ARTICLE AD BOX
أثار الهدف الذي ألغته تقنية حكم الفيديو المساعد (فار) للمنتخب المصري خلال مباراته أمام الأرجنتين في ثمن نهائي كأس العالم جدلاً واسعاً، بعدما اعتبر عدد من المتابعين والخبراء أن القرار التحكيمي حرم مصر من هدف كان يمكن أن يغير مسار المواجهة، في وقت رفض فيه خبراء آخرون الربط بين القرار ونظريات تتحدث عن وجود “مؤامرة” لتسهيل طريق المنتخب الأرجنتيني نحو الأدوار النهائية.
وقال غراهام سكوت، في تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، إن إلغاء هدف مصطفى زيكو أمام الأرجنتين يمثل مثالاً جديداً على الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها تقنية الفيديو على طبيعة كرة القدم، معتبراً أن الهدف كان ينبغي احتسابه، وأن قرار إلغائه كان “خطأ” من حيث تطبيق بروتوكول التقنية، سواء من ناحية النص أو الروح.
وكان المنتخب الأرجنتيني قد قلب تأخره بهدفين أمام مصر إلى فوز بنتيجة 3-2 في مباراة مثيرة ضمن دور الـ16، ليواصل مشواره في البطولة، حيث يستعد لمواجهة سويسرا في الدور المقبل. غير أن الجدل الأكبر عقب المباراة انصب على قرار إلغاء هدف مصر الذي جاء في الدقيقة 58، بعدما تدخلت تقنية الفيديو بداعي وجود مخالفة في بداية الهجمة قبل وصول الكرة إلى زيكو.
هدف ملغى بعد مراجعة امتدت إلى بداية الهجمة
وأوضح التحليل أن الواقعة بدأت عندما كان المدافع الأرجنتيني ليساندرو مارتينيز، لاعب مانشستر يونايتد، يقود هجمة من الجهة اليسرى داخل منطقة المنتخب المصري. وتحت ضغط من لاعبي مصر مروان عطية ومحمد هاني، فقد مارتينيز الكرة بعد سقوطه على أرض الملعب.
وبعد 17 ثانية فقط، وصلت الكرة إلى مصطفى زيكو الذي تمكن من وضعها في شباك الأرجنتين، ليعلن الحكم الفرنسي فرانسوا لوتكسييه احتساب الهدف، قبل أن يبدأ مواطنه جيروم بريزار، حكم الفيديو المساعد، عملية المراجعة.
وبحسب قواعد تقنية الفيديو، فإن المراجعة يمكن أن تعود إلى بداية “مرحلة الاستحواذ الهجومي” (APP)، وهي اللحظة التي يبدأ منها الفريق عملية بناء الهجمة، سواء عند استعادة الكرة أو عند تحول الفريق المنافس إلى وضعية دفاعية.
وأشار سكوت إلى أن تحديد هذه اللحظة ليس دائماً أمراً بسيطاً، إذ لا توجد قاعدة تحدد بشكل صارم المدة الزمنية أو المسافة التي يمكن أن تفصل بين الخطأ المحتمل والهدف.
وضرب مثالاً بحالة في الدوري الإنجليزي الممتاز، عندما أُلغي هدف لفريق أستون فيلا أمام برينتفورد بعدما تبين أن الكرة كانت قد خرجت من الملعب في الجهة المقابلة قبل انطلاق الهجمة التي انتهت بالتسجيل. واعتبر أن تدخل تقنية الفيديو في تلك الحالة كان صحيحاً لأن القرار كان مبنياً على واقعة واضحة ودليل حاسم.
أما في حالة مصر والأرجنتين، فرأى أن الأمر يدخل في نطاق التقدير، حيث يتطلب إلغاء الهدف وجود دليل واضح لا يحتمل الشك.
بداية الهجمة.. قرار قابل للنقاش
واعتبر الكاتب أن حكم الفيديو جيروم بريزار قرر أن بداية الهجمة كانت عند لحظة فقدان مارتينيز للكرة، وهو تفسير وصفه بأنه “مفهوم ومعقول”، لكنه أكد أنه لم يكن الخيار الوحيد الممكن.
