نِقاش‭ ‬غَير‭ ‬ذِي‭ ‬عِوَجٍ‭ ‬حوْل‭ ‬اكتظاظ‭ ‬السُجون‭ ‬والاعتِقال‭ ‬الاحتِياطي

منذ 2 سنوات 5
ARTICLE AD BOX

لن‭  ‬تُسعِفنا‭ ‬المزايَدات‭ ‬و‭ ‬لسنا‭ ‬ملكِيين‭ ‬أكثَر‭ ‬من‭ ‬الملكِ‭….‬

آراء أخرى

  • في ذكرى رحيله: علي يعتة صحافيا

  • الشّاعر الأندلسي  لُورْكَا في ذكرىَ رحيله المأساويّ

  • "بيتر ماير" ومسألة تسفيه الديمقراطية

اكتظ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إكتظاظ‭ ‬السجون،‭ ‬وهذا‭ ‬حديث‭ ‬أجْده‭ ‬أمرا‭ ‬طبيعيا‭ ‬تمليه‭ ‬ضرورة‭  ‬الانتباه‭ ‬واليقظة‭ ‬بأحد‭ ‬المرافق‭ ‬الحساسة‭ ‬من‭ ‬مرافق‭ ‬الدولة‭ ‬وهو‭ ‬السجن،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يغيظ‭ ‬منه‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬هيئة،‭  ‬ولا‭ ‬يستدعى‭ ‬اظهارا‭ ‬للعضلات،‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬معضلة‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬فيه‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬القضائية،‭ ‬ولا‭ ‬يُعد‭ ‬بابا‭ ‬مؤديا‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬قراراتها‭ ‬ولا‭ ‬مزايدة‭ ‬على‭ ‬احد‭ ‬ولا‭ ‬تطاولا‭ ‬على‭ ‬اختصاصات‭ ‬جهة‭ ‬او‭ ‬أخرى،‭ ‬وكل‭ ‬مَيْل‭ ‬أو‭ ‬إثارة‭ ‬لمثل‭ ‬هاته‭ ‬المخاوف‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬معتقدي‭ ‬غضب‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬محله‭.‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬انتقاد‭ ‬لمسألة الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‮ ‬بمساطره‭ ‬و‭ ‬واقعه‭ ‬وغايات‭ ‬من‭ ‬يأمر‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬مناقشة‭ ‬سلبياته‭ ‬واستعراض‭ ‬مضاعفاته،‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬غريب‭ ‬عن‭ ‬الحس‭ ‬الجماعي،‭ ‬أو‭ ‬نقاش‭ ‬دون‭ ‬معنى‭ ‬أو‭ ‬حشو‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬دون‭ ‬مبنى،‭ ‬فما‭ ‬علينا‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نعتز‭ ‬برأي‭ ‬عام‭ ‬وبمجتمع‭ ‬يهتز‭ ‬لحقوقه‭ ‬ويتتبع‭ ‬من‭ ‬يمارس‭ ‬السلطة‭ ‬مدعما‭ ‬مرة‭ ‬أو‭ ‬منتقدا‭ ‬أو‭ ‬محتجا‭ ‬على‭ ‬السواء،‭ ‬ومن‭ ‬يضع‭ ‬نفسه‭ ‬فوق‭ ‬المجتمع‭ ‬وفوق‭ ‬النقد‭ ‬فلابد‭ ‬أن‭ ‬يراجع‭ ‬نفسه،‭ ‬فلسنا‭ ‬في‭  ‬حكم‭ ‬القبيلة‭ ‬والقياد‭ ‬والشيوخ‭. 

وإن‭ ‬كان‭ ‬الصمت‭ (‬وليس‭ ‬السكوت‭) ‬‮ ‬عن‭ ‬اعتقال قرينة‭ ‬البراءة‭ ‬وسلب‭ ‬الحرية‭ ‬‮ ‬جائز‭ ‬عند البعض‭ ‬باسم‭ ‬محاربة‭ ‬لجريمة‭ ‬أو‭ ‬أمن‭ ‬المجتمع،‭ ‬‮ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مَطبات‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬واجب‭ ‬أُلُوفَ‭ ‬المَرات،‭ ‬لأنه‭  ‬إجراء‭ ‬عالي‭ ‬المخاطر‭ ‬أُطلِقت‭ ‬فيه‭ ‬السلطات‭ ‬التقديرية‭ ‬لمن‭ ‬يمارسه‭ ‬دون‭ ‬رقابة،‭ ‬‭ ‬وحرج‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الإجراء‭ ‬الإستثنائي‭ ‬ليصبح‭ ‬واقعا‭ ‬عاديا‭ ‬وسلوكا‭ ‬يوميا‭ ‬بقلم‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬قضاء‭ ‬التحقيق‭ ‬يقمع‭ ‬شوكة‭ ‬المخالفين‭ ‬ويحجزهم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بلغ‭ ‬العدد‭ ‬المكَبلين‭ ‬به‭ ‬اليوم‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬نصف‭ ‬ساكنة‭  ‬السجون‭.‬

