مديونية المغرب الخارجية تتعمّق في 2025: قروض اليوم بأعباء مؤجلة على أجيال الغد

منذ 3 أشهر 36
ARTICLE AD BOX

مديونية المغرب الخارجية تتعمّق في 2025: قروض اليوم بأعباء مؤجلة على أجيال الغد

خالد بوفريوا

الأربعاء 21 يناير 2026 | 22:14

لم تعد المديونية الخارجية للمغرب، مع نهاية 2025 وبداية 2026، مجرد مؤشر مالي يُتداول في تقارير رسمية أو تقييمات مؤسسات دولية، بل باتت عاملاً ضاغطاً على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، ورهاناً طويل الأمد تُحمَّل كلفته للأجيال المقبلة، في سياق دولي يتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتقلب الأسواق المالية.

فجميع القروض الخارجية التي عبّأتها المملكة خلال 2025 تمتد آجال سدادها إلى ما بين 2040 و2050، ما يعني أن أجيالاً لم تستفد مباشرة من هذه الموارد ستتحمل عبء سدادها. ويطرح ذلك، وفق محللين، سؤالاً مركزياً حول جدوى هذا الدين، ومن يجني ثماره، ولماذا يظل أثره محدوداً على مستويات العيش والنمو.

دين خارجي في مسار تصاعدي

وفق التقرير السنوي للمديونية العمومية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2026، ارتفع الدين الخارجي العمومي من نحو 468.2 مليار درهم بنهاية 2024 إلى حوالي 510 مليارات درهم بحلول منتصف 2025، أي ما يعادل أكثر من 50 مليار دولار. وتشير تقديرات تحليلية أخرى، تأخذ بعين الاعتبار ديون المؤسسات العمومية والالتزامات شبه السيادية، إلى أن إجمالي الدين الخارجي يقترب من 60 مليار دولار، أي نحو 45 إلى 47 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.

وخلال 2025، كثفت الحكومة لجوءها إلى التمويل الخارجي، فعبأت نحو 1.77 مليار دولار من البنك الدولي في شكل قروض لدعم الميزانية والإصلاحات الاجتماعية، وأكثر من 430 مليون دولار من البنك الإفريقي للتنمية لتمويل مشاريع بنيوية وفلاحية، إضافة إلى سحب 496 مليون دولار من آلية المرونة والاستدامة التابعة لصندوق النقد الدولي. كما وقّع المغرب خط ائتمان مرن بقيمة 4.5 مليارات دولار مع الصندوق، قُدّم كإطار وقائي لتعزيز الثقة.

ورغم تصنيف بعض هذه الأدوات كتمويلات احترازية، يرى خبراء أن تراكمها يعكس هشاشة بنيوية في التوازنات المالية واعتماداً متزايداً على الخارج كصمام أمان دائم، في وقت ترتفع فيه كلفة الاقتراض بفعل تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا.

كلفة الدين والقرار السيادي

لا يكمن التحدي، وفق محللين، في حجم الدين وحده، بل في كلفة خدمته. فقد قُدّرت مدفوعات خدمة الدين الخارجي خلال 2025 بأكثر من 70 مليار درهم سنوياً، وهو مبلغ يعادل تقريباً ميزانيات استثمار عدة قطاعات اجتماعية مجتمعة.

ويرى مراقبون أن جزءاً مهماً من القروض المعبأة خلال السنة كان مشروطاً بإصلاحات هيكلية، تشمل ضبط نفقات الدعم، وإصلاح أنظمة التقاعد، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، والتحكم في كتلة الأجور. ورغم تقديم هذه الإجراءات تحت عناوين “الاستدامة المالية” و“الإصلاح”، فإن أثرها العملي، بحسب اقتصاديين، يطال أساساً الطبقات المتوسطة والفقيرة، في ظل نمو اقتصادي لا يزال محدوداً وغير كافٍ لامتصاص الصدمات.

ويشير هؤلاء إلى أن هذا الوضع يحدّ من هامش القرار السيادي في السياسات العمومية، إذ تصبح أولويات الميزانية مرتبطة بدرجة كبيرة بمتطلبات الدائنين وأسواق التمويل.

إعادة تدوير الدين وأعباء مؤجلة

تؤكد الحكومة أن مستوى المديونية “متحكم فيه” و“قابل للاستدامة”، غير أن بيانات 2025 تظهر، بحسب محللين، أن هذا التحكم يتم أساساً عبر إعادة التمويل والاقتراض الجديد، لا عبر خلق ثروة إنتاجية قادرة على تقليص الاعتماد على الخارج.

ويقول الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي إن المديونية لم تعد أداة ظرفية لمواجهة أزمات طارئة، بل تحولت إلى خيار بنيوي دائم لتمويل نفقات الدولة، في ظل نظام جبائي لا يغطي سوى نحو 60 بالمائة من حاجيات الميزانية. ووفق تحليله، فإن ما يقارب 90 بالمائة من القروض الجديدة يُوجَّه عملياً لتسديد التزامات قديمة، ما يُدخل المالية العمومية في حلقة مفرغة من الاقتراض لخدمة الدين.

ويرى خبراء أن الخطر الأكبر يتمثل في نقل عبء هذه الكلفة إلى المستقبل. فكل درهم يُخصص غداً لسداد فوائد قرض قديم هو درهم يُقتطع من الاستثمار في التعليم أو الصحة أو التشغيل. ومع غياب توظيف واسع للقروض في مشاريع إنتاجية مولدة للثروة، تجد الأجيال المقبلة نفسها أمام اقتصاد مثقل بالديون، ونمو محدود، وخدمات عمومية أضعف.

وبذلك، لم تعد المديونية الخارجية، في نظر محللين، مسألة تقنية أو محاسبية فحسب، بل أداة لإعادة توزيع الكلفة زمنياً، حيث يُؤجَّل ثمن الخيارات الاقتصادية الحالية إلى أجيال لم تشارك في اتخاذها، لكنها ستُجبر على تسديدها، مع فوائدها.

المصدر