مدارس الفرصة الثانية “الجيل الجديد”.. رهان حكومي لتقليص هدر مدرسي متفاقم

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

مدارس الفرصة الثانية “الجيل الجديد”.. رهان حكومي لتقليص هدر مدرسي متفاقم

الخميس 02 يوليو 2026 | 10:06

يغادر نحو 300 ألف شاب وشابة مقاعد الدراسة سنويا في المغرب قبل استكمال مسارهم التعليمي. وبالنسبة إلى جزء كبير منهم، لا يمثل هذا الانقطاع مجرد توقف عابر عن الدراسة، بل يشكل بداية مرحلة من البطالة والهشاشة والابتعاد الطويل عن سوق الشغل. وفي مواجهة هذا التحدي، برزت مدارس الفرصة الثانية تدريجيا باعتبارها إحدى أهم آليات إعادة الإدماج. غير أن السؤال المطروح اليوم هو: كيف يمكن تحويل هذا النموذج المتبنى منذ الحكومة السابقة إلى سياسة عمومية قادرة على التصدي بشكل مستدام لظاهرة الهدر المدرسي؟

إذ كل سنة، يغادر مئات الآلاف من الشباب المؤسسات التعليمية قبل إنهاء تكوينهم، وهو معطى يؤرق النظام التربوي المغربي. وإذا كان بعضهم يتمكن من العودة إلى الدراسة لاحقا، فإن كثيرين يدخلون في دوامة من الإقصاء عن التعليم والتكوين وسوق الشغل، بل وحتى عن المؤسسات الاجتماعية. وما تزال هذه الظاهرة مقلقة في المغرب، حيث يغادر حوالي 300 ألف تلميذ الدراسة مبكرا كل عام، مما يساهم في تضخم فئة تُقدر بحوالي 1.7 مليون شاب لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين (NEET)، وهي الفئة التي تمثل نحو 29.3% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة.

ولا تقتصر خطورة الظاهرة على الأرقام الصماء، بل تطرح إشكالية أعمق تتعلق بإدماج الأجيال الجديدة في المجتمع والاقتصاد؛ إذ لم يعد الهدر المدرسي مجرد قضية تربوية محضة، بل تحول إلى تحد اقتصادي واجتماعي ومجالي، فغياب المؤهلات يقلص فرص الولوج إلى سوق الشغل، ويزيد من احتمالات الفقر والإقصاء. وفي هذا السياق، يؤكد باحثون في دراسة حديثة أصدرها “مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد” بعنوان “ما وراء الأرقام: تحويل مدارس الفرصة الثانية إلى رافعة بنيوية لإدماج شباب NEET في المغرب”، أن آثار الهدر المدرسي تمتد لتلقي بظلالها على المسارات الحياتية للأفراد، متمخضة عن أبرز رهانات السياسات العمومية في مجال الإدماج.

وبحسب خطابات الوزارة الوصية، لا تقتصر مهمة مدارس الفرصة الثانية على تعويض التعلمات الضائعة، بل تقدم للشباب المنقطعين عن الدراسة مواكبة شاملة تجمع بين التعليم، وتنمية المهارات الشخصية، والدعم النفسي والاجتماعي، والتوجيه، والإعداد للاندماج المهني. فالغاية لم تعد نقل المعارف فحسب، وإنما تمكين المستفيدين من إعادة بناء مشروعهم الشخصي والمهني واستعادة ثقتهم بأنفسهم.

وبعدما كانت مجرد تجربة محدودة، أضحت مدارس الفرصة الثانية اليوم إحدى الركائز الأساسية لمكافحة الهدر المدرسي. فخلال سنة 2025، استفاد من هذا البرنامج أكثر من 20 ألف شاب، بفضل شبكة تضم 281 جمعية شريكة، يعمل ضمنها نحو 1500 مربٍّ ومكون ومؤطر موزعين على مختلف جهات المملكة. وتستقبل هذه المراكز فئات هشة، من بينها الشباب المنقطعون عن الدراسة، والأطفال في وضعية شارع، والأشخاص في وضعية إعاقة، إضافة إلى الشباب المهاجرين.