وهكذا،‭ ‬لما‭ ‬طَرح‭ ‬البلاغ‭ ‬الأخير‭ ‬للمندوبية‭ ‬العامة‭ ‬للسجون‭ ‬ملف‭ ‬الإكتظاظ‭ – ‬ومن‭ ‬جديد‭ ‬وليس‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭  ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طرحته‭ ‬في‭ ‬مناظراتها‭ ‬وتقاريرها،‭  ‬وبالبرلمان‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬حِصتها‭ ‬من‭ ‬الميزانية‭ ‬وجوابا‭ ‬عن‭ ‬تسَاؤلات‭ ‬ممثلي‭ ‬الأمة‭…. –  ‬فإن‭ ‬بلاغها‭ ‬هذا،‭ ‬له‭ ‬مراجعه‭ ‬وله‭ ‬مصادره‭ ‬فكريا‭ ‬وثقافيا‭ ‬وقضائيا‭ ‬ومجتمعيا‭ ‬وحقوقي‭ ‬وواقعيا‭.‬

ولو‭ ‬انتبهتم‭ ‬لبعض‭ ‬هاته‭ ‬العناصر‭ ‬المرجعية‭ ‬التي‭ ‬طرحت‭ ‬السجن‭ ‬الإحتياطي‭ ‬والاكتظاظ،‭  ‬ستجدونها‭ ‬في‭ ‬وثائق‭ ‬رسمية‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬أغلبها‭ ‬رسمية،‭ ‬ستجدونها‭ ‬في‭ ‬مُداخلات‭ ‬حكماء‭ ‬الدعوى‭ ‬العمومية،‭ ‬وفي‭ ‬توصيات‭ ‬الحوار‭ ‬الوطني‭ ‬حول‭ ‬إصلاح‭ ‬العدالة،‭ ‬وفي‭  ‬بلاغات‭ ‬رئاسة‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬وتقاريها‭ ‬الدورية‭ ‬ولقاءاتها‭ ‬مع‭ ‬الوكلاء‭ ‬العامين‭ ‬والوكلاء‭ ‬ومع‭ ‬رجال‭ ‬الأمن‭ ‬ومع‭ ‬رجال‭ ‬مديرية‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬ومع‭ ‬عناصر‭ ‬الشرطة‭ ‬القضائية،‭ ‬وستجدونها‭ ‬إن‭ ‬أنتم‭ ‬راجعتم‭  ‬تقارير‭ ‬المرصد‭ ‬المغربي‭ ‬للسجون،‭ ‬وتوصيات‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحقوقية‭ ‬الرسمية‭ ‬والمدنية‭ ‬غير‭ ‬الحكومة،‭ ‬فكل‭ ‬هاته‭ ‬المستندات‭ ‬توثق‭ ‬وتجسد‭ ‬أمامنا‭ ‬حالة‭ ‬سجون‭ ‬المملكة‭ ‬وتنادي‭ ‬بالعلاج‭ ‬وبالانقاذ‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬داء‭ ‬الإكتظاظ‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬السجون‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬من‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإكتظاظ‭…‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬أعتقد‭ ‬بأن‭ ‬قراءة‭ ‬نداء المندوبية‭ ‬العامة‭ ‬لادارة‭ ‬السجون‭ ‬حول‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬والاكتظاظ،‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬التاريخي‭ ‬والقضائي‭ ‬والحقوقي،‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تتم‭ ‬بالهدوء‭ ‬والتعقل‭ ‬و‭ ‬بُعد‭ ‬النظر‭ ‬والرزانة‭ ‬الكاملة،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬موقف‭ ‬المندوبية‭ ‬أهدافا،‭ ‬وسياقا،‭ ‬وأبعادا،‭ ‬ومسؤوليات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭  ‬يتطلب‭ ‬في‭ ‬اعتقادي‭ ‬‮ ‬وبالمناسبة‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أوجه‭ ‬خمسة‭ ‬أساسية‭ ‬تهم‭ ‬الموضوع‭ ‬وهي‭ :‬

