موقع “لكم” في رحلة إلى “رئة أوروبا” بأقصى شمال روسيا.. بين غابات وجزر عمرها مليارات السنوات (صور)

منذ 3 سنوات 26
ARTICLE AD BOX

“ﯕرِيـﭙـي! ﯕرِيـﭙـي!” خاطبني جُورَا مؤكدا عليّ بالاستمرار في التجديف دون توقف، كيلا تزيحنا الرياح الجنوبية عن مسارنا، وبالفعل كادت قوتها أن تتمكن منا، في حين أن رفاقنا الستة بدأوا في الابتعاد عنا شيئا فشيئا، حتى أن زورق القائد إيفان رفقة يانا كاد أن يتلاشى عن الأنظار بين الضباب، بينما زورق دانيال وناستيا، الذي تقدم علينا بأمتار قليلة، بدا وكأنه ينزاح بعيدا عن مساره بين الفينة والأخرى. إذا كنت من طينة المستكشفين الذين يجدون المتعة في شق منظومة مائية متشعبة وسط الليالي البيضاء وطقس متمرد صيفا، من أجل بلوغ أماكن بديعة صاغتها حكمة الخالق، فإن كاريليا هي ظالتك حتماً.

نحو الدائرة الشمالية

عند السادسة مساء بمحطة القطار في موسكو كنت مع يانا، زميلتي في جامعة مُورْدوفْيا،على موعد مع قائد الرحلة إيفان ديمينتيِفسكي، وهو أشهر مصور فوتوغرافي للحياة البرية في روسيا، ما فتئ يذهب إلى كاريليا كل صيف، منذ أن حل بها أول مرة عام 1997 ووقع في حبها؛ هذا بالضبط ما أخبرني به بينما نحن مجتمعون حول النار قبيل الشروق الأول الذي سيطل علينا على شاطئ بحيرة بَيارْسكي.

بعد ساعتين أنطلق بنا قطار المسافات البعيدة من موسكو، كان متجها نحو مورمانسك الواقعة في أقصى شمال البر الروسي، وهي مدينة مطلة على بحر بارنتس الذي تتجمد ثلاثة أرباع مياهه في فصل الشتاء، لكن وجهتنا كانت قبل ذلك بمسافات، بالضبط نحو منطقة لوخي المحاطة هي الأخرى بالدائرة القطبية الشمالية.

القى بنا القطار في أومبارني في محطة شبه مهجورة، وعلى بعد عشرات الأمتار عن السكة الحديدية لمحنا ضوء مصباح يدوي يشيرفي اتجاهنا بشفرة مورس غير مُتقنة، حيث كان في انتظارنا رجل خمسيني تَرجّل من شاحنة صغيرة ذات طراز سوفييتي قديم. فجأة يحمل إيفان واحدة من الحقائب الثقيلة التي تحوي الزاد والقوارب المطاطية القابلة للنفخ، وانطلق بخطى مسرعة شاقا طريقة بين الحشائش والأعشاب الطويلة، ثم اقتدينا به. وصلنا إلى شاطئ البحيرة بعدما سارت بنا المركبة بضع كيلومترات على طريق غير مُعبدة في قلب الغابة.

خِلْتُ أننا سوف نقضي ليلتنا الأولى هناك، لكن سرعان ما اتضح لي أنني كنت مخطئا، حينها كانت عقارب الساعة تدنوا من منتصف الليل عندما شرعنا في نفخ الزوارق الأربعة، كي نبحر بها نحو يابسة أخرى على بعد كيلومترين ونصف الكيلومتر تقريبا.