أما النتائج، فتبدو لافتة للنظر؛ إذ سجل برنامج “الجيل الجديد”، الموجه للفئة العمرية بين 14 و20 سنة، نسبة إدماج بلغت 81%. ويتوزع هذا الإدماج بين 29% عادوا إلى مقاعد الدراسة، و20% التحقوا بالتكوين المهني، و32% ولجوا مباشرة إلى سوق الشغل. ويرى معدو الدراسة أن هذه المؤشرات تؤكد نضج النموذج المغربي، الذي تحول إلى رافعة حقيقية للإدماج الاجتماعي والاقتصادي، بعدما نجح في منح فرصة جديدة لشباب لم يتمكن النظام التعليمي التقليدي من الاحتفاظ بهم.

وقد تميزت مدارس الفرصة الثانية “الجيل الجديد” عن برامج الاستدراك التقليدية بكونها لا تعالج النقص المعرفي والتحصيلي فحسب، بل تشتغل بالأساس على الجوانب النفسية والاجتماعية المرتبطة بالانقطاع عن الدراسة، مثل فقدان الثقة بالنفس، والمشاكل الأسرية، وضعف المعرفة بعالم الشغل، وغياب مشروع شخصي واضح. وتؤكد نتائج الاستطلاع المنجز لدى الجمعيات الشريكة أن أكثر من 85% منها تعتبر أن ملاءمة المسارات التكوينية مع حاجيات الشباب وخصوصيات الاقتصاد المحلي تمثل العامل الأساسي لضمان إدماج مستدام. وبعبارة أخرى، فإن نجاح هذه المدارس يعود إلى كونها لا تركز على إعادة الشباب إلى الفصول الدراسية فقط، بل تعمل على إعادة دمجهم كعناصر فاعلة داخل المجتمع.

ورغم النتائج الإيجابية المحققة، تحذر الدراسة من هشاشة النموذج الحالي، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على الجمعيات المدنية التي تتولى تسيير المراكز، وتوظيف الأطر، وتأطير الشباب، وبناء الشراكات مع المقاولات، وتتبع المستفيدين اجتماعياً. واعتمد الباحثون في هذا التقييم على استبيان شمل 27 جمعية تشرف على مراكز مدارس الفرصة الثانية “الجيل الجديد” بمختلف جهات المملكة. وأظهرت النتائج أن 63% من هذه الجمعيات تعتبر نقص التمويل أكبر تحدٍّ تواجهه، وهو ما ينعكس سلباً على صعوبة استقطاب الكفاءات، واستقرار الموارد البشرية، وتطوير الوسائل البيداغوجية، وضمان رؤية مالية واضحة للمستقبل.

وتشير الدراسة إلى أن 81% من الجمعيات تؤكد أن استقرار الأطر التربوية يعد أهم عناصر نجاح عملية المواكبة؛ لأن العلاقة المبنية على الثقة بين المؤطر والشاب تشكل الركيزة الأساسية في مسار إعادة الإدماج. ويلخص الباحثون هذه المفارقة بالقول إن النموذج المغربي لمدارس الفرصة الثانية يقوم اليوم على دعم غير مباشر يتمثل في الالتزام الاستثنائي والجهود التطوعية للفاعلين الجمعويين، وهو وضع غير قابل للاستمرار على المدى الطويل دون مأسسة. لذلك لا تطالب الجمعيات بزيادة الدعم المالي فحسب، بل تدعو كذلك إلى توفير أدوات تساعدها على الاحترافية، وتقاسم الخبرات، وتعزيز قدرات العاملين بها. كما تشدّد على ضرورة إحداث شبكة وطنية أكثر تنظيماً تتولى التكوين المستمر، ونشر الممارسات الفضلى، وتعزيز تبادل التجارب الناجحة بين مختلف الجهات.

