ورطة المجلس الأعلى للحسابات!

منذ 2 أشهر 13
ARTICLE AD BOX

بعد نشر مقالي الأخير في موقع لكم تحت عنوانقوائم الموظفين الملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات وانذارات المجلس الأعلى للحسابات، تواصل معي صحافي له باع طويل في العمل الصحافي الجاد والمسؤول، وأخبرني أن ما نشرته من معطيات في هذا المقال، كان مطابقا في بعض حيثياته مع ما ورد في التقرير الأخير الصادر عن المجلس الأعلى للحسابات، وفيه تأكيد لما قالته رئيسة المجلس زينب العدوي في جلسة البرلمان، بشأن الكيفية التي تتعاطى بها الوزارات والمؤسسات العمومية مع موضوع التصريح الإجباري بالممتلكات!

آراء أخرى

  • روبيو يُعيد إحياء “صدام الحضارات”

  • دُوخة انتخابية في 2026

  • موقع الإعلام في مونديال 2030 بعد منتدى الاعمال

من هذا المنطلق، إذا كانت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، الأستاذة زينب العدوي، تدرك أن الإدارات والمؤسسات العمومية، لا تقوم بتحيين قوائم الموظفين والاعوان العموميين الملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات، فما الذي يدفعها إلى توجيه انذارات لعدد من الموظفين، دون إجراء التحريات اللازمة حول صحة المعطيات التي يتوصل بها المجلس؟ لماذا لا يطلب المجلس من الادارات المعنية، موافاته بما يفيد أن هؤلاء الموظفين ملزمين فعلا بالتصريح الإجباري بالممتلكات، قبل توجيه انذارات لهم؟ أم أنها تكتفي فقط بإخبارهم بأسماء الموظفين، الذين لم يقدموا تصريحاتهم استنادا للقوائم التي يتوصل بها المجلس من خلال المنصة الإلكترونية المخصصة لذلك، ولو كانت تلك القوائم تعود لسنوات وتتضمن اخطاء مادية جسيمة؟

نعرف أن الأستاذة زينب العدوي، سيدة فاضلة ، وقاضية متمرسة، ولها خبرة كبيرة في المجال الاداري والقضائي، ولا أحد يشكك في تكوينها، ونزاهتها، ومصداقيتها، التي راكمتها خلال مسارها المهني، كمسؤولة في الادارة الترابية، وكقاضية ورئيس للمجلس الاعلى للحسابات، غير أن هذا الأمر، لا يعفينا من تسجيل بعض الملاحظات المشروعة حول كيفية تعاطي المجلس مع القوائم التي يتوصل بها من الادارات والمؤسسات العمومية، وحول المراقبة المزمع القيام بها من طرف قضاة المجلس الموقر، قبل توجيه انذاراتمخيفةومرعبة للموظفين، بالنظر لخطورة ما يترتب عنها من تدابير وإجراءات، يمكن أن تصل إلى حد العزل من الوظيفة العمومية، أو المتابعة القضائية، أو فرض غرامات مالية تترواح بين 3000 درهم و 15000 درهم!

جزء كبير من هؤلاء  الموظفين، يرون أن إدراج أسمائهم ضمن قوائم الموظفين الملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات من طرف إداراتهم، ينم عن وجود خطأ مادي ناتج عن قصور في فهم مقتضيات القانون المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات، لأنهم لا يمارسون المهام المنصوص عليها في المادة الثانية منه.

وفي هذا السياق، لقد سبق لبعض هؤلاء الموظفين، مراسلة المجلس الأعلى للحسابات من خلال السلم الإداري، لتوضيح ان هناك خطأ في إدراج أسمائهم، غير أن الإدارات والمؤسسات العمومية المعنية، عوض أن تحيل مراسلاتهم وتظلماتهم  على المجلس للبث فيها في اطار الاختصاص المكفول له دستوريا، اختارت الرد عليهم وتحذيرهم من مغبة عدم القيام بإجراء التصريح، دون تقديم اي سند قانوني ( قرار، تكليف، تفويض)، يفيد أنهم معنيبن فعلا بالتصريح الإجباري بالممتلكات، وأنهم كانوا يمارسون مهاما تستدعي ذلك!