حسنا، فساحرية الليل الأبيض تُدهش من شاهده لأول مرة؛ فهناك في شمال كاريليا لم يكن الزمن الفاصل بين غروب الشمس وشروقها يتعدى 4 ساعات، وبالتالي فالظلام هنا لا يُرخي سدوله، فالضوء المنبلج من السماء يجعلك تكاد تُبصر بوضوح انعكاس الأشجار على سطح البحيرة، شأنها كشأن الغيوم بل وحتى خطوط السُحب الرفيعة. هكذا الحال في الصيف، بينما في الخريف كما الشتاء تتوهج سماء كاريليا بلوني الشفق القطبي الأخضر الخافت والأحمر، فإذا أنت من المحظوظين سوف تحظى ضمن قلة من الناس بفرصة مشاهدة الأضواء الشمالية الناتجة عن تفاعل الرياح الشمسية مع المجال المغناطيسي للأرض.

رئة كالسجادة المُرقّعة

قبل أن ترحل غيوم الحرب العالمية الثانية ضم ستالين منطقة كاريليا إلى روسيا، ولم يبق حاليا بها سوى 7 في المائة الكاريليين الذين يخشون على اندثار تراثهم الثقافي الأوغوري في مواجهة الأغلبية الروسية، بالإضافة إلى أقليات بيلاروسية واوكرانية وفنلندية وفيبيسيينية يسكنون هذه الجمهورية ذاتية الحكم، التي تمتد مساحتها على ما يزيد عن 180 ألف كيلومتر مربع، إلا أن عدد سكانها انخفض إلى أقل من 604 آلاف نسمة وفقا للإحصاء الفيدرالي لعام2022. تحدّها غربا فنلندا ويُطلّ شرقها الشمالي على البحر الأبيض، بينما الجنوبي منه فتلتقي حدوده مع أوبلاست أرخانجيلسك، وفي الجنوب مُحافظتا فولوغدا وليننغراد، وعلى شمالها تقع أوبلاست مورمانسك .

خَلّف العصر الجليدي مناظر طبيعية خلابة، على مر سنوات الماضي السحيق استمرت حركة المياه التي نجمت عن انحسار الجليد في نحت حواف بحيرات كاريليا، حيث تنتصب صخور شاهقة ملساء سوداء تزينها بقع بيضاء. في الحقيقة تبدو كاريليا مثل السجادة المُرَقعة ببحيراتها العذبة التي تُعد بعشرات الآلاف، إذ تكفي مياهها لري عطش أوروبا التي حدق بها هذا الصيف جفاف غير مسبوق.

على مدِّ البصر تمتد في شموخ وبكثافة الغابات الصنوبرية البدائية، كما تنتشر بها المروج والمستنقعات وبساتين البتولا، لذلك لا عجب أن تلقب كاريليا بـ “رئة أوروبا”. هي بالفعل ليست غابات الصنف الواحد كما يبدو لأول وهلة، اذ تتشابه أشجار الصنوبر مع التنوب، فهذه الأخيرة تنمو كما المثلث، وهي أيضا دائمة الخضرة بأوراقها الإبرية شأنها كشأن أشجار الصنوبر التي تنمو على شكل مخروطي، جنبا إلى جنب مع أشجار التايغا والأرز. لقد احتاجت الأرض أكثر من 4 مليارات السنين لتُنبت الأشجار، إذ تعتبر الشجرة في سلسلة الحياة معجزة من معجزات الخلق، فهي منحوتة حية تتحدى الجاذبية الأرضية باعتبارها العنصر الطبيعي الوحيد الذي ينمو إلى الأعلى ويشمخ بتأنٍ في اتجاه الشمس لتغذي أوراقها.

لا بد أن تسمع قصص رعب حول بعوض بحجم العصافير في مستنقعات كاريليا، حيث يشتد هجوم مصاصات الدماء هذه في موسم ازدهار ونضوج التوت السحابي، أو “ماروشْكا” بالروسية، الذي لا تنمو شجيراته الناذرة سوى في الأراضي الرطبة من شمال البلاد، وهو مفيد لتقوية المناعة ضد المناخ الشمالي الصعب. صحيح أن مذاقه الذيذ لا يقاوم، لكن قطفه ذلك المساء ما قبل الأخير على طرف بحيرة بيرتوزيرو جعلني هدفًا للدغات تسببت في نتوؤات مؤلمة، استمرت معي أثارها أياما عديدة بعد العودة إلى مدينة سَرانسك حيث أعيش، والتي تبعد عن العاصمة موسكو بـ 642 كلم.

