محراب السياسة

منذ 1 شهر 12
ARTICLE AD BOX

سعيد أهمان

محراب السياسة

الأحد 15 مارس 2026 | 15:29

في المغرب، لا تشبه السّياسة كثيرا ما تقوله القواميس عنها، فهي ليست مجرد تدبير للشّأن العام ولا تنافسا شريفا على البرامج، بل صارت، في مواسم خاصّة، أقرب إلى طقس جماعي يُمارس في ما يشبه “محرابا سياسيا”، حيث يكثر الدّعاء وتكثر الوعود، لكنّ النتائج في الغالب تظل مؤجّلة إلى أجل غير مسمى.

آراء أخرى

  • شمعون ليڤي .. شخصية وطنية واجهت الصهيونية العنصرية

  • الملوك يتعبون أيضاً

  • صمت القبور: لماذا تُرك معتقلو "حراك الريف" وحدهم؟

ومع دنو موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يبدأ المشهد السياسي المغربي في التحول تدريجيا إلى سوق مفتوح للخطابات المنمّقة والوعود المؤجّلة. فجأة يصبح السّياسيون قريبين من النّاس أكثر من أقربائهم، ويكتشفون، على حين غفلة، أن هناك طرقا غير معبّدة، ومستشفيات بلا أطباء، ومدارس بلا دفء، وشبابا بلا عمل… أشياء كانت، على ما يبدو، مختبئة عن أنظارهم طيلة سنوات الولاية الانتدابية.

في محراب السّياسة المغربية، يتحوّل الّسياسي إلى واعظ موسمي. يتحدث بلغة كبيرة عن “الإصلاح العميق”، و”العدالة المجالية”، و”الكرامة الاجتماعية”، وكأنّه اكتشف للتوّ أن البلاد تحتاج إلى إصلاح. أما المواطن، فقد صار خبيرا بدوره في هذا الطقس؛ يستمع، يهزّ رأسه، ويبتسم ابتسامة يعرف أصحابها أنها خليط من الأمل والسّخرية.

لكن الظاهرة الأكثر إثارة في هذا الموسم الانتخابي/ السّياسي ليست الخطابات، بل ما يمكن تسميته بـ “التّسول السّياسي”. فجأة تتحول الأحزاب إلى جمعيات خيرية تبحث عن مرشّحين، ويتحوّل بعض المنتخبين إلى مسافرين جوالين دائمين بين الأحزاب، يبدّلون الألوان كما تُبدل ربطة العنق. بالأمس كان هذا يساريا متحمّسا، واليوم صار ليبراليا واقعيا، وغدا ربما سيكتشف في نفسه روحا محافظة.

إنه تسول من نوع خاص: تسوّل للمقاعد، تسوّل للأصوات، وتسوّل للشّرعية. أحزاب تبحث عن أعيان يمنحونها أصواتا، وأعيان يبحثون عن أحزاب تمنحهم يافطة انتخابية، بينما البرامج تقف في الزّاوية مثل تلميذ منسي في آخر الفصل.

والطريف في ذلك كلّه، أن الخطاب السّياسي لا يتغيّر كثيرا. الوجوه قد تتبدّل، والشّعارات قد تُصقل لغويا، لكن الوعود تظل هي نفسها: تشغيل الشّباب، وإصلاح التعليم، وتعميم التغطية الصحية، ومحاربة الفساد. وعود تعيش عمرا انتخابيا قصيرا، ثمّ تختفي بهدوء بعد إعلان النّتائج، كأنّها لم تكن.

في محراب السياسة المغربية، يتعايش التّناقض بشكل مدهش. سيّاسي ينتقد الفساد صباحا ويصافح رموزه مساء، حزب يهاجم الحكومة في النهار ويدافع عنها في اللّيل، ومرشّح يتحدث عن الأخلاق الّسياسية وهو يفاوض على موقعه في اللائحة الانتخابية ويذبحها جهارا بلا حياء ولا استحياء.
أما المواطن، فقد صار أكثر واقعية من الجميع. يعرف أن موسم السّياسة يشبه مواسم الفلاحة: هناك موسم للحرث، وموسم للبذر، وموسم للحصاد. الفرق الوحيد أن الحصاد في السّياسة غالبا ما يكون من نصيب السّياسيين، بينما يظلّ المواطن ينتظر المطر.

ومع اقتراب شتنبر 2026، يزداد النّشاط في هذا المحراب. ترتفع وتيرة الزّيارات، وتتكاثر اللقاءات، وتعود الصّور الجماعية والابتسامات العريضة والعناق والمصافحة. الجميع يتحدث باسم المواطن/الشّعب، لكن المواطن/الشّعب نفسه يبدو أحيانا مجرد خلفية في الصّورة.

ربّما لهذا السبب بالذات صارت السّياسة في المغرب تشبه مسرحا مفتوحا: الممثلون يتغيّرون، النّص يعاد ترتيبه قليلا، لكن العرض يستمر دائما… والجمهور، كعادته، يصفّق أحيانا، ويضحك أحيانا أخرى، لكنّه في النّهاية يعرف جيّدا أن الفصل الأهم لا يُكتب في الخطب، بل في صناديق الاقتراع.

المصدر