أسطورة سيزيف والبنية السلفية: حين يصبح الفكر صخرةً مستحيلة الحركة

منذ 1 سنة 5
ARTICLE AD BOX

عادل الشياظمي 

أسطورة سيزيف والبنية السلفية: حين يصبح الفكر صخرةً مستحيلة الحركة

الأحد 16 مارس 2025 | 13:30

لو عاش ألبير كامو في مجتمع يحكمه الخطاب السلفي، لكان سيغير نهاية أسطورته الشهيرة: “يجب أن نتخيّل سيزيف سعيدًا”. لماذا؟ لأن سيزيف في الأسطورة يدرك عبثية مهمته، أما في النسخة السلفية، فالجميع مقتنعون بأن الصخرة ستصل يومًا إلى القمة، فقط إن دفعناها بقوة أكبر، وإن أغلقنا أعيننا عن قوانين الجاذبية!

آراء أخرى

  • أين اختفت تونس قيس سعيد؟

  • في اليوم العالمي لمكافحة الإسلاموفوبيا

  • الإهانة في زمن الميغا امبريالية: عقلانية التشاؤم وتفاؤل الإرادة.

يُفترض في الفكر أن يكون أداةً لصناعة الجديد، لكن الخطاب السلفي ليس فكرًا، بل نظام تشغيل للعقل يمنعه من التفكير خارج إطاره. وكما حُكم على سيزيف بدفع الصخرة مرارًا دون أمل، فإن هذا الخطاب محكومٌ بتكرار نفس الإجابات لكل الأسئلة، لا لغياب البدائل، بل لأن السؤال نفسه ممنوع.

التاريخ هنا ليس مصدر إلهام، بل سجنٌ معرفي: لا مستقبل يجب خلقه، بل ماضٍ يجب استعادته، ولا تساؤل مشروع، بل إجابات معلبة جاهزة لكل العصور. في هذا السياق، لا يكون النص الديني مجالًا للاجتهاد، بل يتحوّل إلى صخرة تُسحق تحتها كل محاولة تأويل. يُقال إن “كل شيء مكتوب”، لكن الحقيقة أن كل شيء مكتوب بنفس الحبر، منذ مئات السنين، دون أن يُسمح بإضافة كلمة جديدة!

أحد الأسئلة الجوهرية هو: لماذا يعادي الخطاب السلفي الحداثة، لكنه لا يدخل في صدامٍ مع السلطة؟ الجواب بسيط: لأنه يمارس وظيفةً أخطر من المعارضة، وهي إعادة إنتاج الطاعة في النفوس. السلطة تحتاج إلى خطاب يُبرّر الاستقرار، والسلفية تقدّم الطاعة كفضيلة دينية، لا كموقف سياسي.

وبهذه الطريقة، لا يحتاج النظام السياسي إلى فرض الاستبداد بالقوة، لأن الناس يُعيدون إنتاج خضوعهم طوعًا، مقتنعين بأن السؤال هو فتنة، وأن الشكّ هو مدخل الكفر، وأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بالإصلاحات، بل بالرجوع إلى الله. وهكذا، يُصبح الحاكم ليس مسؤولًا عن الوضع، بل مجرد ابتلاءٍ إلهي لا يجوز التمرّد عليه.

لكي تستمر السلفية، لا تحتاج إلى إقناع الجميع بصحتها، بل يكفيها أن تجعل التفكير في بدائلها مستحيلًا. وهنا، نجد آليات دفاعها الأربع:

1.نزع الشرعية عن النقد: كل من يسائل الخطاب السلفي هو عدو للدين، وليس مجرد ناقدٍ لأفكارٍ بشرية.

2.إعادة تعريف الواقع: كل أزمة تُفسَّر على أنها ابتعاد عن الدين، وليس فشلًا في السياسات أو غيابًا للعدالة.

3.شيطنة البدائل: الحداثة ليست تطورًا بل غزو فكري، والعلمانية ليست مفهومًا، بل كفرٌ وإلحاد .

4.إغراق الوعي بالتفاصيل الثانوية: بدل الانشغال بالقضايا الكبرى، يُشغل الناس بأسئلة مثل “حكم الاحتفال بالمولد”، وكأن خلاص الأمة مرهونٌ بفتوى حول “التصفيق”!

كيف نكسر هذه الدائرة السيزيفية؟ ليس بمحاولة دحرجة الصخرة بطريقة مختلفة، بل بطرح السؤال الحقيقي: لماذا ندفعها أصلًا؟ إن التغيير لا يكون بمحاربة السلفية فقط، بل بتحرير السؤال نفسه من الأسر.

•يجب إعادة تأهيل الشكّ كفضيلة معرفية، بدل اعتباره تهديدًا.

•يجب تحرير الوعي من الخوف، لأن الفكر لا يولد في بيئة تخشى عواقبه.

•يجب ربط الفكر بالواقع، بحيث لا يبقى الحداثيون عالقين في نقاشات نخبوية، بينما يواصل السلفيون التأثير في الشارع.

وفي النهاية، سيستمر السلفيون في جرّ المجتمع نحو الماضي، وسيستمر العقلاء في التساؤل: لماذا ندفع صخرةً يعلم الجميع أنها ستسقط؟ لكن مهلاً، طرح هذا السؤال قد يكون بدعةً… وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار!

المصدر