منحوتات العصر البدائي 

استيقظت في اليوم الأول عند وقت الضحى على صوت حبّات المطر الخفيفة التي كانت تلامس خيمتي المنصوبة بين شجيرات محاذية للشّاطئ الرّملي، وإذا بـإفان ينادي عليّ لتناول الفطور، كان قد أعد لنا وجبة من الفطر، “هذا هو خبر الغابة، والروس يحبونه كثيرا” يحدثني إيفان كذلك عن حساء “أوخا” الذي يتم إعداده من أنواع مختلفة من الأسماك، وعادة ما يحتوي على مزيج من قطع من الخضراوات المُتبلة بالفلفل الأسود والزعفران وجوزة الطيب وبذور الشمر.
انطلقنا بعدها في رحلة تدريبية لاكتشاف أرخبيل مُدهش في قلب بحيرة بَيارْسكي المترامية الأطراف، غير أنها لا تماثل في شساعتها بحيرة أونيجا، فهذه الأخيرة تشكل حوضا هيدروغرافيا مساحته 83200 كيلومتر مربع، يقع في الجنوب الشرقي من كاريليا بينما تمتد أجزاء صغيرة منه إلى لينينغراد أوبلاست وفولوغدا أوبلاست.

استقرّ بنا المقام هناك ليلة ثانية، وفي الصباح حزمنا الأمتعة ووضعناها على زوارق الكاياك للإبحار بعيدا. كانت السماء صافية جزئيا، وعلى الرغم من ذلك لا يمكن أن تثق بطقس كاريليا، اذ تقلبت السماء بالغيوم فجأة، لكن سرعان ما اخترقتها خيوط الشمس لتشعرنا بالدفء والأمان. كان في المقدمة كما العادة إيفان مع يانا، يليهما إيفان كازَلوفْسْكي رفقة زوجته كْسينْيا، ثم دانييل وناستيا، وأخيرا أنا وجورا، وهو شاب في 35 من عمره متخصص في هندسة السكك الحديدية.

بين حين وآخر كان إيفان يأمر باستراحة قصيرة وسط المياه، وما يكاد زورقنا يلتحق بالركب لبرهة حتى ينطلق القائد بالتجديف. كنا لا نزال في نفس البحيرة، لكن طرفي الغابة يبدوان على مقربة منا يمينا وشمالا، ما يعني أننا وسط مضيق طويل يوجد به واد جارف.

في البدء أبحرنا جنوبا ثم انعطفنا شرقا، قطعنا حوالي 6 كيلومترات، لكن ليس على نحو متواصل، فقد توقفنا عند ذلك الواد الذي يخترق أكواما من الصخور المُتفلقة وأخرى فُتاتية، التي تُؤرّخ للحقب الجيولوجية البدائية، شأنها كشأن صخور سوداء بركانية مثقبة، تلك التي تصعد بجزئها العلوي إلى سطح الماء.
“انظر! أعتقد أنه حدث هنا منذ ملايين السنين انفجار بركاني هائل” يقول جورا بينما نعبر بمحاذاة صخرة شديدة السواد. في كاريليا مازال العلماء يكتشفون البراكين التي لم يبق منها أي أثر تقريبا، حيث تشكلت منذ 1.5 مليار إلى 3 مليارات السنين، أشهرها بركان غيرفاس الذي اكتشف في ستينيات القرن الماضي.

