من أجل قطيعة مع “نضال المراوحة” واستعادة هوية الأستاذ الباحث

منذ 2 أشهر 5
ARTICLE AD BOX

محمد طلبي

من أجل قطيعة مع "نضال المراوحة" واستعادة هوية الأستاذ الباحث

الثلاثاء 17 فبراير 2026 | 15:26

لستُ بصدد إصدار بيان آخر يُضاف إلى أرشيف البيانات، ولا أكتب للتعبئة للمعركة الموالية. أكتب لأنني أرى أن ما يعيشه الأستاذ الباحث عمومًا، وباحثو مراكز تكوين الأطر على الخصوص، ليس أزمة ملفٍّ فقط، بل أزمة هوية ومنهج وتنظيم. وإذا لم نمتلك شجاعة المكاشفة، سنستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها: شعارات تتكرر، ومحطات تتعاقب، وأعذار تتبدل… والنتيجة واحدة. وما سأقوله هنا يخصّنا نحن أولًا، لأن منطق تحميل المسؤولية دائمًا للغير لم يعد مقنعًا؛ أما الجهات الوصية، فلها أن تعيد قراءاتها وسياساتها، لأن الخاسر في النهاية هو الوطن.

آراء أخرى

  •  الانتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب

  • شعلة باشلار وأخلاق العالم

  • السحر والشعوذة في ملاعب الكرة .. إفريقيا نموذجًا

لقد مرّت محطات نضالية عديدة دون نقد جدي للمنهج؛ بدءًا بما

يقع أثناء النقاش من حيث اختيار توقيت المعارك وتقدير السياق العام، مرورًا بصياغة الوثيقة النقابية ذات الأهمية البالغة. والحال أن النضال الرشيد ليس نضال ردود أفعال ولا نضال تباهٍ؛ بل هو فعل منظّم يراعي التراكم، ويُغَيِّب المصالح الضيقة، ويستحضر مصلحة المنتسبين ورُقيَّ الوطن عمومًا. ومن الأخطاء المتكررة—من هذا الطرف أو ذاك—قراءة هذه المحطات كمواعيد عابرة في “رزنامة” الاحتجاج؛ في حين أن الأصح هو استثمارها كفرصة لإعادة طرح أسئلة حقيقية للقطع مع “نضال المراوحة” من قبيل: أين الخلل؟ وما العمل؟

ولعل أول ما ينبغي الاعتراف به هو أن الخلل يبدأ منا. لقد تخلت فئات عريضة من الأساتذة الباحثين عن قيمتها الاعتبارية؛ فبدل أن يكون الباحث ذلك المثقف والمفكر الذي ينير دروب مجتمعه بفكره ومواقفه، انزلق كثيرون نحو ثقافة نفعية تغلب منطق “المستخدم” على معنى الأستاذ الباحث، حيث يُغرى البعض بفتات “الريع التربوي” مما يجعله شريكاً — بصمته — في تمييع الفعل الأكاديمي مقابل مكاسب ظرفية تُهدر قيمته العلمية. وإذا قارنا باحث اليوم بباحث الأمس، وبنظيره في دول تعطي للتعليم مكانته عبر التعامل الجدي مع التكوين والبحث، سنلاحظ انزياحًا مقلقًا يتعلق بصورة الأستاذ الباحث ودوره: تراجع حامل المعرفة والفكر والموقف، وبرزت بدل ذلك ثقافة تسعى وراء التعويضات، والشواهد الشكلية، والترقيات، والمشاركات، والبهرجة التي لا تترجم إلى أثر علمي أو تربوي. وهكذا تستنزف القوة المعنوية للنخبة، وتضعف قدرتها على تقديم بدائل إصلاحية حقيقية. وليس هذا حكمًا أخلاقيًا على الأفراد بقدر ما هو تشخيص لمنظومة تُكافئ السطحية وتُضعف الرسالة العلمية.

ثم إن مظاهر هذا الخلل لا تقف عند حدود “السلوك المهني”، بل تمتد إلى الفعل النضالي ذاته. فقد اختار كثيرون الانسحاب من الالتزام الجماعي، والتهرب من الانضباط للمقررات النقابية، بما شمل — للأسف — حتى بعض المسؤولين. وفي ملف مراكز التكوين يلمس الفاعل الميداني ذلك بجلاء؛ إذ إن بيانا تنسيقيا مفصليا صادرا عن مجلس التنسيق القطاعي للمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بتاريخ 24 أبريل 2021، لم ينضبط له إلا عدد قليل، رغم الإجماع الوطني الحاصل عليه يوم اتخاذ القرار. وحين يتكرر هذا النمط، تتحول المقررات إلى وثائق بلا قوة، وتتحول الإجماعات إلى مناسبات بلا أثر.