اولا‭: ‬نحن‭ ‬نظريا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬المحاسبة‭ ‬لمن‭ ‬أراد‭ ‬الإستمتاع‭ ‬بمنصب‭ ‬المسؤولية‭ ‬وخيراتها،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬أية‭ ‬سلطة‭  ‬سواء‭ ‬‮ ‬من‭ ‬لها‭ ‬صلاحية‭ ‬وضع‭ ‬‮ ‬السياسة‭ ‬الجنائية‭ ‬وتحديد‭ ‬خياراتها‭ ‬تشريعا‭ ‬او‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬سلطة‭ ‬الاشراف‭ ‬على‭ ‬‮ ‬تطبيقها‭ ‬و‭ ‬ممارستها‭ ‬اتهاما‭ ‬ومتابعة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬سلطة‭ ‬ابرازها‭ ‬والعمل‭ ‬بها‭ ‬وجعلها‭ ‬نافذة،‭ ‬ان‭ ‬‮ ‬يتنصل‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬و‭ ‬يرمي‭ ‬نتائجها وآثارها‭ ‬على‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬و‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬أخلاق‭ ‬المسؤولية‭ ‬ان‭ ‬يَتَبرأ‭ ‬‮ ‬البرلماني‭ ‬والحكومي‭ ‬والقضائي‭ ‬‮ ‬من‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬تعيشة‭ ‬مؤسسة‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬ويعيشه‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المعتقلين‭ ‬الاحتياطيين‭ ‬تحت‭ ‬نار‭ ‬هذا‭ ‬التدبير‭ ‬المدمر‭ ‬للحرية‭ ‬وللإنسان‭ ‬وللمجتمع،‭ ‬‮ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬مبرراته‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬باسم‭ ‬محاربة‭ ‬الجريمة‭ ‬وحماية‭ ‬المجتمع،‭ ‬فالبرلمان‭ ‬له‭ ‬مسؤولية‭ ‬لانه‭ ‬يعاني‭ ‬الهشاشة‭ ‬ولا‭ ‬يشَرع‭ ‬بالوثيرة‭ ‬التي‭ ‬ينتظرها‭ ‬المجتمع‭ ‬وتنتظرها‭ ‬وضعية‭ ‬المغرب،‭ ‬والنيابة‭ ‬العامة‭ ‬وقضاء‭ ‬التحقيق لهما‭ ‬مسؤولية‭ ‬لانهما‭ ‬يلجئان‭ ‬للإعتقال‭ ‬قبل‭ ‬المحاكمة‭ ‬ويرميان‭ ‬بنتائجه‭ ‬على‭ ‬قضاء‭ ‬الحكم،‭ ‬ويختاران‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭  ‬ويهملان‭ ‬الإجراءات‭ ‬البديلة‭ ‬المتوفرة‭ ‬في‭ ‬المسطرة‭ ‬اي‭ ‬‮ ‬الرقابة‭ ‬القضائية،‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬يرفض‭ ‬قرارات‭ ‬الافراج‭ ‬‮ ‬حتى‭  ‬ولو‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬الضمانات،‭ ‬وبعبارة‭ ‬اخرى‭ ‬هما‭ ‬المزود‭ ‬الأساسي‭ ‬للمؤسسات‭ ‬السجنية‭ ‬بوقود‭ ‬الاكتظاظ،‭ ‬أرجع‭  ‬المغرب‭ ‬ليَعتليَ‭ ‬‮ ‬عرش‭ ‬‮ ‬دول‭ ‬المعمور‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السجناء‭ ‬بالنسبة‭ ‬للساكنة‭ ‬و‭ ‬عرش‭ ‬الاكتظاظ‭ ‬بالنسبة‭ ‬لارتفاع‭ ‬الاعداد‭ ‬باستمرار،‭ ‬وبالطع‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬بعض‭ ‬القرارات‭ ‬القضائية‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬وتشجعه‭ ‬ومنها‭ ‬مثلا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭  ‬تعتبر‭ ‬بأن‭ ‬تجاوز‭ ‬مدة‭ ‬الحراسة‭ ‬النظرية‭ ‬لا‭ ‬يفسد‭ ‬المسطرة‭ ‬ولا‭ ‬يبطلها‭ ‬ولا‭ ‬يقبل‭ ‬أي‭ ‬طعن‭ ‬فيها،‭ ‬وبالطبع‭ ‬هناك‭ ‬مسؤولية‭ ‬لا‭ ‬يتناولها‭ ‬أحد‭ ‬وهي‭ ‬مسؤولية‭ ‬ضعف‭ ‬ضمانات‭ ‬إجراء‭ ‬الأبحاث‭ ‬التمهيدية‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬دون‭ ‬رقابة‭ ‬مؤسساتية‭ ‬حقيقية‭ ‬ولا‭ ‬يتتبعها‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬مجرياتها‭ ‬وفي‭ ‬تفاصيلها‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬حضور‭ ‬الدفاع‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ملفات‭ ‬لا‭ ‬تبنى‭ ‬على‭ ‬الشفافية‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬العناصر‭ ‬العلمية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بصحة‭ ‬الاعترافات‭ ‬والتحريات‭… ‬مما‭ ‬يضاعف‭ ‬من‭ ‬حظوظ‭ ‬المحتجزين‭ ‬إلى‭ ‬إيداعهم‭ ‬صندوق‭ ‬الإعتقال‭ ‬الإحتياطي‭ ‬ببيوت‭ ‬المندوبية‭ ‬العامة‭… ‬والتي‭ ‬وصفها‭ ‬استهزاء‭ ‬أحد‭ ‬الوزراء‭ ‬بفنادق‭ ‬للراحة‭… ‬

