مِنْ النَّقْدِ إِلَى الْبِنَاءِ

منذ 5 أشهر 6
ARTICLE AD BOX

 تَفَاعُلٌ مَعَ مَقَالَةِ حَكِيمَة نَاجِي

آراء أخرى

  • نقطة في كأس اليأس

  • اغتيال المهدي بن بركة: مسؤولية "كبار المتواطئين" بين الأمس واليوم

  • حركة "جيل زد"... فرصة لإعادة المعنى للسياسة! (1)

الصديقة حكيمة،

قرأت مقالتك الثرية حول “جيل زد” وأزمة السياسة المغربية، ووجدت فيه طرحا جريئا يلامس جوهر الإشكال الديمقراطي في بلادنا. مقالتك لا تكتفي بالتشخيص، بل تحاول إعادة تعريف السياسة من منظور مدني، وتعيد الاعتبار للفاعلية الشعبية كمدخل للإصلاح، لا كملحق للمؤسسات.

لقد أحسنتِ في الربط بين السياق المحلي والديناميات الأممية، وفي استحضار التاريخ السياسي المغربي كخلفية ضرورية لفهم الحاضر. كما أن دعوتك إلى “تنظيم اليقظة الشعبية” تقدم تصورا جديدا للمشاركة، يتجاوز الأطر الحزبية التقليدية، ويستثمر في الرقابة المدنية والتكنولوجيا. إنها مقالة تغني النقاش العمومي، وتستحق أن تُناقش لا فقط في الصحافة، بل في الفضاءات الحزبية والمدنية، لأنها تقدم مدخلا فكريا لتجديد الرؤية السياسية في المغرب.

غير أن بعض خلاصاتك، في تقديري، تحتاج إلى تدقيق واقعي، وتمييز بين النقد المبدئي والنقد المؤسساتي القابل للقياس، حتى لا يتحول التشخيص إلى نفي شامل يضعف إمكانات الإصلاح.

أولا: البرلمان المغربي بين النص الدستوري والممارسة الواقعي

أشرتِ إلى أن البرلمان المغربي “ليس قادرا على الخوض في قرارات المجلس الوزاري، ولا في ميزانية القصر”، وهي صيغة، في تقديري، تُجانب الدقة وتختزل الواقع المؤسساتي في صورة إلغائية لا تعكس التعقيد الفعلي للممارسة البرلمانية.

فالمشاريع التي يصادق عليها المجلس الوزاري ليست نصوصا منزلة، بل تحال على البرلمان وتخضع للنقاش والتعديل، بما في ذلك قوانين المالية التي شهدت تعديلات جوهرية في السنوات الأخيرة، سواء من طرف الفرق البرلمانية أو عبر التوافقات داخل اللجان. كما أن البرلمان لا يكتفي بالمصادقة، بل يمارس رقابة لاحقة عبر قوانين التصفية، التي تتيح له تقييم مدى احترام الحكومة للميزانية المصادق عليها، وتشكل أداة محاسبة مهمة، وإن كانت لا تفعل دائما بالصرامة المطلوبة.

أما ميزانية القصر الملكي، فلا أحد يمنع من مناقشتها، لكن طبيعة المناقشات في الميزانيات الفرعية عموما لا تتركز على الأرقام والجداول، بل على الاستراتيجيات القطاعية ومدى ملاءمة الاعتمادات المرصودة للأهداف المعلنة. وهذا ينطبق على ميزانيات مؤسسات أخرى أيضا، مثل مجلس النواب الذي لا تناقش ميزانيته في مجلس المستشارين، والعكس صحيح، باعتبار أن كل مجلس يعد ميزانيته وفق حاجياته الداخلية، وهو منطق مؤسساتي ينسحب على مؤسسة القصر كذلك.

لذلك، فإن القول بانعدام قدرة البرلمان على الخوض في قرارات المجلس الوزاري أو في ميزانية القصر يغفل طبيعة التراتبية الدستورية، ويغذي خطابا عدميا يضعف إمكانات التراكم الديمقراطي. الأجدر أن نتحدث عن محدودية الفعالية، أو اختلال في موازين القوى، لا عن غياب مطلق للوظيفة الرقابية أو التشريعية.

