ARTICLE AD BOX
نبيل عيوش يكتب.. إسرائيل – غزة: نحو بداية قصة أخرى؟
نبيل عيوش*
الأربعاء 28 ماي 2025 | 09:08
في ستينيات القرن الماضي، لاحظ المؤرخ والفيلسوف المختص بالكابالا غيرشوم شوليم أن حظ إسرائيل الأعظم يكمن في نجاتها من المسيحية. لكن التاريخ كتب مفارقة ــ فقد جردت الدولة الناشئة من روحها الفاضلة، وتحولت إلى كارثة جماعية وأزمة أخلاقية. حتى اليوم، يدفع عشرات الملايين ثمن هذا الانحراف.
فمن خلال سماح القوى الكبرى بتحول الرؤية إلى مذبحة، تكشفت نقاط ضعف خطيرة تجرنا إلى هاوية لا قاع لها. انهارت القيم التي طالما اعتبرت ركيزة لإيماننا المشترك، وحل قانون الأقوى مكان الأخلاق، فأصبح الضعفاء مجبرين على الصمت وتلقي الضربات. إذا كان لا شيء ممنوعا، فكل شيء مباح؛ وإذا عجزت المؤسسات الدولية عن حماية المدنيين، فكيف نطمئن أطفالنا إلى أن غدا قد يكون أفضل؟
وعندما تواصل الدول العظمى تمويل آلة الحرب الإسرائيلية دون قيد أو شرط، كيف يصدق تحذيرها العالم من الانزلاق نحو العنف في صراعات أخرى؟ وإذا كانت العدالة تطبق انتقائيا، وتسحق القوانين الدولية متى شاؤوا، فما معنى “العدالة” إذا؟ إن تجاهل هذه الأسئلة لا يعفي أحدا من مسؤولية الحفاظ على المنطق والقيم التي تفصلنا عن بقية مخلوقات هذا الكوكب.
التمسك بالسلطة مهما كلف الأمر
ربما تكون هذه حقا نهاية قصة وبداية أخرى؟ قصة تختلف جذريا عما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسنضطر إلى التأقلم معها. إنها قصة ترحل القيم العالمية إلى أعمق زاوية مظلمة، ولا تبقي مكانا للعقل… فآمالنا ضئيلة، وقيمة الحياة البشرية لم تعد سواسية، حسب الجهة التي يقيم فيها الإنسان. بينما تتكدس عشرات آلاف الجثث في مقابر جماعية بغزة، ويتمكن عدد قليل من المستوطنين، بدعم سياسي، من السيطرة على واحدة من أقوى جيوش العالم في الضفة الغربية، يكتفي العالم الغربي الكبير بكلمات واهنة وإدانات مترددة. أما المدنيون الأبرياء، في كل مكان، فقد تحولوا إلى كبش محرق في نزاع بات لا يسمى ولا ينهي.
وسط هذا الحريق الهائل، ينجح رجل في التمسكِ بالسلطة مهما كان الثمن، ويرقص فوق لهب يغذيه يوميا. هذا الرجل، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ملاحق بتهمِ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد شطر أمته الإسرائيلية في السنواتِ الأخيرة شطرين لا سابق لهما في تاريخ البلاد. أحاط نفسه بالعنصريين وكارهِي المثلية، في سبيل البقاءِ في منصبه. كل يوم يحاول اغتيال سيادةِ القانون والمؤسساتِ والأنظمةِ، ومن يسعى إلى إنفاذها في إسرائيل. كل يوم يأخذ شعبه رهينة؛ فالديمقراطية في نظره مفهوم لين يشكله وفق طموحاته، ولو اقتضى الأمر جر بلاده والمنطقة بأسرها إلى الدمار التام.
أما الشعب الفلسطيني والرهائن الإسرائيليون عنده مجرد ذخيرة تسخرها طموحاته المجنونة: أن يظل حاكما على سفينة تغرق، كمثل أوركسترا التايتانيك، يعزف حتى اللحظةِ الأخيرة، فالأهم لديه ليس النوتة، بل أن تسمع أصواته. بالتالي، يوجد هدف وحيد لإطالة أمد المذبحة، ألا وهو الإفلات من العدالة الدولية والقضائية في بلاده. غير أن الجميع باتوا يعرفون أن هذا الرجل هو العائق الأبرز أمام عودة الحياة لجميع أطراف النزاع. ولعله يدرك أمرا واحدا: لن ينسى العالم ما فعل، أبدا؛ بل كلما ابتعدنا عن 7 أكتوبر، ازدادت الظروف التي مهدت لذلك اليوم المأساوي وضوحا، وتمثلت مسؤوليته الهائلة أكثر.
