ARTICLE AD BOX
مولاي إدريس زرهون.. محج الزائرين وملاذ الطامعين في “البركة”
الإثنين 27 أبريل 2026 | 10:11
على بعد نحو ثلاثين كيلومترا شمال مدينة مكناس، يتلوّى الطريق الجبلي صعودا نحو بلدة هادئة تستقر بين أحضان الأطلس المتوسط، حيث تقوم مولاي إدريس زرهون كواحدة من أكثر الفضاءات الروحية جذبا للزائرين في المغرب. هنا، لا يأتي الناس للسياحة فقط، بل بحثا عن “البركة”، وعن أمل مؤجل، أو دعاء لم يجد طريقه إلى الإجابة بعد.
طريق الرحلة… من الأسفلت إلى الإيمان
الانطلاق من مكناس يكون عبر طريقا معبدة نسبيا، تمر عبر الحقول الخضراء والمرتفعات المتدرجة. كلما اقتربت من زرهون، يضيق الطريق وتتكاثف المنعرجات، كأنها تمهِّد نفسيا للدخول إلى عالم مختلف. سيارات الأجرة الكبيرة والحافلات الصغيرة تنقل الزوار يوميا، فيما يفضل البعض السير على الأقدام في الجزء الأخير من الرحلة، في طقس أقرب إلى الطقوس منه إلى التنقل.
عند مدخل بلدة مولاي إدريس زرهون على ربوة، تختلط رائحة البخور بصوت الباعة المتجولين وأصحاب المحلات والمقاهي الذين يحيطون بضريح الولي، والذين يعرضون الشموع، وماء الزهر، وأشرطة خضراء، ومأكولات يربطها الزوار على الأبواب والنوافذ طلباً للبركة.
فضاء الولي… بين الاعتقاد والممارسة
في قلب الموقع، يقف ضريح مولاي إدريس الأول، أحد أبرز الرموز الدينية في المغرب. يُنظر إليه باعتباره وليا صالحا، ويُعتقد أن زيارته تحمل بركات خاصة. يبدأ الدخول إليه من ساحة وقوس على طول ممر، وفي بدايته خشبة طويلة مثبتة بالعرض تضطر الزائر للانحناء قبل الدخول، وهو ما يعتبره أهالي المنطقة انحناء وتقديرا للولي الصالح يجبر الزائر على فعله قبل أن يلج فناء الضريح.
داخل الزقاق الضيق المؤدي إلى ضريح الولي، نساء ورجال يفدون من مختلف مناطق المغرب ومن خارج البلاد، بعضهم يدعو همسا، وآخرون يلمسون الجدران أو يربطون قطع قماش، في طقوس توارثتها الأجيال.
شهادات نسوية… أمل في الإنجاب
في ساحة صغيرة قبل الولوج إلى الضريح يمينا، تجمّعت نساء يتحلّقن حول امرأة مسنّة تُوجّه لهن أدعية، وفي باب الضريح، قبالة المسجد، يمينا ويسارا أشخاص يروجون أنهم أحفاد صاحب الضريح يقرؤون اللطيف والفاتحة والأدعية تبرُّكا وتيمُّنا طلبا للبركة والرزق وإزالة “العين”.
تحكي فاطمة، شابة متزوجة منذ خمس سنوات: “طرقت كل الأبواب، الأطباء والعلاجات، لكني جئت إلى هنا لأطلب البركة… ربما يكون الفرج قريباً”. ومثل فاطمة، تقول فريدة، التي ولجت الضريح والتقت شاباً ممن يدعون للوافدين. سألته عن غرض قدومها إلى المكان لأكثر من خمس دقائق. بعدها تحولا معا إلى مدخل باب الضريح يسارا، فالتحق بهم رجال يدعون للزائرين ويبتهلون للوافدين.
وضعت السيدة ذات الثلاثين ربيعا، ذات الشعر الأشقر، قماشا على رأسها، وهي ترتدي “عباءة”، وبين يديها قارورتان من ماء معدني، وقارورة “ماء الزهر”. شرع الشاب ذو الجلباب الأبيض في قراءة الفاتحة، وبعدها قراءة اللطيف “يا لطيف يا لطيف” لأكثر من 21 مرة، ثم الدعاء لها بما نَوتْه وهي قادمة إلى “مكان الشرفاء تَلتمِس البركة”. بعدها دعا أدعية لأخيها، وأمطرها بأدعية بحضور من يرددون معه، في مدة تجاوزت العشر دقائق، ليختم بقوله: “الله يقبل العمل ويجبر النية ويقضي الأغراض”.
إلى جانب ذلك، امرأة في الأربعين من عمرها تتحدث بصوتٍ جهوري عند مدخل الضريح: “جئت من خنيفرة. قيل لي إن الدعاء هنا مستجاب، وأنا أرجو أن يرزقني الله بالذرية. نحن لا نعبد المكان، بل نتوسل إلى الله عبر أوليائه… هكذا وجدنا أمهاتنا يفعلن”. شهادات تعكس حضورا قويا لمعتقدات شعبية متجذرة، حيث يمتزج الديني بالثقافي، والروحي بالاجتماعي، في فضاء واحد.
بين الإيمان والتساؤل
رغم الإقبال الكبير، يطرح هذا المشهد تساؤلات حول حدود الاعتقاد وموقعه بين الدين والتقاليد. فبين من يرى في هذه الممارسات تعبيرا عن الإيمان الشعبي، ومن ينتقدها باعتبارها خروجا عن العقيدة، تبقى مولاي إدريس زرهون فضاء مفتوحا لكل التأويلات.
ومع غروب شمس الجمعة الماضي، تخف الحركة تدريجيا، لكن الدعوات لا تنقطع. يغادر البعض وقد امتلأ بالأمل، فيما يعود آخرون بخيبة صامتة، على أمل زيارة جديدة. في ضريح مولاي إدريس زرهون لا تُقاس الرحلة بالكيلومترات، بل بحجم الإيمان الذي يحمله الزائر، وبالأسئلة التي قد يعود بها.
.jpg)
منذ 1 يوم
2







