ARTICLE AD BOX
خالد أوباعمر
هل تحول التصريح بالممتلكات من آلية للشفافية إلى أداة للإكراه الإداري؟
الإثنين 02 مارس 2026 | 16:08
في دولة الحق والقانون، لا يكون الالتزام إلا بنص، ولا يُفرض الواجب إلا بمقتضى قانون، ولا تُقيَّد الحقوق إلا في الحدود التي رسمها الدستور. لذلك، فإن أي ممارسة إدارية تخرج عن هذا الإطار، تتحول من أداة لتنظيم الحياة العامة إلى وسيلة للإكراه وتجاوز السلطة.
آراء أخرى
ومن هذا المنطلق، يثير إدراج أسماء موظفين غير معنيين قانونًا بالتصريح الإجباري بالممتلكات، ضمن لوائح الملزمين الموجهة إلى المجلس الأعلى للحسابات، إشكالًا قانونيًا ودستوريًا خطيرًا، يستدعي الوقوف عنده بالنقد والتحليل.
من فلسفة الشفافية إلى منطق الاشتباه الجماعي.
لا خلاف حول مشروعية وأهمية التصريح بالممتلكات كآلية دستورية وأخلاقية لمحاربة الفساد وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن هذه الغاية النبيلة تفقد معناها، بل تنقلب إلى نقيضها، عندما يتم توسيع نطاق الإلزام خارج ما حدده القانون، ليشمل موظفين لا تتوفر فيهم أي من شروط الإلزام.
فالقانون المنظم للتصريح الإجباري بالممتلكات حدد بدقة الفئات المعنية به، وهم أساسًا كبار المسؤولين، والآمرون بالصرف، والمحاسبون العموميون، والمسؤولون عن تدبير المال العام، وكل من له سلطة تقريرية أو تدبيرية مؤثرة. ولم يترك هذا القانون مجالًا للاجتهاد الإداري أو التأويل التوسعي.
ورغم ذلك، تُدرج أسماء موظفين عاديين ضمن هذه اللوائح، دون سند قانوني، ودون وجود قرارات تعيين أو تكليف أو تفويض إمضاء، في ضرب واضح لمبدأ المشروعية.
خرق صريح للدستور ولمبدأ الأمن القانوني.
ينص الفصل السادس من دستور 2011 على أن:
“القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع، بما فيهم السلطات العمومية، ملزمون بالامتثال له.”
ومقتضى هذا الفصل أن الإدارة ليست حرة في فرض ما تشاء من التزامات، بل مقيدة دومًا بحدود القانون. فالقاعدة الدستورية الراسخة هي: لا تكليف إلا بنص.
كما أن الفصل 35 من الدستور يحمي الملكية والذمة المالية للأفراد، ولا يسمح بالمساس بها أو مراقبتها إلا وفق الشروط والإجراءات التي يحددها القانون.
وعليه، فإن إلزام موظف غير معني بالتصريح بالممتلكات، وتهديده بالجزاء في حالة عدم الامتثال، يُشكل مساسًا مباشرًا بالأمن القانوني، وانتهاكًا لمبدأ الثقة المشروعة الذي يفترض أن يحكم علاقة المواطن بالإدارة.
حين يتحول الإجراء الإداري إلى إكراه غير مشروع.
الإكراه في المفهوم القانوني لا يقتصر على العنف المادي أو التهديد الجنائي، بل يشمل كل ضغط إداري يُمارس على الفرد لحمله على القيام بعمل لا يفرضه عليه القانون، تحت طائلة جزاء.
وحين يتوصل موظف بإنذار رسمي يُلزمه بالتصريح بالممتلكات خلال أجل محدد، مع التهديد بعقوبات تأديبية أو مالية أو إدارية، في حين أنه غير معني قانونًا، فإننا نكون أمام إكراه إداري غير مشروع، مشوب بتجاوز السلطة.
وهذا النوع من الممارسات لا ينسجم مع روح دولة القانون، ولا مع مقتضيات الحكامة الجيدة، ولا مع فلسفة الإصلاح الإداري التي يرفعها الخطاب الرسمي.
مسؤولية الإدارة والمجلس الأعلى للحسابات.
إن إعداد لوائح الملزمين مسؤولية إدارية وقانونية جسيمة، ولا يجوز أن تُنجز بمنطق السرعة أو التقدير الفضفاض. فالإدارة ملزمة قانونًا بالتحقق الدقيق من الصفة القانونية لكل اسم يُدرج، وإرفاق اللوائح بالوثائق الإدارية المثبتة للإلزام، وعلى رأسها قرارات التعيين والتكليف وتفويض الإمضاء.
كما أن المجلس الأعلى للحسابات، باعتباره مؤسسة دستورية للرقابة، ليس مجرد جهة تلقي، بل يفترض فيه ممارسة رقابة قانونية قبلية على مشروعية الإلزام، حمايةً للحقوق وضمانًا لحسن تطبيق القانون.
أي إصلاح إداري نريد؟
إن بناء إدارة حديثة لا يمر عبر توسيع دوائر الاشتباه، ولا عبر إخضاع الموظفين لضغوط غير مبررة، بل عبر:
احترام القانون.
تكريس مبدأ التناسب.
حماية الحقوق الفردية.
ترسيخ ثقافة المسؤولية بدل ثقافة التخويف.
فالشفافية الحقيقية لا تُفرض بالإكراه، بل تُبنى بالثقة.
إن التصريح بالممتلكات آلية دستورية نبيلة، لكن تحويلها إلى إجراء آلي شامل، دون سند قانوني، يُفرغها من مضمونها الأخلاقي والحقوقي، ويحولها إلى أداة للضغط بدل أن تكون وسيلة للنزاهة.
كما أن دولة الحق والقانون لا تُقاس بعدد الاستمارات المعبأة، بل بمدى احترامها لمبدأ المشروعية، وصونها لكرامة الأفراد، وضمانها للأمن القانوني.
.jpg)
منذ 1 شهر
16







