إعفاء واستقالة الحكومة في النظام الدستوري المغربي: قراءة تحليلية

منذ 6 أشهر 3
ARTICLE AD BOX

تقديم:

آراء أخرى

  • الشباب والتوترات الاجتماعية

  • جيل القنطرة الذين صنعوا طريق الوحدة والديموقراطية ولم يعبروا وحدهم

  • التغيير في المغرب.. غير ممكن !

يؤخذ من مقتضيات الدستور المغربي لسنة 2011 ، أنها تنظم الحالات المؤدية إلى إعفاء الحكومة أو استقالتها،  لكن لم يرد صراحة في الدستور ، ما يفيد التنصيص على آلية إعفاء أو إقالة رئيس الحكومة.

أنه وأمام الجدل الذي يطرحه غياب مقتضى دستوري صريح، ينص على إمكانية إعفاء رئيس الحكومة من طرف الملك،  فإن ذلك لا يمنع من إبداء الرأي بشأن ذلك،  و التساؤل ما اذا كان يحق للملك إعفاء رئيس الحكومة لسبب من الأسباب، في ظل خلو الفصل 47 من الدستور،  من التأكيد على إمكانية إعفاء أو إقالة رئيس الحكومة من لدن الملك، وتبعا لذلك استقالة الحكومة (  أولا ).

لكن، يستفاد من مقتضيات الفقرة 5 من الفصل 47 من الدستور،  أن تقديم رئيس الحكومة الاستقالة،  يترتب عنها إعفاء الحكومة بكاملها من طرف الملك( ثانيا ) .

كما خول وفوض الفصل 51 من الدستور للملك،  صلاحية حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير، على أن يتم ذلك طبق الشروط المبينة في الفصول 96 و 97 و 98 من  ( ثالثا ).

ومن جهة اخرى، يمكن لرئيس الحكومة أن يبادر إلى طرح التصويت بمنح الثقة للحكومة من طرف مجلس النواب، بناء على تصريح يدلي به  رئيس الحكومة في موضوع السياسة العامة، أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه طبقا للفصل 103 من الدستور، والتصريح المذكور ، قد يترتب عنه استقالة الحكومة استقالة جماعية في حال سحب الثقة من الحكومة بالاغلبيةالمطلقة لاعضاءمجلسالنواب ( رابعا ).

ولرئيس الحكومة أيضا ،  إمكانية حل  مجلس النواب، وفق المسطرة الدستورية، المنصوص عليها في الفصل 104 من الدستور( خامسا) .

كما ينص الدستور في الفصل 105 على سلاح سياسي فعال،  يتمثل في ملتمس الرقابة، الذي يمكن ممارسته من طرف أعضاء مجلس النواب، ( وكذا مجلس المستشارين لكن المشرع الدستوري لم يمنحه حق إسقاط الحكومة  ) و بعد   التوقيع عليه من طرف الخمس على الأقل من أعضاء المجلس المذكور،  وعند قبول الملتمس شكلا، لاكتمال النصاب الدستوري وهو الخمس، يفتح في ضوء ذلك، نقاشات برلمانية يعقبها التصويت على الملتمس،  و في حال التصويت عليه من طرف الأغلبية المطلقة لاعضاء مجلس النواب ، يترتب على ذلك استقالة الحكومة استقالة جماعية( خامسا).

وهكذا، سنتولى التطرق إلى المحاور الخمس أعلاه ،  في هذه الدراسة، وفقا لخطة سيتم عرضها عبر حلقات ، مع إعتماد قراءة تحليلية لاحكام الدستور المؤطرة لاستقالة  رئيس الحكومة أو إعفاء الحكومة، اما بصراحةالنص الدستوري، او بشكل ضمني . ( يتبع في الحلقة  رقم 2 المقبلة) .

حالة حل الملك لمجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير.

ينص الفصل 51 من الدستورللملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير،  طبق الشروط المبينة في الفصول  96 و 97 و 98″ .

وهكذا،  يتبين بأن الدستور أجاز صراحة للملك الحق في حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير، وفق الشروط الدستورية، المتمثلة في استشارة الملك رئيس المحكمة الدستورية واخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين.

وعند استيفاء المسطرة الدستورية شروطها، يتخذ الملك قرار حل مجلسي البرلمان أو أحدهما، بعد  توجيه خطاب إلى الأمة تطبيقا لاحكام الفصل 96 من الدستور.

وتبعا لقرار حل مجلسي البرلمان أو أحدهما من لدن الملك، يتعين انتخاب مجلسي البرلمان أو أحدهما في ظرف شهرين على الأكثر بعد تاريخ الحل، وهو أجل دستوري غير قابل للتمديد، لأن الجهة أو السلطة المعنية بتنظيم الانتخابات والإشراف عليها، لا تملك حق التصرف في الأجل المذكور،  مهما كانت المبررات، عملا باحكام الفصل 97 من الدستور.

