ألكسندر دوغين: بوتين “الشمسي” ينتصر على بوتين “القمري”

منذ 3 سنوات 4
ARTICLE AD BOX

في عام 2014، كانت صوره معلقة في شوراع خاركيف، ومن أتباعه ستريلكوف وبوروداي، وهما أول رجلان يقودان جمهورية دونيتسك الشعبية بعد انفصالها عن أوكرانيا. ولقد ذهب المتطوعون الروس إلى دومباس وبداخل عقولهم اقتباسات من أفكار دوغين، الذي شكلت نظرياته أساس لم شمل الإمبراطورية الأوراسية، وإعادة توحيد السلاف الشرقيين والروس والأوكرانيين والبيلاروسيين، إنها العملية التي نراقب حدوثها منذ 22 فبراير 2022.

في هذا الحوار يكشف منظر العالم الروسي، الفيلسوف ألكسندر دوغين لماذا هو وبوتين يتحدثان بنفس العبارات.

 في حوار سابق لكم، تميزون بين شخصين من بوتين؛ “الشمسي” و”القمري”، الأول يشير إلى الكريمناش (مصطلح جديد في اللغة الروسية برز عام 2014 في سياق الجدل السياسي والاجتماعي حول ضم شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي)، وإعادة توحيد الإمبراطورية الأوراسية، والمسيانية (الخلاص بنزول المسيح لإقامة العدل والسلام على الارض). بينما يدل “القمري” على الممارس العقلاني والواقعي، المؤيد للاقتصاد الرأسمالي. حينها أعربتم عن قلقكم من أن بوتين لن يختار المسار المشمس بأي حال من الأحوال، مفضلا الجمع بينهما. كيف يتم تحديد الاختيار اليوم؟

نعم وبدون شك، لقد انتصر بوتين “الشمسي”، ولقد قلت بحدوث ذلك، ليس قبل عام، ولكن منذ سنوات متوالية. حتى أنني نشرت كتابا حول هذا الموضوع تحت عنون “بوتين ضد بوتين”، يتناول المفارقات الرئيسية للسياسة الروسية، وقد ترجم هذا الكتاب إلى لغات عدة، وفيه أتحدث بالتفصيل حول نظريتي.

في علم التاريخ، نجد كاتبا جديرا بالإهتمام وهو إرنست كانتوروفيتش، الذي نشر دراسة عنوانها “جثتا الملك”، وفكرته الرئيسية هي أن أي حاكم عظيم دائما ما يكون متناقضا؛ جسديا هو إنسان بكل تأكيد، ومن ناحية أخرى يُعتبر شخصية تاريخية، أي جزء من سيرورة تاريخية، بمعنى يمكنه التفكير بطريقة واحدة كشخص، بينما كشخصية تاريخية، فهي تُعتبر كمحور لمصائر الشعوب والدول.

تتسبب هذه الإزدواجية في توتر عميق للغاية، أو مأساة الحاكم، وهي سمة مرتبطة بمجموعة متنوعة من الأنظمة السياسية، فلا يهم إذا كنا نتعامل مع الديمقراطية، كما في حالة تشرشل، أو مع النظام الملكي، كما في عهد إيفان الرهيب أو نيكولا الثاني. ينشأ هذا الانشقاق في الروح وفي القلب، في عقل الحاكم، عندما يدرك جيدا مسؤوليته التاريخية، عندما يعتمد مستقبل ومصير البشرية على أفعاله وقراراته المنبثقة من “الأنا”.

يتصرف الشخص العادي بعقلانية، أسمي هذا الجانب بـ “القمري”، أي أنه يتكيف مع الظروف ويعترف بقواعد اللعبة، ويتبع المعايير الأخلاقية.

أما المبدأ “الشمسي” فهو يجبر الشخص على اداء عمل عظيم، وهو ما يتجسد بوضوح في صورة رئيسنا، بوتين.

يكرس بوتين لسيادة روسيا كدولة، لكن من جانب أخر، عقلاني، أعتقد أنه كان مدركا جيدا للعواقب التي قد يسببها الإصرار المستمر على موقفه .في هذا الصدد، فإن بداية بوتين” الشمسية” مأساوية للغاية، لأنها تنطوي على صراع مع أفكار وقيم الغرب.

ولكن ما الذي أدى إلى هذا التغيير الجذري؟ لأننا جميعا، في دجنبر، كنا نسير إلى “معسكر الإعتقال الرقمي”، حينها فُرض بالإجماع تقريبا عبر نواحي روسيا شهادات QR، كما هو الحال في الغرب، وبشكل عام لم يكن أي شيء ينذر بالقطيعة مع الغرب ومشاريعهم. يبدو الأمر كما لو أن هناك أحداثا لا نعرف عنها…

أعتقد أنه طيلة 22 سنة من السياسة الروسية تحت حكم رئيسنا، أكد بوتين رغبته في الجمع بين المتناقضات بأي ثمن. وذلك من حيث الاندماج في النظام العالمي والوفاء بجميع التزاماته، من خلال الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية، وتبني نموذج اقتصادي ليبرالي، والرقمنة، وكذا الانتماء إلى المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان. ومن ناحية أخرى عمل الرئيس على تعزيز سيادة روسيا.

