نحتاج إلى صحافة حرّة

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

سعيد أهمان

نحتاج إلى صحافة حرّة

الأحد 10 ماي 2026 | 08:32

مرّ اليوم العالمي لحرية الصّحافة لسنة 2026 مثل جنازة صامتة؛ قليل من الوقار، كثير من البلاغات، ووفرة هائلة من الصّور التّذكارية والابتسامات البلاستيكية. أما الصّحافة نفسها، تلك التي كانت تُزعج وتُقلق وتكشف وتنبش وتضع الأصبع على الجرح، فقد بدت كشيخٍ مُتعب يُسند ظهره إلى جدار مهترئ، بينما يتقاسم الورثة ما تبقى منغنائم المهنة“.

آراء أخرى

  • وفاة نبيل لحلو...  هل هي نهاية مرحلة ؟

  • المثقّف المغربي بين المعطي منجب والطاهر بن جلون

  • هل يفقد الأستاذ الجامعي استقلاليته عندما يصبح محاميا؟

نحتاج إلى صحافة حرّة، نعم.

لكننا قبل ذلك نحتاج إلى صحافة لا تبيع روحها مقابلقفة إشهار، ولا تُحوّل الميكروفون إلى ملعقة تُغمس في كلمرقةساخنة. نحتاج إلى صحافة مسؤولة، لا إلى نشراتعلاقات عامة” R.P متنكرة في هيئة أخبار. نحتاج إلى صحافة مهنيّة، لا إلى جوقة تصفيق موسميّة تتقن فنّ الانحناء أكثر مما تتقن فنّ السّؤال.

للأسف، لقد صار بعض من يرفعون شعارالإعلامأشبه بوسطاء مناسبات؛ يتنقلون بين الولائم والنّدوات وحفلات التّدشين ونحوها كما يتنقّل النّحل بين الأزهار، لكنّ الفرق أن النّحل يصنع عسلا، بينما كثير من هؤلاء لا يصنعون سوى الضّجيج.

صار الخبر عند البعض مجرد بطاقة دعوة، وصارتالتّغطية الصّحافيةمرادفا لـشكرا على حسن الاستقبال، أما التّحقيق والرّوبورتاج  والكرونيك والحفر في الملفات الشائكة، فقد أصبحت أعمالا شاقة لا تُطعم خبزا ولا تفتح أبواب الامتيازات.

أيّ مفارقة هذه في بلد يتوفر على مدونة للصحافة والنشر، وترسانة قوانين، ومواثيق أخلاقيات، ومجالس، وهيئات، ودورات تكوين مؤسّسات كثر، ومع ذلك يتكاثر فيهالصحافي المناسباتيأكثر من تكاثر الأسئلة الحقيقية، كأن المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الضّمير المهني الذي يجعل الصّحافي يخاف على سمعته أكثر مما يخاف على امتيازاته.

المأساة الحقيقية ليست فقط في الذين حوّلوا الإعلام إلىبوق، بل في أولئك الذين تعايشوا مع البوق حتى صار صوته موسيقى مألوفة. الجميع تقريبا متواطئ بالصّمت، والمؤسسة التي يشتغل بها  تريد مديحا لا مساءلة، والمعلن الذي يشتري المساحات ويشتري معها الصّمت، والمتلقّي الذي استسلم للرّداءة حتى صار يستهلكها بلا مقاومة..أما بعض الصحفيين الذين أقنعوا أنفسهم بأنالعيش أولى من المبادئ، ثم اكتشفوا متأخّرين أنهم خسروا الاثنين معا.

ماذا صارت النّتيجة؟ مواطن مرتبك لا يعرف من يصدّق، منابر كثيرة، لكن الحقيقة يتيمة، ضجيج هائل، لكن المعلومة الدّقيقة نادرة كالماء في موسم الجفاف.

ولكن الأٍسئلة الملتهبة والحارقة اليوم: هل نحتاج إلى إصلاح الإعلام؟ وهل بقي لدينا أصلا إعلام يحتاج إلى إصلاح، أم أننا أمام عملية إنعاش أخيرة لمهنة تحتضر ببطء؟

الأكيد أنّ الإصلاح لا يبدأ من الشّعارات الرّنانة ولا من النّدوات الفندقية المكيّفة، بل من أشياء بسيطة ومؤلمة في الآن نفسه:

أولا: إعادة الاعتبار لفكرة الصّحافي لا لفكرةالمؤثر“. فالصّحافي ليس من يحمل هاتفا ويصورلايف، بل من يبحث ويتحقق ويُزعج ويطرح السّؤال الذي يخشاه الجميع.

ثانيا: حماية الاستقلالية الاقتصادية للمؤسّسات الإعلامية. فلا يمكن لمنبر يعيش على صدقات الإعلانات والولاءات أن يكون حرّا. الجائع قد يكتب، لكنّه غالبا لن يعضّ اليد التي تُطعمه.

ثالثا: إعادة بناء التّكوين المهني الحقيقي. فلا نحتاج إلى أفواج تحفظ نظريات الاتصال  وقواعد الاشتغال عن ظهر قلب، بل إلى صحافيين يعرفون كيف يقرأون الميزانيات والبيانات، ويفكّكون الصّفقات، ويتتبّعون الوثائق، وينزلون إلى الميدان بدل الاكتفاء بإعادة تدوير البلاغات.

رابعا: خلق وعي مجتمعي بأن الصّحافة/الإعلام ليسا ترفا، فحين تموت الصّحافة الجيّدة، يزدهر الفساد في صمت، وحين يتحوّل الإعلام إلى دعاية، يصبح المواطن أعمى حتّى لو كانت عيناه مفتوحتين. أما المواطن، فعليه أن يتوقّف عن استهلاك الرّداءة مجّانا، وأن يُقاطع المنصّات التي تبيع التّفاهة والخوف والتّطبيل، وأن يدعّم، ولو معنويا، الصحافيين القلائل الذين ما زالوا يقاومون وسط هذا الرّكام.

لسنا بحاجة، في مغرب اليوم، إلىصحافة بطوليةكما في الأفلام، بل إلى صحافة نظيفة فقط. صحافة لا تركع إلا للحقيقة، صحافة تعتبر السّؤال واجبا لا وقاحة، صحافة تدرك أنّ دورها ليس تلميع الواجهات، بل كشف التّشققات قبل أن يسقط السّقف فوق الجميع.

وإلى أن يحدث ذلك، سيظلّ مرور اليوم العالمي لحرية الصّحافة ليس مجرّد مناسبة أخرى لالتقاط الصّور الجماعية، بينما المهنة تُذبح في الغرفة المجاورة، بصمت رسمي، وتصفيق حارّ.

المصدر