نحو إصلاح شمولي لمنظومة التعليم العالي (الجزء الأول)

منذ 4 سنوات 8
ARTICLE AD BOX

مقدمة

يعرف العالم تحولات كبرى وتغيرات جوهرية لعل سمتها الأساسية هي الثورة الرقمية التي غيرت النظم الاقتصادية وأثرت على العلاقات الإنسانية، وأصبح تأثيرها الجارف يهدد حتى النظم الاجتماعية والسياسية، وقد يكون لها نصيب وافر في تغيير نظرة الإنسان للحياة وتصوره للعالم. وأمام هذا المعطى لم تعد الثروات الطبيعية ولا الثروات المادية قادرة على مواجهة التحديات التي يفرزها هذا الواقع الجديد، بل أضحى السبيل الوحيد أمام المجتمعات لتفادي خطر الاضمحلال وربما الزوال، هو امتلاك ناصية العلم والتسلح بالقدرة على الابتكار وعلى التجديد المستمر للأفكار والنظم والباراديغمات. وما من طريق لتحقيق هذا المبتغى سوى الاستثمار في التربية وتأهيل التعليم العالي والبحث العلمي ليؤدي المهام المناطة به في إعداد النخب والمفكرين المؤتمنين على الرصيد الحضاري والتواقين إلى إغنائه وتطويره، وتخريج الأطر القادرة على إنتاج الثروة وتكييف المنظومة الاقتصادية مع متغيرات الحياة المعاصرة التي لا تتوقف عن الحركة في اتجاهات متعددة يصعب في الكثير من الأحيان رصدها بالدقة اللازمة. ولن يتأتى ذلك إلا بالتطوير المستمر لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من أجل جعلها مواكبة للتحولات العالمية والإقليمية والمحلية وذلك من خلال تجديد مهامها وأدوارها، وتحسين آليات وأدوات اشتغالها، وإعادة النظر في بنياتها وحكامتها، وتأهيل مواردها البشرية لتواصل عطاءها بالشكل الذي يستجيب لمختلف التحديات ويحقق جميع التطلعات.

في ظل ذلك، عرف المغرب في السنوات الأخيرة دينامية اقتصادية ناشئة من خلال إطلاق مجموعة من الأوراش التنموية على شكل استراتيجيات قطاعية كبرى في مجالات متعددة مثل الفلاحة والصيد البحري والصناعة والتجارة والسياحة والطاقات المتجددة. ولم يكن لهذه المبادرات أن تستمر بالزخم الذي وعدت به حين انطلاقها إلا بالاستثمارات الأجنبية التي تم جذبها إلى المغرب بفضل الاستقرار الذي يتمتع به والامتيازات التي يمنحها للمستثمرين من جهة، وبفضل الدبلوماسية السياسية والاقتصادية في العديد من الدول وخاصة في إفريقيا وآسيا والتي فتحت للاقتصاد المغربي أسواقا جديدة. ونظرا للتحولات العميقة التي يعرفها المغرب بفضل هذه الدينامية والتي تجاوزت المجال الاقتصادي إلى المستويين الثقافي والاجتماعي، وتزامنا مع التفكير في تفعيل النموذج التنموي الجديد الرامي إلى تحقيق الطفرة التنموية المرجوة، أصبح ملحا إرساء إصلاح شمولي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي يبني على الإصلاحات الجزئية التي عرفها القطاع تصورا نسقيا جديدا يستند إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 بوصفها الإطار المرجعي لكل إصلاح يطال منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. هذا المنظور المتجدد ينبغي أن يقطع مع الاختلالات التي شابت مسيرة الإصلاح طيلة العشرين سنة الماضية، ويحدث تحولا نوعيا على مستوى التعليم العالي والبحث العلمي يجعلها في مستوى التطلعات التي رافقت صدور الرؤية الاستراتيجية والتي جاء مشروع القانون الإطار 51.17 ليرتقي بها إلى مستوى التعهدات القانونية الملزمة لجميع الأطراف وعلى رأسها الوزارة الوصية.

الإشكالية

شكل التعليم العالي دوما الرهان الأساس لكل الدول من أجل تأهيل العنصر البشري القادر على رفع التحديات التنموية وعلى قيادة المجتمع نحو غد أفضل. ولم يكن المغرب أبدا بدعا من الأمم بل فطن قبل غيره إلى أهمية هذا المسار الأكاديمي المتميز عندما أسست فاطمة الفهرية أول جامعة في العالم فكان بذلك سباقا إلى الاهتمام بالتعليم العالي بمعناه الحديث. وسارت الأجيال المتعاقبة على هذا الدرب حيث لعبت الجامعة المغربية أدوارا رائدة في إنتاج النخب ومد المجتمع بالأطر المؤهلة التي كتبت صفحات مشرقة من تاريخ المغرب، بل وأسهمت في تقدم الإنسانية من خلال إنتاجها العلمي والفكري.