ثانيا‭:‬‮ ‬لا‭ ‬تبتعد‭ ‬كثيرا‭ ‬بعض‭ ‬قرارات‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬عن‭ ‬مناطق‭ ‬الشطط‭ ‬او‭ ‬اللا‭ ‬أمن،‭ ‬فباسم‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭ ‬للقضاء‭ ‬الواقف‭ ‬وقضاء‭ ‬التحقيق‭ ‬و‭ ‬باسم‭ ‬انعدام‭ ‬الضمانات‭ ‬او‭ ‬ظروف‭ ‬الجريمة‭ ‬او‭ ‬إنصاف‭ ‬الضحايا‭ ‬يتم‭ ‬استعمال‭ ‬هذا‭ ‬الرمح‭ ‬ضد‭ ‬الحرية،‭ ‬وتعيش‭ ‬السجون‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬هيجانا‭ ‬بشريا‭ ‬لا‭ ‬يسُر‭ ‬أي‭ ‬انسان،‭  ‬فتصبح‭ ‬قواعد‭ ‬اللعب‭ ‬مقلوبة‭ ‬أي‭ ‬يصبح‭ ‬السجن‭ ‬المؤقت‭ ‬عقابا‭ ‬أوليا‭ ‬‮«‬بلباس‭ ‬شبه‭ ‬مشروع‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬المحاكمة‭ ‬والادانة‭ ‬النهائية،‭ ‬وتحمل‭ ‬‮«‬العدالة‮»‬‭  ‬عندئذ‭ ‬اسم‭ ‬آخر‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬لغز‭ ‬الاسر‭ ‬و‭ ‬الاسير‮»‬‭.‬

وسيف‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭ ‬وإن‭ ‬كان‭  ‬مخرجا‭ ‬مناسبا‭ ‬أحيانا،‭  ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬الشطط،‭ ‬فلسنا‭ ‬وحدنا‭ ‬بالمغرب‭ ‬وبين‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬يلتزم‭ ‬بمحاربة‭ ‬الجريمة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬درجتها‭ ‬من‭ ‬الخطورة،‭ ‬فالتصدي‭ ‬لها‭ ‬واجب‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬سلطاتها،‭ ‬وحماية‭ ‬الساكنة‭ ‬و‭ ‬أمن‭ ‬المجتمع‭ ‬هو‭ ‬شُغلهم‭ ‬الأول‭ ‬يُسألون‭ ‬عند‭ ‬الإخلال‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬تقديره،‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يحتاجون‭  ‬للقيام‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬تَبَرج‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬ثناء‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬حمل‭ ‬أوسمة،‭ ‬فالجريمة‭ ‬ظاهرة‭ ‬عالمية‭ ‬ومعطى‭ ‬مجتمعي‭ ‬كوني‭ ‬ولا‭ ‬جنسية‭ ‬له‭ ‬قالها‭ ‬سيزار‭ ‬باكاريا‭ ‬وعرفها‭ ‬حمو‭ ‬رابي‭ ‬قبل‭ ‬مئات‭ ‬القرون،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬‮ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭  ‬السياسية‭ ‬او‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭ ‬الحكومية‭  ‬والبرلمانية‭ ‬أو‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭ ‬القضائية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬سلطة‭ ‬معترف‭ ‬بها،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬مقبول‭ ‬وما‭ ‬يعتبر‭ ‬عيبا‭ ‬من‭ ‬عيوب‭ ‬نظامنا‭  ‬القانوني‭ ‬و‭ ‬واقعا‭ ‬مؤلما‭ ‬عندنا‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬السجن‭ ‬بل‭ ‬العيب‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬وطبيعة‭ ‬العقاب‭ ‬والإعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الذي‭ ‬اخترناه‭ ‬كدولة‭ ‬وكسلطات‭ ‬والذي‭ ‬ورطَــنَا‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬خطيرة،‭ ‬و‭ ‬دفعنا‭  ‬لارتكاب‭ ‬انتهاكات‭ ‬مرفوضة‭ ‬وغير‭ ‬مفهومة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وخاصة‭ ‬انتهاكات‭ ‬لحقوق‭ ‬المشتبه‭ ‬فيهم‭ ‬وأهمها‭ ‬انتهاك‭ ‬قيمة‭ ‬الحرية‭ ‬وقيمة‭ ‬قرينة‭ ‬البراءة‭.‬