ومن جهة ثانية، أقنع باحثو المراكز أنفسهم —  أو أُقنعوا — بوضعية ثانوية، وغُيبت أسئلة مركزية من قبيل: أين حقوقهم في البحث داخل هياكل قانونية حقيقية للبحث العلمي؟ أين حقوقهم في التأطير؟ أين حقوقهم في المشاركة في المؤتمرات العلمية ومدارس الخبرة؟ أين هم من الاعتراف والولوج المؤسسي إلى الهيئات العلمية الدولية؟ أين هم من قواعد البيانات العلمية؟ وهل يجوز لأطر غير باحثة أن تتحكم في القرار البحثي؟ وكيف نضبط الأمور تفاديا للتمييع؟ كما غيب سؤالان مركزيان يتعلقان بالمؤسسات: ما هوية التكوين؟ وما أولويات البحث التربوي المرتبط بأزمة المدرسة المغربية؟ إن هذه الأسئلة ليست ترفًا نظريًا، بل هي جوهر المعنى المهني والاعتباري للباحث، وجوهر القدرة على الإصلاح عبر التكوين والبحث.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا يُحمَّل الأستاذ الباحث وحده المسؤولية. فبيتُنا النقابي يعاني منذ سنوات من أعطاب بنيوية: ضعف انتظام الحياة التنظيمية مع تهميش قوانين النقابة، وعدم الانضباط لمواعيد تجديد الهياكل بمختلف مستوياتها، وهشاشة الالتزام بالمقررات، والحضور الثقيل للشخصنة والذاتية القاتلة والحساسيات الحزبية داخل الفعل النقابي بما يفتت القرار ويضعف الانضباط، فضلًا عن غياب التأطير النقابي، هذا دون أن نغفل الخلل المركزي العام المتمثل في “الاستقالة البيداغوجية والعلمية”، إذ ينحصر النقاش في المسارات الإدارية والمالية، أو مجرد التحول إلى “درع” لصد الضربات الإدارية. إن الفعل النقابي فعلٌ جماعي تحكمه قوانين وأعراف؛ ولن يبلغ مبتغاه إذا سادت هذه الاختلالات، لأن الطاقة تُستهلك داخل التنظيم، فيُهزم قبل مواجهة خصمه؛ وهنا مكمن الأزمة: إنها أزمة منهج قبل أن تكون أزمة ملف.

ويزداد الأمر تعقيدًا حين ننظر إلى المجال العمومي الذي يتحرك فيه الفعل النقابي. فالأحزاب السياسية المغربية تعيش اليوم غربة عن قضايا التعليم عمومًا، وقضايا التكوين والبحث العلمي خصوصًا. ويزداد هذا الوضع غرابة حين تكون القوى المؤثرة داخل الحقل النقابي حريصة على الحضور في ميزان التمثيل، لكنها غائبة عن المبادرة والترافع وبناء الرؤية فيما يخص التعليم العالي؛ وهو تناقض صارخ يميز جزءًا من الفعل السياسي والنقابي في هذا الملف.

وفي المقابل، تُسجَّل تدخلات نقابات التعليم المدرسي في ملفات تخص مؤسسات هي من حيث الوظيفة والرهان مؤسسات تعليم عالٍ، بما يخلق تداخلًا في الاختصاصات ويُسهم في ضرب الهوية الأكاديمية للمراكز بدل الدفاع عنها. ويضاف إلى ذلك أن بعض هذه التدخلات أسهم في بلقنة المشهد التكويني داخل المراكز، سواء بالصمت عن ملف المكلفين، أو بالتأثير فيه، أو بالمساهمة في إحداث صيغ هجينة ستنتج متاعب إضافية لمنظومة متعبة أصلا، في حين أن الأصل هو احترام الاختصاصات النقابية، وأن التكامل النقابي شرط لفعل نقابي ناضج.