واليوم، رغم أن شعلة العلم والمعرفة ما تزال متقدة في الجامعة المغربية إلا أن بريقها بدأ يخفت تدريجيا منذ زمن غير يسير، كما أن دورها التنموي أصبح يشكل هاجسا حقيقيا بالنسبة للجميع خاصة مع استفحال ظاهرة البطالة في صفوف خريجي التعليم العالي، مما ينم عن عدم قدرة هذا الأخير على تقديم تكوينات تستجيب للحاجات من الموارد البشرية المؤهلة التي تتطلبها الأوراش التنموية التي يعرفها المغرب.

الأهداف الكبرى

إن ربط التعليم العالي والبحث العلمي بالتنمية الشاملة للبلاد يقتضي العمل على تطوير منظومة التعليم العالي الحالية والارتقاء بمخرجاتها؛ وترسيخ نموذج بيداغوجي يمكن من ملاءمة التكوينات مع متطلبات الارتقاء بالمجتمع ومع الحاجيات الوطنية والجهوية ومع مهن المستقبل؛ والرفع من جودة التكوينات في مختلف الأسلاك الجامعية وخاصة بالمؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح؛ والارتقاء بمنظومة البحث العلمي بما يضمن للباحثين المغاربة تموقعا أفضل داخل حقل البحث العلمي الدولي؛ وبالتالي بلورة تصور واضح حول كيفية تنزيل مخطط تطوير وتجديد التعليم العالي والبحث العلمي وفقا لتوجهات القانون الإطار 51.17.

التحديات والفرص

إن الانتقال بالتعليم العالي من وضعيته الحالية إلى وضعية جديدة تنسجم مع هذه الأهداف ينبغي أن يستحضر التحديات التي ينبغي رفعها، وكذلك الفرص المتاحة التي يجب استثمارها لتحقيق الطفرة النوعية المرجوة.

التحديات

جاء في التقرير التحليلي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي المرتبط بتطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين خلال الفترة 2000-2013 أن التحديات الكبرى التي تواجه مستقبل المدرسة عموما والتعليم العالي خصوصا، والتي ينبغي على نظام التربية والتكوين رفعها في مستهل القرن الواحد والعشرين متعددة من أهمها:

أن بلادنا ستتجاوز عتبة مليون طالب مسجل بالتعليم العالي في السنة الجامعية 2021-2022؛

أن عدم الانسجام اللغوي المميز لنظام التربية والتكوين، يقتضي إعادة التفكير في السياسة اللغوية ببلادنا، في أفق تحقيق توازن دائم بين مبدأ العدالة اللغوية ومطلب التحكم في اللغات الأجنبية؛

أن تعبئة المدرسين بوصفهم فاعلين رئيسيين بمنظومة التربية والتكوين واستثمار مؤهلاتهم في الممارسة البيداغوجية وانخراطهم في الحياة الجامعية تشكل جميعها دعامات في غاية الأهمية لتحسين جودة مخرجات التعليم العالي؛

ضرورة وجود انسجام وتقاسم الأدوار بين التعليم العالي وعالم الاقتصاد ومحيط المقاولة وسوق الشغل لرفع تحدي التمهين والتشغيل؛

بذل مجهود أكبر من أجل الارتقاء بالمختبرات المغربية وفرق البحث، مما يضمن للباحثين المغاربة التموقع داخل حقل البحث العلمي الدولي.

الفرص

هذه التحديات التي ينبغي بذل الجهود لمواجهتها يجب ألا تحجب عنا الفرص العديدة التي نتوفر عليها، والتي تشكل خزانا مساعدا على سن السياسات وإعداد الاستراتيجيات التي من شأنها أن تدعم هذه الجهود وتعززها. من هذه الفرص نذكر:

تنويع الشركاء الدوليين: أوروبا/آسيا/إفريقيا والصين؛

استقرار المغرب وأمنه؛

قربه الجغرافي من أوروبا، والتطور الكبير في البنيات والتجهيزات التحتية واللوجيستية؛

بلورة مخططات قطاعية متوسطة وبعيدة المدى ” مخطط المغرب الأخضر/أليوتيس/ المغرب الرقمي، التسريع الصناعي…؛

استقطاب مشاريع ضخمة للاستثمار في قطاعات واعدة (السيارات والطائرات، الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية)؛

نحو إصلاح شمولي

لرفع التحديات التي تواجه التعليم العالي والبحث العلمي ينبغي استثمار الفرص التي يتوفر عليها المغرب في هذا المجال واستحضار التوجهات الكبرى التي نص عليها القانون الإطار 51.17 من أجل إرساء إصلاح شمولي للقطاع يبني على المكتسبات ويحدث قطيعة نهائية مع السياسات والممارسات التي أدت إلى الاختلالات العميقة التي عرفها التعليم العالي والبحث العلمي. وفي هذا الإطار واستئناسا بما جاء في تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وما توصي بها بعض الدراسات الدولية يمكن اقتراح التوجهات الكبرى التالية:

  1. إحداث جيل جديد من المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح
  2. رسم مسارات جديدة لمسالك التكوين
  3. تحسين الحكامة الجامعية
  4. ترسيخ منظومة التعليم العالي ضمن منظور الجهوية المتقدمة
  5. تعزيز التدبير الإداري والمالي
  6. تعزيز تدبير الموارد البشرية
  7. مأسسة التكوين البيداغوجي للأساتذة
المصدر