وأوضح أن مروان عطية ومارتينيز كانا يتنافسان على الكرة، بينما كان باقي لاعبي الأرجنتين العشرة خلف الكرة، وكان مصطفى زيكو في منطقة جزاء مصر في بداية اللقطة.
وأضاف أن فشل الأرجنتين في العودة للدفاع والسماح لزيكو بالركض نحو المرمى لا ينبغي أن يكون جزءاً من عملية تقييم القرار، مشيراً إلى أن تقنية الفيديو ليست موجودة لتعويض الفرق عن أخطائها الدفاعية أو عدم قدرتها على استعادة تمركزها.
وأشار إلى أنه في الدوري الإنجليزي الممتاز كان من الممكن أن يبدأ تقييم مرحلة الاستحواذ الهجومي في لحظة أخرى، تحديداً عندما تجاوز هيثم حسن المدافع الأرجنتيني نيكولاس تاغليافيكو، باعتبارها اللحظة التي بدأت فيها الهجمة فعلياً.
وقال سكوت إنه يختلف مع تقييم بريزار، لكنه أقر في الوقت نفسه بصعوبة القرار، معتبراً أن الحكم كان يملك مبرراً للنظر فيما إذا كانت مصر قد استحوذت على الكرة بطريقة قانونية.
احتكاك طبيعي أم مخالفة؟
ركز التحليل أيضاً على طبيعة الاحتكاك بين مروان عطية وليساندرو مارتينيز، حيث أكد أن مجرد الدوس على قدم لاعب منافس لا يشكل مخالفة تلقائياً.
وأوضح أن قدم عطية لامست بالفعل حذاء مارتينيز الأيمن، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث خطأ، لأن لاعب المنتخب المصري كان يركض بشكل طبيعي إلى جانب منافسه ولم يكن يقوم بتدخل على الكرة.
وأضاف أن مارتينيز كان من حقه أيضاً وضع قدمه على الأرض للحفاظ على توازنه قبل لعب الكرة بقدمه اليسرى، معتبراً أن ما حدث كان احتكاكاً عادياً ومتكرراً في مباريات كرة القدم.
واستعاد الكاتب واقعة مشابهة في الدوري الإنجليزي الممتاز، عندما أُلغي هدف لفريق فولهام أمام تشيلسي في ملعب ستامفورد بريدج، بعدما داس مهاجم فولهام رودريغو مونيز بشكل غير مقصود على قدم مدافع تشيلسي تريفوه تشالوباه قبل أن يمرر الكرة وتنتهي الهجمة بهدف سجله جوش كينغ.
وأشار إلى أن فولهام كان غاضباً من القرار إلى درجة أنه منح كينغ جائزة هدف الشهر في النادي، باعتبار أن الهدف كان ينبغي احتسابه.
كما نقل أن هاورد ويب، رئيس لجنة التحكيم الإنجليزية، لم يحاول الدفاع عن القرار خلال برنامجه التلفزيوني المخصص لمناقشة قرارات تقنية الفيديو.
انتقادات لتوسع تدخل تقنية الفيديو
واعتبر سكوت أن الحالتين، في مباراة تشيلسي وفولهام وفي مباراة مصر والأرجنتين، تعكسان مشكلة أوسع مرتبطة بتقنية الفيديو، وهي أن التدقيق المفرط في التفاصيل قد يدفع الحكام إلى احتساب مخالفات لم تكن تعتبر أخطاء في السابق.
وأضاف أن كرة القدم ظلت لأكثر من 150 عاماً تعتبر مثل هذه الاحتكاكات أموراً طبيعية ضمن سير اللعب، لكن إعادة اللقطات البطيئة مرات عديدة جعلت بعض الحالات تبدو وكأنها أخطاء رغم أنها ليست كذلك في سياق المباراة.