وأفضل وسيلة لإشعال هذه النيران هي التظاهر برغبة خلط كل شيء ببعضه؛ أي أن مكافحة معاداة السامية كانت وستبقى إحدى معاركي في الحياة؛ فقد كرست لها أحد أفلامي، “الرازيا”. وما أحزنني اليوم هو رؤية هذا المصطلح يساء استخدامه ويحول معناه، وتغتنمه كل التيارات اليمينية المتطرفة في العالم لحسابات انتخابية وضيعة. فهذه الأحزاب لا تملك تاريخا طويلا، إذ تعبث بسلامنا دوريا، وقد تنقلب ضدنا في أي لحظة…
عملاق بأقدام من طين بلا أصدقاء
لا ينبغي لإسرائيل ولا لليهود في العالم أن يستمعوا إلى هذه الأناشيد، بل عليهم رفض كل من يدعي الصداقة معها بقوة. أرحب بظهور أصوات يهودية جريئة في شتى الأمصار تدين الفظائع الجارية في غزة؛ فلو أن هذه الأصوات، وإن كانت مخلصة لإسرائيل كما تدعي، تواصل صراخها وتحركها داخل مجتمعها وخارجه من أجل إقامة دولة فلسطينية كريمة، لما انحدرت إسرائيل والفلسطينيون معا نحو الغرق. الحقيقة أن إسرائيل صارت عملاقا بأقدام من طين، بلا أصدقاء حقيقيين، بل حلفاء انتهازيون… فالأصدقاء الحقيقيون لا يدفعونك نحو انتحار جماعي، بل يحاولون ثنيك عن ذلك. كانوا ليقولوا لإسرائيل إن زمن المستوطنات قد ولى، وأن الإرهاب لا يواجه بالقتل الجماعي والحصار والقصف، بل بحقوق الإنسان والتعليم ومنح الشباب الفلسطيني آفاقا لمستقبل أفضل. وإلا فسوف تستمر الجماعات الإرهابية في التكاثر جيلا بعد جيل، ينضم إليها جحافل من الأيتام المنكوبين بفقدان آبائهم.
وليس الأصدقاء الحقيقيون من يتركونك تتعالى فوق القانون؛ ذلك الشعور بالقدرة المطلقة والإفلات التام من العقاب هو ما يمكن الحكومة الإسرائيلية الحالية من ارتكاب أبشع المذابح. وسيتحمل العالم وزر غياب الضمير الأخلاقي. فإذا واصل القادة السياسيون تواطؤهم بصمتهم على هذه المجازر وإيهام أنفسهم بأن للعدالة مقاييس متفاوتة، فإنهم يحفرون قبرا جماعيا للجميع. وبدلا من نزع شرعية محكمة العدل الدولية، ينبغي على القوى الكبرى أن تدعمها فورا وتساعدها في أداء دورها.
ففي اسم الانتقام يقتل شعب بأسره، ويحرم من الماء والغذاء والدواء والرعاية الطبية والكهرباء وأبسط حقوقه. إن معاملة الأسرى الفلسطينيين بهذه القسوة، وإبقاء المستوطنين الإسرائيليين ينهبون ويقتلون ويذلون ويدمرون البيوت والقلوب، ينم عن انحلال دولة تدعي الديمقراطية. فإذا لم يوقف هؤلاء القادة، فسيمهدون لثورة شعبية عالمية ضد وحشيتهم. فكيف لا ندرك أن هذا الصراع هو مركز زلزال يهز العالم ويشكل معالم صراعات اجتماعية وحضرية عديدة منذ نهاية القرن العشرين؟
أنا ابن لأم يهودية وأب مسلم، نشأت على وقع الطبول، ومنذ صغري ظل قلبي ينبض بإيقاع هذا الصراع. لقد مزقني، وأيقظ ضميري السياسي، وشكل علاقتي بالعالم، وربما دفعني أيضا لأن أصير سينمائيا أحكي قصص الإنسان. مع مرور الزمن، صار هم الإنسان وحده شغفي الأوحد. مسكونا بفكرة أن السينما قادرة على تغيير العالم، احتضنت أفلامي قصص حياة تعشق الحرية، محاصرة في قلب تاريخ كبير. مدفوعا بهذه الطاقة، ربما بسذاجة طفولية، انطلقت في 2011 لصنع وثائقي بعنوان “أرضي” My Land في إسرائيل ولبنان، معطيا الكلمة لفدائيين فلسطينيين مسنين وشبان إسرائيليين. تمنيت ذات يوم أن يكون المصالحة ممكنة… لكني اليوم أعلم أن التصالح صار متأخرا للغاية، وأن فصلا آخر من التاريخ بدأ بالكتابة.
فكيف سيكون شكل هذا التاريخ الجديد؟ لا أحد يملك الإجابة بعد. سيتشكل حتما من انتفاضات ومقاومات مضادة، ومن جنون مزيد، ومن سخرية متجددة بلا هوادة، ومن تنازلات وأمل وتمرد على أوامر تقدم على أنها مسلمات… ولكن، إذا أراد هذا الفصل أن يكون ذا معنى، فلا بد أن يبنى أولا وأخيرا على العدل. فالبغي ظلام وفوضى لا يقودان إلا إلى الخراب.
في هذا الصراع، لم يعد الأمر متعلقا بفلسطينيين أو إسرائيليين، ولا بيهود أو مسلمين فحسب، بل بات مسألة عدل أو ظلم، ويتعين على كل منا أن يختار جانبه، لأن من بديهيات الطبيعة البشرية أنها ترفض الأكاذيب التي تقدم على أنها حقائق. كما أن للإنسان حدودا لا يليق معاداتها، وإن من أعظم ما يحققه الطغاة في كل مكان، هو توحيدنا حول ميثاق رغبة مشتركة واحدة؛ ألا نعاود تجربة فظائع القرن الماضي. ولهذا، يجب أن تكون ضمائرنا جاهزة لكل المعارك، بداية بمكافحة النسيان والتضليل ونزع الإنسانية والرغبة في إبادة شعب؛ فالأمم لا تبنى فوق قبور مكتظة بالأشلاء.
*نبيل عيوش، مخرج سينمائي مغربي
المصدر: ليبيراسيون
.jpg)
منذ 11 أشهر
4