وبناء على ما ذكر،  فإن حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير من طرف الملك، يترتب عنه ( قرار حل مجلس النواب ) استقالة رئيس الحكومة وبالتبعية إعفاء الحكومة بكاملها من لدن الملك،  لكنها تواصل مهامها عن طريق تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل حكومة جديدة.

ان تقديم رئيس الحكومة الاستقالة واعفاء الحكومة بكاملها،  هي نتيجة منطقية وحتمية، تمليها القواعد  الدستورية التي تقضي بذلك، لما يقدم الملك على حل مجلسي البرلمان أو أحدهما. علما ، أن الحكومة سياسية تستمد شرعيتها وكيانها من اانتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى قاعدة النتائج الانتخابية يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب،  وعلى أساس نتائجها، كما يعين الملك أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

ولا تعتبر الحكومة دستورية، إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب،  المعبر عنها بتصويت الاغلبية المطلقة للاعضاء الذين يتالف منهم، لصالح البرنامج الحكومي،  وفي هذه الحالة نكون أمام التنصيب البرلماني للحكومة، واكتسابها الشخصية الدستورية، لتحقق شرطي التعيين الملكي والتنصيب البرلماني.

وترتيبا، على ما ذكر، يستفاد من أحكام الدستور أن حل مجلس النواب من لدن الملك يؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة وسابقة لاوانها، داخل أجل شهرين الأكثر،  اعتبارا من تاريخ حل مجلس النواب( أو مجلسي البرلمان ) ، وبالتبعية يعتبر رئيس الحكومة في حكم المستقيل بقوة الدستور، كما يترتب على ذلك أيضا إعفاء الحكومة كاملة من لدن الملك.

ويبدو، أن الآثار المترتبة عن مسطرة حل مجلسي البرلمان أو أحدهما،  تختلف جوهريا عن حالة تقديم رئيس الحكومة الاستقالة الارادية،   أو عن حالة إعفاء أو إقالة رئيس الحكومة من طرف الملك، لأنه عند حل مجلسي البرلمان أو أحدهما، يتم تنظيم انتخابات جديدة،  و في حالتي استقالة رئيس الحكومة طوعيا، او عند  إعفاءه( إقالته ) بقرار ملكي، فإنه يتعين دستوريا على الملك تعيين رئيس حكومة جديد، ومن نفس الحزب، الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.

اولا : وجهة نظر حول مدى جواز إعفاء رئيس الحكومة من طرف الملك حيادا عن الفصل 47 من الدستور:

يستفاد من مقتضيات الفصل 47 من الدستور،  بأنها تنظم وبشكل صريح وواضح، مسطرة تعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة، من طرف الملك،  ثم تليها مسطرة تنصيب الحكومة، وفقا لاحكام الفصل88 من الدستور.

كما بين الفصل 47 من الدستور،  كيفية إعفاء عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم، التي  تكون اما بمبادرة من الملك، بعد استشارة رئيس الحكومة،  أو بناء على طلب من رئيس الحكومة بمبادرة منه،  أو بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية، والملك هو من يقرر إعفاء عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة،  لكونه هو من يملك سلطة التسمية أو التعيين وسلطة الإعفاء بتفويض من الدستور.

كما أن الفصل 47/ الفقرة 5 من الدستور ينص وبشكل صريح، على مبدأ تقديم رئيس الحكومة الاستقالة،  التي يترتب عنها إعفاء الحكومة بكاملها من لدن الملك، وفي هذه الحالة لا ينطرح أي اشكال لانهاء مهام الحكومة، لكن المشكلة في استمرار التحالف الحكومي في تسيير الشأن العام، أمام الاحتججات المعارضة لها.

ويتبين من أحكام الفصل 47 من الدستور،  أنها لم تنظم صراحة مسطرة إقالة أو إعفاء رئيس الحكومة من لدن الملك، وهو ما شكل موضوع جدل فقهي، بين من يقول بأن الدستور لا يمنح هذه الإمكانية للملك ، وببن رأي مؤيد يرى بأنه لا يوجد في الدستور ما يحول دون اتخاذ الملك لقرار إعفاء رئيس الحكومة.

ونرى من جانبنا، أن خلو الفصل 47 من الدستور، التنصيص على مقتضى إقالة أو إعفاء رئيس الحكومة من لدن الملك، لا يعني ذلك أن الفصل المذكور، يقيد سلطة الملك، وبالتالي لا يجوز له إعفاء رئيس الحكومة،   لان الملك وبالنظر إلى كونه رئيس الدولة ويتمتع بسلطات واسعة بتفويض من الدستور ، يمكنه أن يتخذ قرار إعفاء رئيس الحكومة.