ليس من حق الإدارات القيام بأي إجراء  يحول دون وصول تظلمات الموظفين ومراسلاتهم إلى رئاسة المجلس الأعلى للحسابات كمؤسسة دستورية مختصة. كما أن مهمة تلك الإدارات تنتهي بإعداد قوائم الموظفين الملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات، وإرسالها إلى المجلس الأعلى للحسابات ( إيصال الخبز للفرن)، وبعدها تصبح الكرة في ملعب طرفين: المجلس الأعلى للحسابات من جهة، والموظفين المعنيين بالأمر من جهة أخرى!

وحتى إذا افترضنا أن من حق  الإدارات الرد على المراسلات الموجهة من قبل الموظفين إلى المجلس الأعلى للحسابات، عن طريق السلم الاداري، فإن ردها  ينبغي أن يكون معللا بما يفيد أن هؤلاء الموظفين ملزمين فعلا بالتصريح الإجباري بالممتلكات، عوض التلاعب بالجمل، وتطويع القاعدة القانونية الآمرة، لللتغطية عن أخطاء ارتكبت من طرف المسؤولين الذين أسندت لهم مهمة إعداد القوائم!

المجلس الاعلى للحسابات، مؤسسة دستورية موقرة، ترفع تقارير سنوية إلى ملك البلاد طبقا لصلاحياتها الدستوري. لهذا، يتعين على الإدارات والمؤسسات العمومية، التعامل مع هذه المؤسسة الدستورية بشكل جاد ومسؤول، ومنحها قوائم سليمة للموظفين الملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات، وموافاتها بما يفيد ذلك ( قرارات التعيين، قرارات التكليف، قرارات التفويض)، وتحيين تلك القوائم بشكل دوري، عوض التقاعس عن فعل ذلك، للتغطية عن اخطاء مادية جسيمة، ارتكبت من طرف مسؤوليها!

من غير المقبول بثاثا توجيه انذارات لموظفين أحيلوا على التقاعد، وآخرين وافتهم المنية، أو انتقلوا من مصلحة الى أخرى، وأصبحوا يمارسون مهام  جديدة، لا علاقة لها على الإطلاق بالمهام التي كانوا يزاولونها في السابق، لمجرد أن إداراتهم لا تقوم بالتحيينات المطلوبة، حتى لا ينكشف أمر تلك الاخطاء التي ارتكبتها في وقت سابق!

إعتماد المجلس الأعلى للحسابات على القوائم التي تصله كمرجع في مراسلاته الإخبارية للادارات والمؤسسات العمومية بخصوص  الموظفين الذين لم يقوموا بالتصريح الإجباري بالممتلكات، دون اخضاعها لاي مراقبة وتدقيق، منهجية غير سليمة وتمس في العمق بالامن الوظيفي لعدد من الموظفين، الذين يجدون أنفسهم أمام انذارات صادرة عن المجلس تطلب منهم القيام بتصريحات غير ملزمين بها بقوة القانون!

عندما يراسل المجلس الأعلى للحسابات المسؤولين في الإدارات والمؤسسات العمومية، ويخبرهم بأسماء الموظفين الذين لم يصرحوا بممتلكاتهم، فإن جزء كبير من هؤلاء المسؤولين لا يقوم بإجراء المتعين بشأن تحيين اللوائح، والدليل على ذلك ان هناك موظفين تم إدراج أسمائهم بالخطأ قبل خمس سنوات، وقد سبق لهم مراسلة المجلس الأعلى للحسابات عن طريق السلم الإداري قصد اخباره بأنهم غير ملزمين، ولم تصل مراسلاتهم  إلى المجلس بشكل ممنهج، حتى لا ينكشف امر المسؤولين الذين ارتكبوا أخطاء مادية جسيمة عند اعدادهم  للقوائم، وتركوا الموظفين في حيرة من أمرهم، ووضعوهم في مواجهة مباشرة مع المجلس الأعلى للحسابات!

