ARTICLE AD BOX
في القاعة التي احتضنت لقاء استعادة محمد باهي ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط يوم السبت 9 ماي 2026، بدا الرجل، رغم غيابه منذ ثلاثة عقود تقريباً، أكثر حضوراً من كثيرين ما زالوا على قيد الحياة. كان اسمه يتردد بوصفه صحافياً، لكن كل شهادة كانت تضيف قبعة جديدة إلى الرجل؛ مؤرخاً يقرأ ما وراء الوقائع، روائياً مؤجلاً، محللاً سياسياً يستشرف الخرائط المقبلة.
في مداخلته، بدا مبارك بودرقة، المشرف على موسوعة محمد باهي، كمن يحاول إنقاذ ذاكرة كاملة من التبدد، فقد تحدث عن الجزء العاشر من الموسوعة باعتباره انتقالاً من كتابات باهي داخل المغرب، في صحف مثل “العلم” و”التحرير” و”المحرر” و”الاتحاد الاشتراكي”، إلى مرحلة الكتابة العربية الواسعة، خصوصاً في جريدة “المجاهد” الجزائرية.
لم تتوقف شهادة بودرقة عند التوثيق، بل أعادت رسم صورة صحافي كان يرى أبعد من الحدث المباشر؛ فقد استعاد، مثلاً، مقالاً كتبه باهي حول مضيق هرمز تحت عنوان “الخليج العربي فلسطين ثانية”، ليتوقف عند الطريقة التي قرأ بها الرجل مبكراً التحولات الجيوسياسية في المنطقة، محذراً من الصراعات المقبلة ومن إعادة تشكيل الحدود العربية.
عقل الاستراتيجي
كان بودرقة يصف دهشته من قدرة باهي على قراءة ما سيحدث لاحقاً؛ فقد بدا، من خلال المقالات التي استعرضها، كأن الرجل كان يشتغل بعين المؤرخ وعقل الاستراتيجي، لا بعجلة الصحافي الذي يطارد الخبر اليومي.
استعاد رحلته الأخيرة معه إلى المطار، قبل أن يغادر المغرب مجدداً، ليستقر المنفى كقدر دائم في حياة باهي. سأله يومها، كما روى، إلى أين يمضي، فأجابه الرجل بمرارة ممزوجة بالسخرية: “رحلات حياتي طويلة”. جملة قصيرة تختصر سيرة كاملة لرجل عاش التنقل باعتباره مصيراً شخصياً وفكرياً. فمنذ عودته من نواكشوط في الخمسينيات، مروراً بمرافقته الجيش الجزائري من وجدة إلى الجزائر سنة 1962، وصولاً إلى سنوات باريس الطويلة، ظل محمد باهي صحافياً عابراً للحدود، لا يستقر في مكان بقدر ما يستقر في الأسئلة الكبرى للعالم العربي.
هذه الصورة نفسها التقطها الباحث الجامعي الطيب بياض، لكن من زاوية أخرى. بدا الرجل في مداخلته وكأنه يقرأ محمد باهي بوصفه ظاهرة فكرية أكثر من كونه مجرد صحافي لامع. وصفه بأنه “جسد اسماً وافق مسماه”، قبل أن يتوقف عند قدرة باهي على الكتابة في كل شيء تقريباً.
لم يكن الأمر، بالنسبة إلى بياض، مجرد تنوع موضوعات، بل قدرة نادرة على التقاط التحولات العميقة قبل أن تصبح موضوعاً عاماً للنقاش. استحضر مقالاً كتبه باهي سنة 1986 عن الشباب الفرنسي، تحدث فيه عن جيل لم تعد تؤطره الإيديولوجيات الكبرى، بل تصنعه الموسيقى والصورة والإيقاع اليومي والهواجس الجديدة.
بالنسبة إلى بياض، كان هذا النص وحده كافياً لإظهار الطابع الاستشرافي عند الرجل؛ صحافي يقرأ التحولات الثقافية والاجتماعية بعين أبعد من السياسة المباشرة، وكأنه كان يدرك باكراً أن العالم يتغير من داخله، لا فقط من خلال أنظمته السياسية.
شغف المؤرخ
ولعل أكثر ما منح اللقاء عمقه الحقيقي هو انتقال الحديث عن محمد باهي من دائرة الوفاء العاطفي إلى دائرة البحث الأكاديمي. هنا حضرت شهادة الباحث هشام الكنبري، الذي اشتغل على تقاطع الكتابة الصحافية والتاريخية عند محمد باهي والصحافي الفرنسي جون لاكوتير. لم يكن الكنبري معنياً بإعادة تمجيد الرجل بقدر ما كان يحاول تفسير سر حضوره المستمر داخل الجامعة المغربية.
قال إن كتابات باهي تحولت اليوم إلى أرضية مرجعية لعدد من الأبحاث الأكاديمية، ليس فقط بسبب غنى المادة التي تتضمنها، بل لأن الرجل امتلك ما سماه “شغفاً خاصاً بالتاريخ”. في نظره، لم يكن باهي صحافياً يكتفي بوصف الوقائع، بل كاتباً يشتغل بأدوات المؤرخ، ويقرأ الأحداث داخل امتداداتها وسياقاتها الكبرى.