وتبرز الدراسة أن التحدي الحقيقي لا يبدأ أثناء فترة التكوين، بل بعد مغادرة الشباب للمراكز، وهي المرحلة الحرجة التي يسميها الباحثون “الكيلومتر الأخير”. ففي هذه المرحلة بالذات، يواجه العديد من المستفيدين صعوبات جمة تتعلق بالبحث عن عمل، والتنقل، والسكن، والمشاكل الأسرية، وتجدد المخاوف من فقدان الثقة بالنفس، مما قد يهدد مسار إدماجهم بالانتكاس. وفي هذا الصدد، أفادت 44.4% من الجمعيات بأن مرحلة التتبع بعد التكوين تمثل إحدى أضعف حلقات البرنامج. كما ترى 66.7% منها أن ضعف الفرص الاقتصادية في بعض المناطق يشكل العائق الأكبر أمام الإدماج المهني، في حين أشارت أكثر من نصف الجمعيات إلى أن غياب اعتراف رسمي بالشهادات الصادرة عن مدارس الفرصة الثانية يقلل من قيمتها وجاذبيتها لدى المشغلين في القطاع الخاص.

وقد استندت الدراسة إلى مقارنة عدد من التجارب الدولية؛ حيث تستفيد مدارس الفرصة الثانية في فرنسا من علامة وطنية وعقود تمويل متعددة السنوات، بينما يقوم النموذج في ألمانيا على شراكات عضوية وقوية مع المقاولات، في حين تمتد المواكبة في هولندا إلى سنتين كاملتين بعد مغادرة المستفيدين للمراكز. وتبين هذه التجارب المقارنة أن نجاح هذه المدارس لا يرتبط بجودة التكوين الداخلي فحسب، بل بصلابة الإطار المؤسساتي والقانوني الذي يحتضنها.

وتؤكد الدراسة أن النقاش اليوم لم يعد يدور حول جدوى مدارس الفرصة الثانية بعد أن أثبتت فعاليتها ميدانياً، وإنما حول كيفية توسيع نطاقها؛ حيث تستهدف خارطة الطريق الوطنية رفع عدد المراكز إلى 400 مركز، مع مواكبة حوالي 80 ألف شاب في أفق سنة 2030. ولتحقيق هذا الطموح، يقترح الباحثون حزمة من الإجراءات الهيكلية، منها اعتماد عقود برامج متعددة السنوات لضمان استقرار التمويل، وإحداث علامة وطنية وشهادة مهنية معترف بها من طرف الدولة لتعزيز ثقة المشغلين، إلى جانب تمويل مرحلة “الكيلومتر الأخير” وإدماج المواكبة النفسية والاجتماعية ضمن نموذج التمويل الأساسي، وتحويل شبكة مدارس الفرصة الثانية بالمغرب إلى منصة وطنية للخبرة، والتكوين المستمر، وتطوير الكفاءات لضمان ديمومتها وعصرنتها.

وتخلص الدراسة إلى أن المغرب لم يعد بحاجة إلى البحث عن نموذج جديد أو استيراد مقاربات مستحدثة لمحاربة الهدر المدرسي، بل يمتلك بالفعل تجربة ميدانية أثبتت نجاعتها بالأرقام والمؤشرات. ويبقى الرهان الحقيقي والملحّ هو توفير الإمكانات المادية والمؤسساتية الكفيلة بتحويلها من مبادرات جمعوية إلى ركيزة بنيوية دائمة للسياسة الوطنية للإدماج الاجتماعي والاقتصادي. ووفق المصدر ذاته، فإذا كانت مدارس الفرصة الثانية قد نجحت في إعادة آلاف الشباب إلى مسارات التعليم أو التكوين أو التشغيل، فإن نجاحها الأكبر والأشمل سيقاس مستقبلا بقدرتها الاستيعابية على الإسهام، على نطاق واسع، في كبح نزيف الهدر المدرسي، ومنح فرصة ثانية حقيقية لعشرات الآلاف من الشباب المغربي لبناء مستقبل آمن ومستقر.

المصدر