، مع استمرار إمكانية تحسين الأداء للوصول إلى أفضل الممارسات العالمية.

ارتفاع المديونية وعجز الميزانية

وتشير نتائج النمذجة الاقتصادية التي اعتمدها التقرير، باستخدام نموذج التوازن العام متعدد المناطق، إلى أن زيادة الاستثمار العمومي ستؤدي إلى رفع الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2 بالمائة مقارنة بسيناريو عدم الاستثمار بحلول 2030، ثم إلى حوالي 3 بالمائة على المدى الطويل بفضل تأثيرات الإنتاجية.

غير أن هذه المكاسب ستتأثر بعوامل عدة، أبرزها ارتفاع نسبة الواردات المرتبطة بالمشاريع، حيث يُتوقع أن تصل إلى 60 بالمائة من إجمالي الإنفاق الاستثماري، ما يحد من الأثر المباشر على الإنتاج المحلي، إضافة إلى مزاحمة الاستثمار الخاص في المدى القصير نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل.

ويُتوقع أن يرتفع عجز الميزانية خلال فترة التنفيذ بمتوسط 1.2 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنويا بين 2024 و2030، في حين سيزداد الدين العمومي بنحو 7 بالمائة إلى 8 بالمائة من الناتج قبل أن يبدأ في الانخفاض تدريجيا بعد 2030 مع تحسن النمو الاقتصادي.

كما يُظهر التقرير أن الاستثمار الخاص سيتأثر سلبا في البداية بسبب مزاحمة التمويل، لكنه سيستعيد زخمه في المدى المتوسط مع تحسن الإنتاجية وارتفاع العائد على الاستثمار، ما يؤدي إلى تعزيز دينامية الاقتصاد الوطني.

وفيما يخص السيناريوهات البديلة، يؤكد التقرير أن كفاءة الاستثمار العمومي تلعب دورا حاسما في تحديد حجم المكاسب، حيث يؤدي تحسين الكفاءة بنسبة 20 بالمائة إلى رفع الناتج الداخلي الإجمالي على المدى الطويل إلى ما بين 3.5 بالمائة و4 بالمائة، دون زيادة إضافية في الدين.

في المقابل، يؤدي انخفاض الكفاءة بنفس النسبة إلى تقليص المكاسب إلى ما بين 2.0 بالمائة و2.5 بالمائة، بينما تؤدي تجاوزات التكاليف بنسبة 30 بالمائة إلى ارتفاع الدين دون تحقيق مكاسب إضافية في النمو، ما يشكل خطرا على التوازنات المالية.

زيادة ضرائب الاستهلاك

كما يبرز التقرير أن تمويل جزء من هذه الاستثمارات عبر الضرائب، خاصة بزيادة ضرائب الاستهلاك بما يعادل 4.6 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي، يمكن أن يقلل من مستوى الدين بنحو 3 بالمائة إلى 4 بالمائة، رغم تأثيره المؤقت على الاستهلاك في المدى القصير.

ويشدد التحليل على أهمية التحكم في المخاطر المالية المرتبطة بهذا البرنامج، خاصة من خلال تحسين حكامة الاستثمار العمومي، وتعزيز آليات تتبع المشاريع، والحد من تجاوزات التكاليف، وضمان إدماج تكاليف الصيانة المستقبلية في الميزانية.

كما ينبه التقرير إلى ضرورة مراقبة ديون المؤسسات العمومية والجماعات الترابية، باعتبارها تشكل جزءا مهما من التمويل، مع التأكيد على أهمية تصميم آليات فعالة لاستخلاص رسوم استخدام البنيات التحتية بعد 2030 لتغطية تكاليف الصيانة وخدمة الدين.

ويخلص التقرير إلى أن المغرب يمتلك فرصة كبيرة لتحقيق قفزة نوعية في النمو الاقتصادي بفضل هذا البرنامج الاستثماري، شريطة ضمان تنفيذ فعال وتدبير محكم للمخاطر، حيث يمكن للبنية التحتية أن تظل محركا رئيسيا للإنتاجية والتنمية الاقتصادية في السنوات المقبلة.

المصدر