وأشار إلى أن اللاعب السابق لإنجلترا ومانشستر يونايتد غاري نيفيل اعتبر أن مروان عطية ارتكب مخالفة واضحة، لكنه رأى في الوقت نفسه أن الهدف كان ربما ينبغي أن يحتسب بالنظر إلى بُعد الواقعة عن المرمى.
وقال سكوت إنه سبق أن ارتكب الخطأ نفسه عندما كان يعمل حكماً في تقنية الفيديو، وإنه يدرك كيف يمكن أن تحدث مثل هذه القرارات، لكنه شدد على ضرورة مراجعة هذه الممارسة “من أجل مصلحة اللعبة”.
بطاقة صفراء لم تُشهر بسبب ظروف الاحتفال
وأشار التحليل إلى وجود خطأ تحكيمي آخر خلال المباراة، يتعلق بمصطفى زيكو الذي كان ينبغي أن يحصل على بطاقة صفراء بسبب خلعه القميص أثناء الاحتفال بالهدف، رغم أن الهدف أُلغي لاحقاً.
واعتبر أن الحكم لوتكسييه أظهر حساً عملياً عندما تجاهل الواقعة في ظل الظروف، موضحاً أنه كان سيتعرض للانتقاد لو طبق القانون بشكل صارم، في مثال آخر على التناقض بين المطالبة بالاتساق في القرارات وبين رفض تطبيقه عندما لا يخدم الموقف.
احتجاجات مصر ونظريات المؤامرة
بعد تقدم الأرجنتين في النتيجة، احتج لاعبو المنتخب المصري والجهاز الفني والجماهير بشدة على القرارات التحكيمية، واستمرت حالة الغضب بعد نهاية المباراة.
وقال سكوت إن التعاطف كان واسعاً مع المنتخب المصري، وإن منصات التواصل الاجتماعي شهدت انتشاراً كبيراً لاتهامات بالفساد وادعاءات بوجود مخطط لمساعدة الأرجنتين.
لكنه رفض هذه الطروحات، معتبراً أن الاعتقاد بأن الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” حدد مسبقاً مسار البطولة من أجل تمكين ليونيل ميسي من إنهاء مسيرته بلقب عالمي جديد هو “نظرية لا تستند إلى أساس”.
وأكد أن مسؤولي التحكيم في كأس العالم، الموجودين في معسكر تدريبي بفلوريدا، يخضعون لعملية إعداد ومراجعة يومية، حيث يدرسون المقاطع ويناقشون الحالات التحكيمية الدقيقة بهدف تحسين الأداء.
وأضاف أن الحكام الذين يصلون إلى أعلى مستويات اللعبة يتمتعون، رغم اختلاف شخصياتهم، برغبة مشتركة في ضمان اللعب النظيف والوصول إلى نتائج عادلة.
أخطاء التحكيم لا تعني وجود مؤامرات
وأوضح الكاتب أن الحكام يرتكبون أخطاء، وأن بعض هذه الأخطاء قد تصب أحياناً في مصلحة المنتخبات الكبرى أو الدول القوية، وهو ما يؤدي إلى انتشار نظريات المؤامرة.
لكنه أشار إلى أن هذه النظريات تتراجع عندما يستفيد منها الطرف الأضعف، مستشهداً بحالات أخرى خلال كأس العالم الحالي، حيث استفادت منتخبات مثل اسكتلندا أمام البرازيل، والسنغال أمام فرنسا، وباراغواي أمام ألمانيا من قرارات تحكيمية مثيرة للجدل.
كما استعاد تصريحات سابقة للمدرب الإسباني بيب غوارديولا الذي اشتكى من تحيز الحكام ضد فريقه مانشستر سيتي، رغم أن النادي توج بلقب الدوري الإنجليزي في ستة مواسم من أصل سبعة بين 2017-2018 و2023-2024.
وختم سكوت تحليله بالتأكيد أن كرة القدم ليست لعبة “معدة سلفاً”، وأن القرارات التحكيمية تتوازن غالباً على المدى الطويل، وأن الحكام يبذلون أقصى ما لديهم، حتى وإن لم تكن بعض قراراتهم موفقة في بعض الأحيان.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







