ملامح نهج متكامل لمكافحة الفساد في المغرب

منذ 6 أشهر 17
ARTICLE AD BOX

يعد الفساد أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكامة في المغرب، لما له من تأثير سلبي على ثقة المواطنين في الدولة وإضعاف قدرة المؤسسات على تقديم خدمات عامة ذات جودة عالية. ومنذ دستور 2011، أدرك المغرب أن مكافحة الفساد تتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين الرقابة المؤسسية، القضاء الفعّال، والمشاركة المواطِنة.

آراء أخرى

  • حِينَ تُخْتَبَرُ الْفِكْرَةُ فِي مِحْرَابِ السُّلْطَةِ

  • كم عدد الأصوات يحتاجه مجلس الأمن للمصادقة على قرار في نزاع الصحراء يؤكد سيادة المغرب ويرسِّخُ الحكم الذاتي حلاًّ

  • التشيع السياسي في المغرب: قراءة نقدية في مقال محمد قنفودي

الهيئة الوطنية للنزاهة: المحور المركزي لمنظومة النزاهة

تُعد الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها (INPPLC) العمود الفقري للمنظومة الوطنية لمكافحة الفساد، وتضطلع بعدة مهام أساسية:

1. تنسيق جهود المؤسسات المختلفة المعنية بالنزاهة.

2. تقييم السياسات العمومية واقتراح الإصلاحات.

3. تقديم التوصيات القانونية والمؤسساتية لضمان الحكامة الرشيدة.

4. معالجة الشكايات والتبليغات والتحري وتحريك المتابعات.

نجاح الهيئة يعتمد على قدرتها في جسْر الفجوة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني وتحويل نتائج الرقابة والتبليغ إلى قرارات فعلية وإصلاحات ملموسة.

المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية: الرقابة القضائية والإدارية

• يعد كل من المجلس الأعلى للحسابات ركائز المنظومة الوطنية للنزاهة وحماية المال العام.

• المجلس الأعلى للحسابات يمارس الرقابة القضائية ويفحص أخلاقيات تدبير الموارد العامة، مساهماً بذلك في الوقاية من الفساد وردعه، سواء تأديبيا أو من خلال الإحالة على القضاء الجنائي.

• أما المفتشية العامة للمالية فرديا أو بالتنسيق مع المفتشيات العامة للوزارات فتمارس رقابة إدارية داخلية للوقاية من الاختلالات المالية والإدارية وكشف المخالفات والجرائم وإحالتها على التوالي على المجلس الأعلى للحسابات والقضاء الجنائي.

التحدي يكمن في تعزيز التنسيق بين هذه المؤسسات والهيئة الوطنية للنزاهة لضمان انسجام السياسات وتوحيد الجهود ضد الفساد، وتفادي الجهد المكرر وهدر الطاقات.

السلطة القضائية والتبليغ عن الفساد وزجره

يكتسب القضاء أهمية كبيرة في متابعة وتطبيق القانون، خاصة مع إطلاق المنصة الوطنية للتبليغ عن الفساد، التي تسمح للمواطنين بالإبلاغ عن لأفعال الرشوة بطريقة آمنة وسرية.

كما يعكس التعاون القائم بين الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات التزام المؤسسات القضائية والرقابية بـ تفعيل التنسيق بين القضاء والرقابة المالية القضائية والإدارية لضمان فعالية الردع.

المجتمع المدني والمواطنون: الرقابة الموازية ومساءلة المؤسسات

يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في تعزيز الشفافية، ومن أبرز الفاعلين:

• ترانسبارنسي المغرب: تعنى بالبحث، التوعية، والمرافعة من أجل الشفافية ومكافحة الفساد.

• الجمعية المغربية لحماية المال العام: تتابع ملفات الفساد وتدافع عن حماية الأموال العمومية وترفع الصوت من أجل ذلك.

كما يصبح المواطن عنصراً فعالاً من خلال:

1. التبليغ عن أفعال الفساد عبر المنصة الرسمية والقنوات القانونية.

2. متابعة تنفيذ توصيات الرقابة ورصد التزام الدولة والمؤسسات بالمعايير المطلوبة.

3. تقييم فعالية السياسات العمومية في تحسين جودة الخدمات وحماية المال العام.

4. الضغط لضمان مزيد من الشفافية والمساءلة عبر الإعلام والفعاليات المدنية.

هذا الدور يجعل المواطن شريكاً حقيقياً في منظومة النزاهة الوطنية.

الإرادة السياسية: المحرك الأساس للنجاح

تظل الإرادة السياسية القوية والمستدامة شرطاً أساسياً لتحويل السياسات إلى واقع ملموس، فهي تضمن:

• استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية؛

• توفير الموارد البشرية والمالية اللازمة؛

• حماية المبلغين والصحفيين والفاعلين المدنيين؛

• دعم التنسيق بين مختلف المؤسسات وتحقيق فعالية الأداء الحكومي.

ختاما

يمتلك المغرب اليوم إطاراً مؤسساتياً وقانونياً متكاملاً لمحاربة الفساد، يضم الهيئة الوطنية للنزاهة، المجلس الأعلى للحسابات، المفتشية العامة للمالية، القضاء، المجتمع المدني والمواطنين.

لكن التحدي الحقيقي كان يكمن في تفعيل التنسيق المؤسسي، تعزيز المشاركة المواطِنة، وضمان إرادة سياسية صادقة ومستدامة. ولعل من حسن الطالع أن ما ظهرت ملامح واعدة لرفع هذا التحدي من خلال إجراءات تنسيقية ورسائل إعلامية ورمزية في الأسابيع والأيام الأخيرة.

إن نجاح هذه المنظومة سيؤدي إلى بناء ثقافة وطنية للشفافية والمساءلة، وتحويل مكافحة الفساد من شعار إلى ممارسة يومية، تؤدي إلى تحسين الخدمات العامة، حماية المال العام، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.

المصدر