لهذا، فان مبادئ العدل والانصاف وقواعد الحكامة الجيدة في تدبير مرافق الدولة ومؤسساتها، تقتضي من رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، زينب العدوي، تدارك الأمر بشكل مستعجل، واعطاء توجيهاته للمصالح التابعة لها لتصحيح هذا الوضع المختل ، وذلك من خلال مراجعة تلك الانذارات، والتعامل بشكل جدي مع التظلمات التي تصلها من الموظفين المعنيين بالأمر، ومطالبة الإدارات المعنية بموافاتها بما يفيد أن الموظفين المدرجة أسمائهم في القوائم التي بعثوا بها للمجلس، ملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات!

عندما يدرج اسم موظف في القوائم التي يتوصل بها المجلس من طرف إدارته، دون تقديم ما يفيد، فإن الوظيفة الرقابية للمجلس تستدعي تدقيق الأمر، وإعادة النظر في المنهجية المعمول بها في هذا الصدد، حتى لا يتم المساس بالامن والاستقرار الوظيفي لعدد كبير من الموظفين، الذين يضطرون بعد توصلهم بالانذارات، إلى القيام بتصريحات غير ملزمين بها قانونا، من باب الاحتياط لتفادي أي جزاء ظالم!

دفع موظف غير ملزم قانونا إلى التصريح الإجباري بالممتلكات،  فيه تشجيع من جهة الإدارات العمومية، والمجلس الأعلى للحسابات، على خرق قواعد القانون الآمرة، والتي لا يجوز الاتفاق على مخالفة احكامها، من اي جهة كانت!

بعض المسؤولين في  الإدارات العمومية، عوض الاعتراف بأخطائهم، والقيام بتحيين قوائم الموظفين الملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات بشكل دوري، يلجأون إلى التعامل مع الموضوع بمنطق كم من حاجة قضيناها بتركها، وإبقاء الأمور على حالها دون اي احترام للقانون، ودون مراعاة  نفسية الموظفين، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة المجلس الأعلى للحسابات، ومهددين في امنهم واستقرارهم الوظيفي!

الحل بسيط، قبل أن يطلب المجلس الأعلى للحسابات من الموظفين القيام بإجراء التصريح الإجباري بالممتلكات، بموجب انذار تقع تحت طائلة الجزاء، عليه أن يتأكد من أمر أساسي: هل الموظف المعني بالأمر ملزم قانونا أو غير ملزم بذلك؟ هل إدارته التي ادرجت إسمه في قائمة الملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات قدمت للمجلس الأعلى للحسابات ما يفيد ذلك ( قرارات التعيين وقرارات التكليف وقرارات التفويض) ام لم تقدم اي سند قانوني؟

أعتقد، أن المجلس الأعلى للحسابات واع بهذه الأمور، ويدرك أن هناك مسؤولية تقصيرية لعدد من الإدارات في التعاطي بشكل مسؤول مع موضوع التصريح الإجباري بالممتلكات، ولكن عليه أن يأخد بعين الاعتبار مخاوف عدد كبير من الموظفين، يجدون أنفسهم مجبرين على القيام بتصريحات غير ملزمين بها بقوة القانون احتياطا مخافة تعريضهم لجزاء تعسفي وظالم!

دفع موظف غير ملزم بالتصريح الإجباري بالممتلكات، إلى القيام بهذا الاجراء بموجب انذارات، اكراه غير مقبول، لأن ما بني على باطل فهو باطلا. وحرصا على مصداقية التقارير التي ترفع إلى ملك البلاد، بصفته رئيس الدولة، والساهر  على احترام الدستور، والضامن للحقوق والحريات، ينبغي إعادة  النظر في الكيفية التي يتم التعاطي بها مع موضوع التصريح الإجباري بالممتلكات من الألف إلى الياء،  وتجنب  المساس بالامن الوظيفي للموظفين!

المصدر