هكذا‭ ‬تمتلئ‭ ‬السجون‭ ‬باسم‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬ومنها‭ ‬بالخصوص‭ ‬مؤسسة‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬ومؤسسة‭ ‬قضاء‭ ‬التحقيق،‭ ‬ومؤسسة‭ ‬الضابطة‭ ‬القضائية،‭ ‬فكلها‭  ‬تملك‭ ‬حق‭ ‬الاحتجاز‭ ‬والقبض‭ ‬والإعتقال‭ ‬بطريقة‭ ‬تصل‭ ‬أحيانا‭ ‬للغلو‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يفكروا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬السجناء‭ ‬وفي‭ ‬الاكتظاظ‭ ‬وفيما‭ ‬يقع‭ ‬من‭ ‬تجاوزات‭ ‬داخل‭ ‬السجون‭ ‬بفعل‭ ‬الضغط‭ ‬و‭ ‬والازدحام‭ ‬المتراكم‭ ‬خلف‭ ‬أسوارها‭ ‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬وتحت‭ ‬غطاء‭ ‬التقدير‭ ‬أو‭ ‬الوضع‭ ‬الأمني‭ ‬أو‭  ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الدولي‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬‮ ‬وضوح‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬للسلطات‭ ‬العليا،‭ ‬يصبح‭  ‬المغرب‭  ‬بلد‭ ‬التطرف‭ ‬في‭ ‬الاعتقال‭ ‬ويصبح‭ ‬العبث‭ ‬سيد‭ ‬المجال‭ ‬والمكان،‭ ‬وتحت‭ ‬لواء‭ ‬التقدير‭ ‬تعثرت‭ ‬المدونة‭ ‬الجنائية‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2013‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬السيد‭ ‬بنكيران‭ ‬لحكومة‭ ‬السيد‭ ‬أخنوش،‭ ‬وتعثر‭ ‬تنزيل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المقتضيات‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬بالدستور‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬حق‭ ‬الدفع‭ ‬بعدم‭ ‬الدستورية‭ ‬وغيرهما‭….‬