نذير رياح الجنوب 

دنت شمس الأصيل وقد وصلنا إلى جزيرة يتيمة لا يتعدى سطحها هكتارا ونصف، إذ كانت بمثابة بوابة عبور بحيرة كُوليجما. أقمنا مخيمنا على الجزيرة ليلة واحدة، على الرغم من أن المناظر حولها كانت تُغري بالبقاء لفترة أطول، فهي منحوتة بديعة ومعظم حدودها عبارة عن سفوح صخرية ليست شديدة الانحدار، إلا أن نداء استكشاف ما وراء ذلك المكان كان شديد الإلحاح.

بُعيْد ظهيرة اليوم الثالث انطلقنا لعبور البحيرة المذكورة لكننا لم نقم مخيمناعلى أي من شواطئها غير الصخرية وغير الرملية، إذ كانت الوجهة نحو بحيرة بيرتوزيرو. كانت السماء ونحن نهم بالانطلاق لا تبشر بيوم صحو، فسرعان ما أعلن الطقس تمرده، وبينما نحن في خضم الماء هاجت الأمواج التي أزاحت الزورق عن مساره مرات عديدة، حتى أن المسافة ذلك اليوم كانت هي الأطول، إذ قطعنا أكثر من 9 كيلومترات لكي نصل إلى الخليج الواقع غرب البحيرة الثالثة. هناك في غابة يحيط بها الماء من ثلاث جوانب أقمنا ليلتين بالتمام والكمال، وما كدنا أن نصل ونستقر، حتى انذرتنا الرياح الجنوبية بليلة عاصفة ممطرة.

في اليوم السادس أبحرنا شمالا، وبدا كأننا نعود إلى المكان الذي جئنا منه، لكننا تجاهلنا المضيق الذي يربط بين البحيرة الثانية كوليجما والبحيرة الثالثة بيرتوزيرو، ثم عبرنا في اتجاه خط مستقيم. على الرغم من أن ذلك اليوم كان أشد مطرا وبدت الأمواج كأنها على وشك أن تقلب زورقنا، لكنها كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بأنني أجدف بطريقة صحيحة، إلى أن وصلنا إلى شاطئ رملي يبعد 5 كيلومترات تقريبا عن محطة القطار أومبارني.

لطالما وضع السياح الروس والأجانب نصب أعينهم الاستجمام في أراضي كاريليا، والغاية لا تكمن فقط في طبيعتها البكر وغاباتها التي تغطي 70 في المائة من أراضيها، بل إن الموسم السياحي في هذه الجمهورية الروسية، التي تعادل مساحتها اليونان أو مولدوفا، لا يقتصر فقط على شهور الصيف الثلاثة، بل إن عشاق السفر الهادئ يقصدونها حتى في أبرد شهور السنة.

ـ ـ ـ

[1]. الفيبيس هم شعب صغير ينتمون إلى مجموعة اللغة الفنلندية، موطنهم التقليدي في كاريليا وفولوغدا ولينينغراد في روسيا.

[1]. تقع كيانات الاتحاد الروسي ضمن 6 أنواع، بما في ذلك 22 جمهورية  تتمتع بحكم ذاتي ولها دستورها ورئيسها وبرلمانها ويفترض أن تكون موطنا لأقلية عرقية معينة. و46 أوبلاست وهي أكثر الكيانات شيوعا، يتم تعيين حاكمها من طرف السلطات الفدرالية أما مجلس تشريعها فينتخب محليا، كما يوجد أوبلاست واحد مستقل ذاتيا (آفتونومانيا أوبلاست). بالإضافة إلى 9 كرايات (مفردها كراي) وتشبه الأوبلاست إلا أنها في المعتاد نائية وأقل سكانا. وهناك 4 مناطق مستقلة ذاتيا (أفتونومني أوكروجا) وهي أكثر استقلالا من الأوبلاست ولكن أقل من الجمهورية وفي المعتاد بها نسبة عالية من السكان الذين ينتمون إلى أقلية عرقية. وأخيرا 6 مدن اتحادية وهي مدن كبرى تتصرف كمناطق منفصلة تحت إشراف السلطات الاتحادية وأشهرها سانت بطرسبرغ.

المصدر