آن فرانك وهند رجب، حوار الضحايا

منذ 7 أشهر 3
ARTICLE AD BOX

أنس بن صالح

آن فرانك وهند رجب، حوار الضحايا

السبت 06 سبتمبر 2025 | 12:52

هذا النص هو حوار متخيل بين ضحيتين للكراهية والتمييز، الفلسطينية هند رجب والألمانية آنا فرانك.

آراء أخرى

  • أصل الداء… «إسرائيل» والفساد

  • إِسرائِيل: القُوَّةُ المُدَمّرَةُ وَالْمَأْزقُ التَّاريخيّ

  • نحو مدونة سلوك  أخلاقية للانتخابات: استعادة الرمزية السياسية في مواجهة تسليع  الاقتراع

آن فرانك: مرحبا هند !!

هند رجب: (تصمت.. وتتطلع حائرة إلى آنا بعيون زائغة)

آن فرانك: هوني عليك أنت في مكان آمن الآن. لا تفزعي!! دعيني أقدم لك نفسي. اسمي آن فرانك، أنا فتاة ألمانية وعمري ست عشرة سنة.

هند رجب: مرحبا. اسمي هند. هند رجب. أنا فلسطينية من غزة، وعمري ست سنوات.

آن فرانك: أعرف من أنت، لقد تناهت إلى مسامعي شذرات من قصتك الغارقة في المأساوية. ذكرتني بقصة حياتي. أنت النسخة الفلسطينية لآن فرانك، وأنا النسخة الألمانية لهند رجب.

هند رجب: كيف؟ لم أفهم. ما المشترك بيننا؟

آن فرانك: أنا يهودية من ضحايا الهولوكوست. ولدت في ألمانيا، ومع صعود أدولف هتلر إلى السلطة، لجأت عائلتي إلى هولندا هرباً من اضطهاد النازيين. وإبان الاحتلال الألماني لهولندا، اختبأت عائلتي لمدة عامين في ملجأ سري.

هند رجب: عذرا على المقاطعة، لكن من يكون هتلر هذا؟

آن فرانك: آه. إنه ألماني متعصب، أعمى البصيرة، يكره اليهود والغجر وكل الأقليات. بل و يكره حتى نفسه!! قاد حربا مجنونة على العالم، وتحالف مع الفاشيين. لقد أباد بني قومي في أوروبا. حشرهم في غرف الغاز، ومارس بحقهم سياسة تجويع حولت معظمهم إلى هياكل عظمية هائمة على وجوهها في مخيمات الاعتقال وسط البرد القارس عراة حفاة.

هند رجب: كذلك فعل اليهود بقومي في غزة.. هو المشهد نفسه والسادية عينها. وماذا عنك؟ هل اعتقلك النازيون؟

آن فرانك : أجل. في عام 1944 اكتشف الجنود الألمان الملجأ، واعتُقلت مع أفراد عائلتي، ونُقلنا إلى معسكرات الاعتقال النازية.

هند رجب: وماذا بعد؟ ما كان مصيرك؟

آن فرانك : (أطرقت آن برأسها وصمتت برهة) جسدي يذكرني بما نسيته ذاكرتي. هناك، بين الضباب، والأسلاك الشائكة، وجبروت الإنسان فارقت الحياة في معسكر بيرغن- بيلسن عام 1945 بسبب المرض، قبل أسابيع قليلة من تحرير المعسكر على يد قوات الحلفاء.

هند رجب: وكيف وصلت قصتك الحزينة هذه إلى الناس؟

آن فرانك: خلال الفترة التي كنا نختبئ فيها، دأبت على كتابة مذكراتي لتزجية الوقت. أصبحت فيما بعد شهادة على يوميات الحياة في ظل الاضطهاد النازي ورمزاً لمعاناة اليهود في المحرقة، وأصبح منزلنا في أمستردام على ضفاف نهر برينسيغراخت متحفا ومزارا يحج إليه المتعاطفون مع قضيتي.

هند رجب: أتدرين يا آن!! ما خطر ببالي يوما أن أجد نفسي محاصرة في سيارة تكومت فيها جثث أقاربي، و مطوقة بالدبابات والرصاص يتطاير من حولي! أي ذنب اقترفت؟ هل بلغك صوت استغاثتي ساعات طوال وما من مغيث؟؟ هل سمعت نحيب أمي؟

مفارقة مؤلمة هذه التي تجمعنا. أهو مكر التاريخ؟ أليس صادما أن يضطهد حفدة ضحايا النازية شعبا آخر ويمارسون بحقه الإبادة وجرائم الحرب؟ كيف للضحية أن يصبح جلادا؟ أي حربائية هذه؟ أليس في الأمر تناقضا أخلاقيا صارخا؟

هل شاهدت يا آنا ما يجري في غزة؟ ألا ترقى جرائم الإسرائيليين في رفح ، وخان يونس والمواصي ، ودير البلح ، إلى المحرقة كتلك التي اكتوى بنيرانها يهود أوروبا؟. لم هذا الصمت المريب وهذا التواطؤ الفج؟ لم هذه الازدواجية في المعايير؟ لماذا انتفض العالم الحر ضد النازية وعتق اليهود من قبضة النازية ولم يحرك ساكنا حيال مأساة الفلسطينيين؟ لماذا يسترخصون دمائنا؟

بالله عليك يا آن. أليست صور الجياع والأطفال الهزلي، والشيوخ المكلومين والأمهات الثكالى، وابتهالات المستضعفين كافية ليستيقظ ضمير العالم ويصحو من سباته؟

لم يحتفي العالم بذكراك ويخلدها بينما تستباح غزة ويذبح أهلها على مرأى ومسمع من العالم؟ أليست كل نفس بشرية متساوية؟

معك حق يا آن. كلانا ضحيتان لبطش الإنسان . أنا وأنت نتقاسم نفس الآلام وأجسادنا تحمل ذات الندوب الغائرة. أنت أيقونة ماض أليم يجب ألا يتكرر، وأنا رمز حاضر مرير ودليل حي على أن ثمة من لا يرى في التاريخ إلا صفحات ووقائع.

المصدر