ثالثا ومن‭ ‬باب‭ ‬قول‭ ‬الشيئ‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬فإن‭ ‬قرارات‭ ‬المحاكم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العقاب‭ ‬عامة‭ ‬ومجال‭ ‬تبرير‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتقال‭ ‬الإحتياطي‭ ‬خاصة،‭ ‬تضع‭ ‬القضاء‭ ‬امام‭ ‬مسؤوليات‭ ‬استعمال‭ ‬اجتهاده،‭ ‬علما‭ ‬بان‭ ‬الاجتهاد‭ ‬مصدر‭ ‬للقانون‭ ‬ومرجعا‭ ‬للفقه‭ ‬نفسه‭ ‬وللباحثين‭ ‬ولمن‭ ‬تعنيهم‭ ‬الظاهرة‭ ‬الاجرامية‭ ‬والسياسة‭ ‬الجنائية،‭ ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬القضاة‭ ‬لا‭ ‬يُشَرعُون‭ ‬حقيقة،‭ ‬وإن‭ ‬كانوا‭ ‬ملزمين‭ ‬بإعمال‭ ‬القاعدة‭ ‬القانونية،‭ ‬فإن‭ ‬سلطتهم‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬سلطات‭ ‬الحكومة‭ ‬والبرلمان‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬وقضاة‭ ‬التحقيق،‭  ‬اعتبارا‭ ‬أنهم‭ ‬وحدهم‭ ‬يملكون‭ ‬قوة‭ ‬‮ ‬لا‭ ‬يَحُدها‭ ‬شيئ‭ ‬وهي‭ ‬قوة‭ ‬الضمير‭ ‬والإقتناع،‭ ‬لا‭ ‬رقابة‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬لأنهم‭ ‬مستقلون‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬السلط،‭ ‬كما‭ ‬يملكون‭ ‬سلطة‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬التطبيق‭ ‬السليم‭ ‬وليس‭ ‬التطبيق‭ ‬الجبري‭ ‬دون‭ ‬منطق‭ ‬ولا‭ ‬غايات،‭ ‬وسلطة‭ ‬التأويل‭ ‬والتفسير وسلطة‭ ‬التكييف‭ ‬وسلطة‭ ‬القياس‭ ‬وسلطة‭ ‬الاعتقال‭ ‬والحجز‭ ‬والإفراج‭ ‬وسلطة‭ ‬تقدير‭ ‬التشديد‭ ‬والتخفيف‭  ‬في‭ ‬العقوبة‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭…‬،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فقرارات‭ ‬قضاتنا‭ ‬سُلم‭ ‬متحرك‭ ‬وبإمكانها‭ ‬وقف‭ ‬نزيف‭ ‬الاعتقال‭ ‬وويلات‭ ‬العقاب‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬صون‭ ‬قرينة‭ ‬البراءة‭ ‬إلى‭ ‬قياس‭ ‬العقاب‭ ‬المناسب‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الضعط‭ ‬وأحكام‭ ‬الشارع‭ ‬والجمهور‭… 

‮ ‬رابعا،‮ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬الإعتقال‭ ‬الإحتياطي‭ ‬‮ ‬بالمغرب‭ ‬مخيف‭ ‬ويجعلنا‭ ‬وسط‭ ‬دول‭ ‬العالم‭  ‬نموذجا لا‭ ‬يحتذى‭ ‬به‭ ‬ومدرسة‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬منوالها،‭ ‬وهو‭ ‬تاريخ‭ ‬لا‭ ‬يشرفنا‭ ‬في‭ ‬عدالتنا،‭ ‬لأنه‭ ‬أعطانا‭ ‬تجربة‭ ‬سيئة لم‭ ‬نعمل‭ ‬على‭ ‬مقاومتها‭ ‬ومقاربتها‭ ‬علميا‭ ‬وبذكاء،‭ ‬فتقارير‭ ‬معهد‭ ‬السياسة‭ ‬الجنائية‭ ‬بلندن‭ ‬وضعت‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الرتبة‭ ‬19‭ ‬بين‭ ‬بلدان‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬افريقيا‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬النزلاء‭ ‬بالسجون،‭ ‬وما‭ ‬قدمته‭ ‬لنا‭ ‬دراسات‭ ‬المندوبية‭ ‬العامة‭ ‬للسجون‭ ‬وخبراءها‭ ‬من‭ ‬أرقام‭ ‬يصعب‭ ‬التساهل‭ ‬معها‭ ‬ومنها‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2013‭ ‬لسنة‮ ‬2023‮ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬المعتقلين‭ ‬من‭ ‬72005‭ ‬الى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100.000‭ ‬المعتقلين،‭ ‬وأن‭ ‬نسبة‭ ‬الاعتقال‭ ‬بالمغرب‭ ‬تبلغ‭ ‬260‭ ‬معتقلا وسط‭  ‬كل‭ ‬100‭.‬000‭ ‬نسمة‭ ‬متقدما‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬116،‭ ‬والعراق‭ ‬207،‭ ‬والسعودية‭ ‬207،‭ ‬وأن‭ ‬معدل‭ ‬الاعتقال‭ ‬بالشهور حسب‭ ‬السنوات‭ ‬ارتفع،‭ ‬وكان‭ ‬سنة‭ ‬2017‭ ‬هو‭ ‬معدل‮ ‬8‭,‬50‭ ‬شهرا‭ ‬وارتفع‭ ‬سنة‭ ‬2022‭ ‬الى‭ ‬رقم‭ ‬9‭,‬98‭ ‬شهرا‭…‬،‭ ‬ونحن‭ ‬اليوم‭ ‬تجاوزنا‭ ‬100‭.‬000‭ ‬سجين‭ ‬نسبة‭ ‬الاحتياطيين‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬في‭ ‬المائة،‭ ‬إنها‭ ‬الأرقام‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬منبع‭ ‬الوَجَع‭ ‬الذي‭ ‬يقوض‭ ‬راحتنا‭ ‬الحقوقية‭ ‬والقضائية‭ ‬والإنسانية‭ ‬داخل‭ ‬السجون،‭ ‬وهي‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬توقفت‭ ‬أمامها‭ ‬تقارير‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬عزيمان‭ ‬وعهد‭ ‬المرحوم‭ ‬بنزكري‭ ‬وعهد‭ ‬الرئيس‭ ‬اليزمي‭ ‬و‭ ‬الرئيسة‭ ‬الحالية‭ ‬بوعياش،‭ ‬وهي‭ ‬الأوضاع‭ ‬التي‭ ‬قرر‭ ‬رئيس‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬البلاغ‭ ‬رقم‭ ‬1‭ ‬بعد‭ ‬استقلالها‭ ‬والذي‭ ‬رسم‭ ‬حيز‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬بمقترحات‭ ‬ضاعت‭ ‬مع‭ ‬الأسف‭ ‬سواء‭ ‬بإهمالها‭ ‬او‭ ‬بإساءة‭ ‬تطبيقها،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الدورية‭ ‬رقم‭ ‬24/21‭ ‬التي‭ ‬جددت‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬فاجعة‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬وأعلنت‭ ‬عن‭ ‬نسبة‭ ‬المعتقلين‭ ‬الاحتياطيين‭ ‬آنذاك‭ ‬والتي‭ ‬وصلت‭ ‬الى‭ ‬معدل‭ ‬44‭.‬49‭ ‬في‭ ‬المائة،‭ ‬علما‭ ‬انه‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬تتشبت‭ ‬جهات‭ ‬الإعتقال‭ ‬بالإعتقال‭ ‬الإحتياطي‭ ‬وتضيف‭ ‬إليه‭ ‬إغلاق‭ ‬الحدود‭ ‬وسحب‭ ‬جواز‭ ‬السفر‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬البحث‭ ‬التمهيدي‭…‬،‭ ‬وهذه‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬علامات‭ ‬فشل‭ ‬السياسة‭ ‬الجنائية‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬البرلمان‭ ‬ولم‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬إصلاحها‭ ‬بمراجعة‭ ‬المدونة‭ ‬الجنائية‭ ‬التي‭ ‬تجسدها‭…‬‭.‬

