ARTICLE AD BOX
وجهة نظر: بوتين يخسر في أوكرانيا لكنه يفوز في روسيا
العقوبات المفروضة من الخارج، والحرب الاقتصادية، غالبا ما تؤدي إلى تعزيز القوة الداخلية للنظام المستهدف
روس دوثات*
الإثنين 04 أبريل 2022 | 15:28
إلى حدود الآن يخسر فلاديمير بوتين المعركة في أوكرانيا، فقد تخلى عن أهدافه القصوى، وتراجعت قواته العسكرية في كييف، أما أحلامه الإمبريالية فقد تم التبرأ منها. نتيجة لذلك، يتجه الرئيس الروسي نحو أهداف أكثر تواضعا، وهي الموارد والأراضي التي سيكون قادرا على الاستحواذ عليها، لكن شهرا من بسالة الأوكرانيين والدعم الغربي كان كفيلا بتوجيه ضربة مدمرة لطموحاته.
ومع ذلك، لا يخسر بوتين المعركة في روسيا. منذ بدء الأعمال العدائية، لم يكن الرد الغربي على طموحاتها المتطرفة هدفا رسميا، ولكنه بعث على أمل سياسي، كان ينزلق من شفاه جو بايدن بينما هو في حالة انتشاء حماسية؛ أمل بتغيير النظام في الكرملين، وحرب فاشلة تطيح ببوتين، وجلب حكومة أكثر عقلانية إلى السطلة.
دائما كان هذا الأمل ضعيفا، وعلى الرغم من المستنقع العسكري والعقوبات الاقتصادية غير المسبوقة، يبدو أنه تضاءل الآن. وفقا لاستطلاعات الرأي والتصريحات، يبدو أن بوتين يعمل على توطيد الدعم من الجمهور الروسي، وحشد أمة تشعر بنفسها، كما يُصوّرُها، محاطة ومحاصرة ظلما.
وفقا لاستطلاعات الرأي المستقلة في روسيا، تبدو النسبة المؤيدة لبوتين تماما مثل تلك التي أيدت جورج دبليو بوش بعد أحداث 11 شتنبر. كان من غير المحتمل دائما أن تنقلب ضده دائرته المقربة منه، لأسباب رسمها أناتول ليفين في صحيفة “فاينانشيال تايمز” قبل بضعة أسابيع: غالبا ما ينتمي أعضاؤها إلى نفس الخلفية ويتقاسمون نفس الافتراضات الجيوسياسية، ومن المرجح أن “يقاتلو لفترة طويلة بلا رحمة” أكثر من أن ينقلبوا فجأة ضد زعيمهم. وعلاوة على ذلك، ولّدت الحرب تضامنا معاديا للغرب في الدائرة الأوسع للنخب الروسية، التي لم تذهب إلى الانشقاق.
مؤخرا قالت الصحفية فريدة رستاموفا: “لقد تحقق حلم بوتين في اندماج النخب السياسية مع بعضها” وأستطردت موضحة: “الآن يفهم هؤلاء الناس أن حياتهم مرتبطة بروسيا فقط، المكان الوحيد حيث يؤسسون لحياتهم”.
من المنطقي التشكيك في كل الروايات والبيانات حول نظام يعاقب المنشقين، لكن لا يجب أن يكون هذا النوع من النماذج مفاجئا. نعم، أحيانا تؤدي الحروب الفاشلة إلى اسقاط أنظمة استبدادية، مثل الزمرة العسكرية الحاكمة في الأرجنتين بعد مغامرتها الفاشلة في جزر فوكلاند. لكن العقوبات المفروضة من الخارج، والحرب الاقتصادية، غالبا ما تؤدي إلى تعزيز القوة الداخلية للنظام المستهدف.
على المدى القصير، يقدمون كبش فداء خارجي، على انه عدو واضح يستحق أن يلقى عليه اللوم بدلا من القادة، أما على المدى البعيد، تقترح الأدبيات الأكاديمية أن هذه العقوبات قد تجعل الدول أكثر قمعا، وأقل احتمالية لتحولها نحو نظام ديمقراطي.
فقط ضع في اعتبارك قائمة الدول التي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات لفترات طويلة من الزمن، من كوبا إلى كوريا الشمالية، من إيران إلى فنزويلا، ناهيك عن العراق قبل الغزو الأمريكي 2003، إذ يمكن التنبؤ بالنموذج التالي: “يعاني الشعب، ويصمد النظام”.
ليس من باب اليقين، ولكن لنفترض أن الأمر نفسه ينطبق على روسيا المعزولة والمنبوذة، فحتى لو تلاشى الاحتشاد حول بوتين مع تزايد الآلام الاقتصادية، لن تؤدي المعاناة الروسية إلى بروز قوى ليبرالية، أي أنه من المرجح أن يكون التغيير على مستوى القيادة مشابها لنظام نيكولاس مادورو الذي خلف هوجو تشافيز في فينزويلا.
تؤدي هذه الفرضية إلى نتيجتين، أولها متعلقة بالحرب نفسها: على المدى القريب، وبصرف النظر عن ما ستسترجعه أوكرانيا، فإنها ستستعيد ساحة المعركة. لا يعني هذا انه يجب على الولايات المتحدة أن تصعد عسكريا فجأة، وتتراقص مقتربة من صراع نووي، بل يعني أن استمرار الدعم للجيش الأوكراني هو أهم ماتقدمه السياسة الأمريكية، أي أن العقوبات تلعب دورا داعما لا غير.
تنطوي النتيجة الثانية على المدى الطويل، بمجرد أن يتحقق السلام بشكل ما، خاصة إذا كان هذا السلام عبارة عن صراع مجمد، حيث يدعي بوتين النصر من خلال بسط سيطرته على بعض الأراضي الأوكرانية، سيؤدي ذلك إلى استمرار العقوبات، ومواصلة الحرب بوسائل أخرى إلى أجل غير مسمى.
ستكون هناك ذريعة لفرض ذلك، لكن يجب أن نكون واضحين بشأن طبيعة هذه القضية: تحديدا، حتى لو غابت الحرب المفتوحة، فإن روسيا ستضل عدوا للسلام في أوربا على مدى أجيال، وستهدد المصالح الأمريكية. لهذا يجب إحداث سياسات تقلص من القوة والثروة الروسية كشكل مُبرر لأشكال الدفاع عن النفس، سواء لصالح الحدود الأوربية الشرقية أو فكرة السلام الأمريكي الواسع النطاق.
ليست الذريعة هي أن العقوبات قد تُخلّص الشعب الروسي من حكم بوتين، أو أن يؤدي العقاب الاقتصادي الجماعي إلى عناء الشعب الروسي، ثم ثورة مستقبلية مفترضة.
لا، إذا كنا نعتزم شن حرب اقتصادية على روسيا لجيل كامل، يجب علينا أن ننظر بوضوح إلى الحسابات المتغيرة باستمرار، على أمل إضعاف قوة عظمى خطيرة قدر الإمكان، يجب أن نضع في اعتبارنا أنه من المحتمل أن تستمر البوتينية في الحكم لعقود، وأن تظل روسيا عدو أمريكا القاتل.
*محلل سياسي أمريكي، وكاتب عمود في نيويورك تايمز منذ 2009، وهو مؤلف للعديد من الكتب أحدثها “الأماكن العميقة: مذكرات عن المرض والاكتشاف”.
ـ المصدر: نيويورك تايمز
ترجمه إلى العربية: عبد الحكيم الرويضي
.jpg)
منذ 4 سنوات
1