في المقابل حافظنا على استقلاليتنا العسكرية كما عززنا مصالحنا، إذ دافعنا مثلا عن وحدة الأراضي في الحملة الشيشانية الثانية، وعززنا الحكومة المركزية وتصدينا للنزعة الانفصالية داخل روسيا. هاتان المهمتان “القمرية” و”الشمسية” كانتا غير متوافقتين مع بعضهما من حيث المبدأ. إلى حد ما كانتا كلا الخطتين تمضيان مع بعضهما تحت همينة رئيسنا، بينما كان ينمو الصراع الداخلي. وبشكل عام، أعتقد أن التوازن النسبي بقي محفوظا إلى غاية 22 فبراير 2022.

مهلا! لكن مناورات “عزم الاتحاد-22” على الحدود مع أوكرانيا بدأت في وقت سابق قبل 22 فبراير، لهذا من المستحل أن نتحدث عن أي بدء مفاجئ للعملية العسكرية الخاصة؟

كلا الخطتان القمرية والشمية لم تذهبا وفق نفس الخطوة، إذ كان تبني الليبرالية والاندماج في العمليات الدولية أحد هذه الخطوات، بينما اتى الدفاع الاستراتيجي العكسري عن مصالحنا العسكرية على مستوى آخر. وعلى حد علمي، لم تتقاطع هاتان الخطتان، لكن في مرحلة ما رأت قيادتنا أن النظام الأوكراني سيهاجم إقليم الدونباس والقرم مسنودا من الغرب، في حين أن تركيز القوات على حدودنا ليس كافيا على الإطلاق لمنع هذا الهجوم، لذلك كان من المستحيل الحفاظ على سيادة روسيا إذا لم نشن عملية عسكرية خاصة.

هل كانت أوكرانيا بصدد مهاجمة الدونباس أو روسيا؟

في حال ما بدأت كييف أولا، وتكللت عمليتها العسكرية في الدونباس بالنجاج، كان سوف يؤدي ذلك في ظل النظام الأوكراني الحالي إلى هجوم حتمي على شبه جزيرة القرم بمشاركة قوات الناتو. هذه الخظة كانت قائمة؛ أن تهاجم اوكرنيا الدونباس ثم روسيا.

ولكن ما مدى السرعة التي يمكنهم تحقيق ذلك؟ خلال يوم واحد؟ أسبوع؟ شهر؟

لا أعلم، لكن ليس لدي أي سبب يجعلني لا أثق بقيادتنا، التي تتحدث عن هذه الخطط.

كما نرى، لم يتدخل الغرب ولا الناتو بشكل مباشر، على الرغم من الفرص واتتهم للقيام بذلك، إذ كان لديهم دافع وهو أن روسيا بدأت العملية الخاصة، ومع ذلك لا يبدوا أنهم في عجلة من امرهم لمساعدة أوكرانيا بالقوة العسكرية أو تغطية السماء بدفعاتهم الجوية. فأين يتجلى اليقين بمساعدتهم لاوكرانيا وفق سيناريو آخر؟

أرادوا الهجوم بالوسيلة الخطأ، لقد أرادوا إطلاق العنان للنظام الفاشي الأوكراني ضدنا.

لماذا لا يهاجمون الآن؟ أعتقد أن الوقت لم يحن بعد، فهم يراقبون الآن تقدمنا ويحتفظون بفرصة تصاعد الصراع إلى مستوى جديد. إنهم يعتقدون أن كل تلك الإجراءات قد نجحت، بما في ذلك العقوبات، مستغلين البداية الوقائية الاستباقية والتحذيرية لعملية عسكرية خاصة. إنهم يعتقدون أن لديهم فرصة لهزيمة روسيا ليس بالمعنى الحرفي، لأن هذا مستحيل، ولكن من خلال إخضاعنا وإجبارهم على الاستسلام من خلال استبعادنا من نظامهم العالمي.

إنهم يعتقدون أنه من خلال عزلنا عن كل مكان حيث اندمجوا فيه في السابق بجد، وإخراجنا من حضارتهم، فإنهم سيجبرون روسيا على إنهاء فرض وجودها. يعتقد الغرب أن خطوات عزل روسيا كافية.

بعد أن عبر رئيسنا نهر الروبيكون (عبور روبيكون يعني عملا حاسما او نقطة اللاعودة، وهو يشير إلى بداية الحرب الأهلية بين يوليوس قيصر وبومبيوس الكبير في روما، بعد أن عبر قيصر جيشه النهر في 49 قبل الميلاد)، تم الكشف عن جميع التناقضات التي كانت جزءا لا يتجزأ من هذا النظام المزدوج. كان لهذا النظام سم داخلي يقتل مجتمعنا على المدى الطويل، لكن كان يلم مكونا عسكريا سليما. يحتوي أيضًا على مكون عسكري استراتيجي سليم. كانت العولمة أداة لعالم أحادي القطب، وهي الأداة التي سعت إلى تعزيز هيمنة الغرب وإضعاف جميع المشاركين فيها. على ما يبدو، لم يكن واضحًا لقيادة الدولة حتى وقت قريب أن رواد العولمة كانوا يستغلوننا.

ـ ترجمه من الروسية عبد الحكيم الرويضي

المصدر