خامسا لابد‭ ‬من‭ ‬استحضار‭ ‬عنصر‭ ‬ضغط‭ ‬الشارع‭ ‬في‭ ‬العقاب‭ ‬قبل‭ ‬المحاكمة‭ ‬واستحضار‭ ‬عنصر‭ ‬الفساد،‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬جانب‭ ‬إطلاق‭ ‬العنان‭ ‬لاستعمال‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬ضد‭ ‬حرية‭ ‬الأشخاص‭ ‬مسبقا‭ ‬وقبل‭ ‬المحاكمة‭ ‬والحكم‭ ‬وضدا‭ ‬على‭ ‬قرينة‭ ‬البراءة،‭ ‬وفي‭ ‬استمرار‭ ‬مسلسل‭ ‬ارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬المحتجزين‭ ‬الاحتياطيين‭ ‬بالسجون،‭  ‬ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬يفرض‭ ‬الشارع‭ ‬وليس‭ ‬المُشرع‭ ‬اللجوء‭ ‬للاعتقال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬ولا‭ ‬تقوم‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلا‭ ‬بدور‭ ‬إطفاء‭ ‬النيران،‭ ‬وتمارس‭ ‬صلاحياتها‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬ردة‭ ‬الفعل‭ ‬قبل‭ ‬إِعْمَال‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬التطبيق‭ ‬السليم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعتبر‭ ‬سببا‭ ‬وراء‭ ‬تهرب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المحاكم‭ ‬من‭ ‬تفعيل‭ ‬الرقابة‭ ‬القضائية،‭ ‬والتهرب‭ ‬من‭ ‬إصدار‭ ‬احكام‭ ‬او‭ ‬قرارات‭ ‬بالافراج‭ ‬أو‭ ‬بالبراءة‭ ‬او‭ ‬بالسجن‭ ‬الموقوف،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬دوائر‭ ‬الفساد‭ ‬التي‭ ‬تحوم‭ ‬بين‭ ‬المتقاضين‭ ‬وبين‭ ‬أسوار‭ ‬المحاكم‭  ‬وتنشط‭ ‬في‭ ‬التدليس‭ ‬وفي‭ ‬شراء‭ ‬ضعفهم،‭ …‬

علينا‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬البدائل‭ ‬وهي‭ ‬متعددة‭ ‬المنطلقات‭ ‬ومنها‭:‬