ولم يخف الكنبري إعجابه بالمكانة الفكرية التي بلغها محمد باهي، رغم قسوة حياته وتنقلاته ومنفاه الطويل. أشار إلى أن عبد الرحمن منيف، في كتابه “عروة الزمن الباهي”، لم يكتف برثاء صديق، بل قدم شهادة عن مثقف عربي استثنائي، كان يرى فيه نموذجاً لجيل كامل من الحالمين العرب.
كما توقف عند مفارقة لافتة: جون لاكوتير عاش قرابة قرن كامل وحظي باعتراف واسع، بينما عاش محمد باهي حياة أقصر وأكثر قسوة، ومع ذلك فإن كتاباته، في نظره، تتجاوز أحياناً ما كتبه الصحافي الفرنسي من حيث عمق الإحاطة بالسياقات وتشابك القضايا.
اصطياد المعنى
أما الباحث محمود الزاهي فقد اختار أن يدخل إلى شخصية محمد باهي من بوابة الذاكرة. تحدث عن الرجل بوصفه “ذاكرة مواضيع هامة” بالنسبة إلى المؤرخين الجدد، أولئك الذين يشتغلون على التاريخ بوصفه تجربة إنسانية وحفرية في الوعي الجمعي. استعاد ما كتبه عن القاهرة وبغداد والخرطوم وبيروت وباريس، مشيراً إلى أن نصوصه لا يمكن تجاوزها لا في التاريخ ولا في الأدب.
وعندما تحدث الزاهي عن باريس، بدا كأنه يصف باهي نفسه بقدر ما يصف المدينة. قال إن باهي رأى باريس “مرآة للتحولات والزلازل السياسية والثقافية في العالم”، وإنه قرأ تاريخها الممتد من ثورة 1789 إلى ثورة 1968 بعين المثقف الذي يفهم العلاقة العميقة بين الفكر والسياسة والتحولات الاجتماعية. ولم يكن ذلك مجرد انبهار بمدينة أوروبية، بل جزءاً من طريقة محمد باهي في فهم العالم: مدينة تقود إلى فكرة، وفكرة تفتح باباً على التاريخ.
وفي شهادات المتدخلين جميعاً، كانت هناك صورة تتكرر بإلحاح: محمد باهي الصحافي الذي لا يكتب خبراً عابراً، بل يشتغل على المعنى العميق للحدث. لهذا لم يكن غريباً أن يستعيد مبارك بودرقة شهادات صحافيين ومثقفين كبار، من مشارب سياسية مختلفة، أجمعوا على أن باهي كان “الصحافي الوحيد الذي يعرف كيف يصطاد المعلومة وكيف يوصلها إلى القارئ”.
مقاومة الزمن
لم يكن الأمر متعلقاً فقط بالسبق الصحافي، بل بطريقة الكتابة نفسها؛ ذلك المزج النادر بين المعرفة الواسعة واللغة الحية والقدرة على تحويل الوقائع إلى مادة للفهم والتحليل.
ولد محمد باهي، واسمه الأصلي محمد فال أباه بن الننيه، في بيئة صحراوية موريتانية قبل أن ينتقل إلى المغرب ويبدأ رحلته داخل الصحافة المغربية، حيث ارتبط اسمه مبكراً بجريدة “العلم”، قبل أن يتحول إلى واحد من أبرز الأقلام المغاربية والعربية.
وقد استعاد المتدخلون علاقته الوثيقة بالمشرق العربي، خصوصاً صداقته العميقة مع عبد الرحمن منيف، الذي رأى فيه، كما كتب لاحقاً، نموذجاً للمثقف العربي الذي عاش أحلام جيله وخيباته الكبرى. وكانت تلك الصداقة نفسها وراء كتاب “عروة الزمن الباهي”، الذي تحول مع الوقت إلى أحد أهم النصوص التي كتبت عن سيرة مثقف عربي عاش بين السياسة والصحافة والمنفى.
كان الحاضرون يتحدثون عن رجل واسع الفضول، يقرأ في السياسة كما يقرأ في الأدب والفلسفة، ويكتب عن الفلاحة الصينية كما لو كان خبيراً فيها، على حد تعبير مبارك بودرقة. صحافي متعدد القبعات بالفعل، لكن دون ادعاء الاستعراض المعرفي؛ كان يقرأ كثيراً، ويكتب بعد أن يهضم ما يقرأ، ولذلك بدت نصوصه، حتى اليوم، قادرة على مقاومة الزمن.
وقد بدا عنوان الجزء التاسع من موسوعته، “يموت الحالم ولا يموت حلمه”، وكأنه الوصف الأدق لمحمد باهي نفسه؛ ذلك الصحافي الذي عاش عمره كله مطارداً فكرة أكبر من حياته الشخصية، وترك وراءه نصوصاً لا تقرأ فقط باعتبارها أرشيفاً لمرحلة عربية مضطربة، بل باعتبارها أيضاً سيرة مثقف آمن بأن الكتابة ليست مهنة عابرة، بل طريقة لفهم العالم ومقاومة خرابِه.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