 ثانيا: الملكية البرلمانية، أفق إصلاحي أم شعار طوباوي؟

في مقالتك، تطرح الملكية البرلمانية كأفقٍ للخلاص، لكن التجربة المقارنة، وحتى التاريخ الوطني، يبينان أن شكل النظام لا يضمن، دائما، جوهر الديمقراطية.

في مقالتي السابقة “نحو إصلاح واقعي ومسؤول”، أشرتُ إلى أن أي انتقال نحو ملكية برلمانية خالصة لن يحل أزمات المغرب العميقة تلقائيا، بل قد يفتح الباب أمام ما سميتهِ أنتِ “تجار السياسة” ليحتكروا المشهد باسم صناديق الاقتراع. فمن يضمن أن انتخابات حرة ستفرز نخبا كفؤة ونزيهة؟ ومن يضمن ألا تتحول الملكية البرلمانية إلى آلية لإعادة إنتاج الفساد في شكل أكثر “ديمقراطية”؟

إن الإصلاح لا يتم بقرار فوقي ولا بشعار انتقالي، بل ببناء الثقة، والتراكم، والمؤسسات المؤهلة. الملكية البرلمانية قد تكون أفقا مشروعا، لكنها ليست علاجا سحريا، بل نتيجة لمسار طويل من الإصلاحات الجزئية المتدرجة.

ثالثا: من الشعارات إلى البناء، جيل زد كفرصة

جيل زد، كما وصفتهِ، ليس في وادٍ معزول عن باقي المجتمع، بل هو امتداد لحراكات سابقة، وإن بصيغ جديدة.
لكن دعوته إلى تأسيس حزب أو الانخراط في الأحزاب القائمة، كما انتقدتِ، تظهر أزمة النخبة أكثر مما تظهر أزمة الشباب. فهل المطلوب من هذا الجيل أن ينقذ ما عجزت عنه النخب؟ أم أن المطلوب هو أن نهيئ له شروط الفعل السياسي النزيه، وليس أن نحمله مسؤولية الإصلاح من خارج المؤسسات؟

أظن أنك تتفقين معي، أن جيل زد لا يحتاج فقط إلى مؤسسات فاعلة، بل إلى رموز سياسية جديدة تجسد القيم التي يؤمن بها.

وإذا كانت السياسة قد فقدت معناها، فاستعادته لن تتم بخلق أفق طوباوي، بل بإصلاح متدرج يعيد الثقة في المؤسسات القائمة، ويهيئ لشروط الانتقال الديمقراطي الحقيقي عندما تنضج الأرضية المجتمعية لذلك.

 رابعا: المجالس الدستورية: من الريع إلى اليقظة المؤسسية

أثرتِ سؤالا مهما، ما فائدة المجالس الدستورية؟ وأحسنتِ في رفض الخطاب العدمي الذي يختزلها في الريع.
لكن الأهم، في نظري، هو كيف نعيد وصل هذه المجالس بالحياة اليومية للمواطن، وكيف نُفعل تقاريرها في السياسات العمومية، لا أن تبقى وثائق مرجعية في رفوف النخب.

إن ترسيخ ثقافة مؤسساتية يقِظة لا يمر عبر إلغاء المجالس الدستورية، بل عبر تفعيلها، وربطها برقابة مدنية موازية تُعزز دورها وتُعيد وصلها بالحياة اليومية للمواطن.

خامسا: الإصلاح كتراكم لا كتحوّل فجائي

لعل الاختلاف بيننا ليس في الهدف، بل في الطريق إليه. نلتقي في الإيمان بأن الإصلاح ضرورة وطنية، ونفترق في تقدير وسائله ومراحله. لكن مثل هذا الحوار بين المثقفين، حين يكون صريحا ومسؤولا، هو في حد ذاته ممارسة ديمقراطية تعيد للسياسة معناها، وتمهد لمسار إصلاحي ناضج.

دمتِ صوتا نقديا يحفز التفكير، وينعش الأمل.

المصدر