‭ ‬المنطلق‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الصمت،‭ ‬أي‭ ‬الإعتراف‭ ‬بالأزمة‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬مؤسسة‭ ‬العدالة‭ ‬الجنائية‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬التمهيدي‭ ‬ثم‭ ‬تحريك‭ ‬الدعوى‭ ‬العمومية‭  ‬فممارسة‭ ‬التحقيق‭ ‬وانتهاء‭ ‬بمسطرة‭ ‬وإجراءات‭ ‬المحاكمة‭ ‬وبأوضاع‭ ‬السجون،‭  ‬والمنطلق‭ ‬الثاني‭ ‬وهو‭ ‬البديل‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مؤسسة‭ ‬العقوبة‭ ‬التي‭ ‬نريدها‭ ‬ضمن‭ ‬سياستنا‭ ‬الجنائية‭ ‬كأولوية‭ ‬في‭ ‬محاربة‭ ‬الجريمة‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬الحدود‭ ‬لكل‭ ‬السلط‭ ‬والأجهزة‭ ‬التي‭ ‬تعتقل‭ ‬والتي‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬تقليصها‭ ‬لمنع‭ ‬الإستبداد‭ ‬أو‭ ‬الشطط،‭ ‬المنطلق‭ ‬الثالث‭ ‬هو‭ ‬تحصين‭ ‬وتوسيع‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬أمام‭ ‬جميع‭ ‬المراحل‭ ‬ليتمكن‭ ‬المطلوبون‭ ‬أمام‭ ‬العدالة‭ ‬الجنائية‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬مصيرهم‭ ‬وهم‭ ‬مسلحون‭ ‬بضمانات‭ ‬لا‭ ‬تقتلها‭ ‬سلطة‭ ‬ملائمة‭ ‬ولا‭ ‬السلطة‭ ‬التقديرية‭ ‬لمحكمة‭ ‬ولا‭ ‬لقضاة‭ ‬محكمة،‭ ‬ومنطلق‭ ‬رابع‭ ‬وهو‭ ‬خلق‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التشريع‭ ‬لتتجاوب‭ ‬المؤسسة‭ ‬التشريعية‭ ‬بالسرعة‭ ‬الكافية‭ ‬لاحتياجات‭ ‬العدالة‭ ‬واحتياجات‭ ‬المرتفقين‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬والقوانين‭ ‬وتغيير‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬العدالة‭ ‬من‭ ‬تغيير،‭ ‬والمنطلق‭ ‬الخامس‭ ‬هو‭ ‬رسم‭ ‬منهجية‭ ‬واضحة‭ ‬ومناسبة‭ ‬ومستمرة‭ ‬لمحاربة‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬ومن‭ ‬محيط‭ ‬العدالة‭ ‬وأجهزتها،‭ ‬والبديل‭ ‬السادس‭ ‬هو‭ ‬كَف‭ ‬الجهات‭ ‬الرافضة‭ ‬والممانعة‭ ‬لوتيرة‭ ‬التغيير‭ ‬والاصلاح‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬القضاء‭ ‬ومجال‭ ‬السياسة‭ ‬الجنائية‭ ‬والرافضة‭ ‬للمقاربة‭ ‬الحقوقية‭ ‬والإنسانية‭ ‬عن‭ ‬الضغط‭ ‬والحصار،‭ ‬وأخيرا‭ ‬المنطلق‭ ‬السابع‭ ‬وهو‭ ‬تغيير‭ ‬نظام‭ ‬مندوبية‭ ‬السجون‭ ‬الشبه‭ ‬الأمني‭ ‬لتحل‭ ‬محله‭ ‬إدارة‭ ‬مدنية‭ ‬جماعية‭ ‬تتكون‭ ‬زيادة‭ ‬عن‭ ‬المندوب‭ ‬العام،‭ ‬من‭ ‬ممثل‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومن‭ ‬ممثل‭ ‬السلطة‭ ‬القضائية،‭ ‬ومن‭ ‬ممثل‭ ‬جمعية‭ ‬ذات‭ ‬اختصاص‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السجن،‭ ‬ومن‭ ‬ممثل‭ ‬مؤسسة‭ ‬الوسيط‭….‬

فهل‭ ‬تتوفر‭ ‬لدى‭ ‬المسؤولين‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬طريق‭ ‬المستقبل،‭ ‬وتجاوز‭ ‬الحَيرة‭ ‬و‭ ‬تَمتمَةِ‭  ‬اللسَان؟

المصدر