ومن المقرر وبموجب الدستور، أن الملك يملك سلطة تسمية وتعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة، ولذلك فخلو الفصل 47 من الدستور  التنصيص على مسطرة إعفاء رئيس الحكومة ، قد يفسر من طرف بعض من الفقه الدستوري بتطويق الملك دستوريا، و تبعا لذلك عدم جواز إعفاء رئيس الحكومة من لدن الملك.

واعتقد، بأن المشرع الدستوري، وان كان لم يفوض للملك صراحة، ممارسة سلطة إعفاء رئيس الحكومة،  فإنه لو أراد تقييد الملك من تلك الآلية، لنص على ذلك صراحة،  ولما لم يفعل المشرع الدستوري ما ذكر، يبقى مبدأ الجواز أو الاباحة هما الأصل، ما دام أن الملك هو رئيس الدولة طبقا للفصل 42 من الدستور.

ومن جهة اخرى،  ولما كان الملك هو من يمثل سلطة تعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة، وبأن الدستور لم يرد في احكامه ما يمنح الملك سلطة إعفاء رئيس الحكومة،  فهل يعتبر ذلك اغفالا دستوريا،  أم ان المشرع الدستوري تعمد في عدم التنصيص على ذلك صراحة،  تطبيقا للمبدأ العام الذي يقضي بأن الأصل هو الاباحة والجواز،  وبأن سلطة التسمية هي من تملك أيضا وبالتبعية سلطة الإعفاء، ومن ثم ليس هناك ما يمنع من اتخاذ الملك قرار إعفاء رئيس الحكومة من خارج أحكام الفصل 47 من الدستور.

هذه النظرية، تستمد وجودها من عدة قواعد ومبادىء ،  تتمثل فيما يلي:

إن الملك هو رئيس الدولة؛

إن الملك يحتكر إمارة المؤمنين؛

إن الملك هو مصدر السلطة التأسيسية الأصلية( واضع الدستور )؛

إن الملك هو مالك السلطة التأسيسية الفرعية( حق تعديل الدستور ) .

كما أن الدستور، مكن الملك من ممارسة الولاية العامة في قضايا مصيربة واستراتيجية، من بينها، حماية الدستور، حسن سير المؤسسات الدستورية، صيانة الاختيار الديمقراطي ، وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين والجماعات

والملك بصفته أميرا للمؤمنين،  ورئيسا للدولة، وهو واضع الدستور، وهو من يملك سلطة تعديله، فإنه يملك سلطة تأويل الدستور،  استنادا إلى الشرعيات الدينية والتاريخية والدستورية، ولا توجد سلطة أعلى من سلطة الملك،  الأمر الذي يسمح له بامكانية اتخاذ قرارات سياسية وسيادية ، ولو لم يرد التنصيص بشانها صراحة في الدستور،  ومن بينها حالة إعفاء أو إقالة رئيس الحكومة، كلما تقتضي ذلك المصلحة العامة ، وكذا من أجل دواعي حماية النظام العام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

ان إعفاء رئيس الحكومة من لدن الملك، يترتب عنه حل الحكومة بكاملها، وهو ما يعني مواصلتها في في تصريف الأمور الجارية إلى حين تشكيل حكومة جديدة.

لكن، إعفاء رئيس الحكومة والحكومة،  وفقا للمسطرة الدستورية، يترتب عنهما تشكيل حكومة جديدة، ووفقا للمنهجية الديمقراطية التي نص عليها الفصل 47 من الدستور ، فإنه يتعين على الملك تعيين رئيس الحكومة الجديد من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وهو حزب التجمع الوطني للاحرار،  وهذا التوجه لن يعمل على حلحلة الازمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب،  بل ربما أن الوضع سيزداد ازمية وتعقيدا، مما هو عليه حاليا، ولذلك يبقى خيار إعفاء رئيس الحكومة ليس بالحل الامثل، بل أن المرحلة تقتضي الذهاب الى حل مجلس النواب، والذهاب الى تنظيم انتخابات سابقة لاوانها، وهي الإمكانية التي يملكها الملك بموجب الفصل 51 من الدستور .

وتنظيم انتخابات جديدة، يتطلب إصدار قوانين انتخابية جيدة، والاعلان عن احداث هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات، بموجب قانون، والقطع مع الفساد الانتخابي من أجل ضمان انتخابات نزيهة،  وأن يتم تحديد معايير قانونية لمن يرغب في الترشح،  ومن اهمها إعتماد شرط الاجازة على الاقل بالنسبة لاعضاء مجلس النواب.

المصدر