كما لا يمكن أن نغفل طعنات “البلقنة” التي أصابت الجسد النقابي. فقد شهدنا إنشقاقاً داخل نقابة الباحثين منذ أكثر من عقد، دون أثر نضالي يوازي حجم المسؤولية، وبخاصة داخل مراكز التكوين حيث كان الأداء باهتا، وصار ذلك عند البعض مفرا من تحمل أعباء المعركة. ثم إن التغاضي عن تأسيس صيغ نقابية داخل مراكز التكوين — وتغليب الحزبية الضيقة مرة أخرى — أدخل النقابة الأصل في معركة استنزاف مستمرة، حين انتهى الأمر إلى تنسيق ميداني بين هذه الصيغ المستحدثة والنقابة الخصم. وكانت النتيجة تداخلا تمثيليا أضاف مبررات جديدة للبلقنة النقابية، وأضعف وحدة القرار.

ويبقى خلل السياسات العمومية عنصرًا حاسمًا في فهم ما جرى. فالمتتبع لمسار هذه المؤسسات منذ مرسوم 2011 يلاحظ تراجعًا في تموقعها داخل منظومة التعليم العالي، وفي استقلالية القرار البيداغوجي والعلمي، وفي شروط البحث وأدواته وفضاءاته. كما يرصد نهج الوزارة الوصية سياسة “الردة القانونية” عبر ميل متزايد إلى تدبير الملفات بواسطة مذكرات استعجالية بدل احترام مقتضيات القانون وروحه، وإفراغ الهياكل من صلاحياتها لتصبح آليات تصديق لا غير. ومادامت القوة الضاغطة ضعيفة والمعنى المؤسسي مُلتبسًا، سيستمر هذا التفريغ.

إذا كان الخلل متعدد المستويات، فالحل يجب أن يكون كذلك. نحتاج أولا إلى استعادة المعنى الاعتباري للأستاذ الباحث: ليس الباحث عن شواهد شكلية، ولا عن ملفات ترق، ولا عن تعويضات، ولا عن مشاركات فارغة، بل الأستاذ الباحث باعتباره منتج معرفة، وخبيرا عموميا، تُقاس قيمته بالأثر في البحث والتكوين والتأطير والنقاش العمومي. ونحتاج ثانيا إلى إصلاح تنظيمي يوقف الاستنزاف: احترام القوانين الداخلية، وتجديد الهياكل في وقتها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والقطع مع الشخصنة والبلوكاجات، وفصل الوظيفة النقابية عن التنافس الحزبي حين يتحول إلى عامل شلل. ونحتاج ثالثا إلى توحيد المطلب المركزي وضبط أدوات الضغط: بدل لوائح متشعبة تُشتت القوة، نتمسك بعنوان واضح هو «إلحاق مراكز تكوين الأطر بالجامعات» بوصفه مدخلًا لإعادة التموضع داخل منظومة التعليم العالي، لأنه يفتح باب الاستقلالية البيداغوجية والمالية، ويوفر هياكل البحث، ويستعيد للهياكل أدوارها، ويمكّن الباحث من حقوقه الأساسية في التأطير والنشر والولوج المؤسسي إلى الشبكات العلمية وقواعد البيانات، والمشاركة في الفضاءات العلمية الدولية. ونحتاج رابعا إلى كتلة وطنية منضبطة ترفع كلفة التجاهل: نضال متدرج متراكم، يتبعه تتبع ومساءلة ومؤشرات قياس بعد كل محطة. ونحتاج خامسا إلى قطيعة مع الصورية، وإلى رفض تبييض القرارات: لا مشاركة في هياكل أو لجان أو اجتماعات تُستعمل لتسويق قرارات جاهزة، ولا مشاركة دون محاضر واضحة، والتزامات مكتوبة، ومخرجات قابلة للتتبع. وأخيرا، نحتاج إلى آلية جامعة تُخرج النقاش من التشتت: ندوة وطنية ملزمة بالمخرجات حول مؤسسات تكوين الأطر تجيب عن سؤال التنظيم والنموذج التكويني وأولويات البحث التربوي المرتبطة بأزمة المدرسة المغربية.

إن أساس مشكلتنا ليس في قوة الوزارة الوصية، بل في عجزنا عن تحويل عدالة قضيتنا إلى قوة، وأعدادنا إلى كتلة، وموقعنا العلمي إلى نفوذ إصلاحي. فإما أن نغير أنفسنا ونصوغ ميثاق شرف نلتزم به جماعيا، أو سنظل نكرر الكلام نفسه الذي قيل لأكثر من عقد، ونورث الأزمة لعقد آخر؛ فيستمر ضياع حقوقنا، ومعه ضياع حقوق أجيال متوالية في تعليم يليق بها وبهذا الوطن.

المصدر