ARTICLE AD BOX
محمد مونشيح
ما وراء الأيديولوجيا.. عقلانية “الدولة-الأمة” وسقوط أوهام الانهيار الإيراني
الجمعة 06 مارس 2026 | 22:30
قراءة في فكر إيمانويل تود وفشل الرؤية الاختزالية الغربية
آراء أخرى
في الوقت الذي تزدحم فيه الشاشات الغربية بتحليلات تصور إيران ككيان “ثيوقراطي منغلق” أو “لاعب غير عقلاني” يسعى للانتحار السياسي، يقدم المفكر والباحث الديموغرافي الفرنسي إيمانويل تود قراءة مغايرة تقلب الطاولة على هذه الاستنتاجات التبسيطية. إن الاتفاق مع أطروحة تود ليس مجرد تبنٍ لوجهة نظر سياسية، بل هو انحياز للمؤشرات “الصلبة” التي تؤكد أننا بصدد مواجهة مع دولة-أمة عميقة الجذور، وليست مجرد حالة ثورية عابرة.
خديعة “الجنون” وفشل الإسقاط الغربي
يرى تود أن وصف إيران بـ “الجنون” أو “عدم العقلانية” هو “عبث استراتيجي” ووسيلة سهلة للهروب من تفسير صمودها أمام أعتى منظومات العقوبات التاريخية. إن الحقيقة التي يكشفها علم الاجتماع والديموغرافيا هي أن المجتمع الإيراني حقق طفرة هائلة في التعليم (لاسيما لدى النساء) وحقق انتقالاً ديموغرافياً لافتاً؛ إذ انخفض معدل الخصوبة من أكثر من 6 أطفال للمرأة في الثمانينيات إلى نحو 2 اليوم، وهو قريب من المعدلات الأوروبية. هذه الأرقام تعني شيئاً واحداً في لغة العلم: الانتقال نحو العقلانية والمؤسساتية. فالمجتمعات المتعلمة ذات التطلعات الطبقية لا تسعى للتدمير الذاتي، بل تتحرك ببرود شديد لتأمين مكانتها في نظام عالمي معقد.
الثورة كأداة لتحديث “الإمبراطورية”
الخطأ القاتل في التحليل الغربي يكمن في حبس إيران داخل “قوس عام 1979”. بالنسبة لتود، إيران هي وريثة إمبراطورية عمرها آلاف السنين، والثورة الإسلامية لم تكن انقطاعاً عن التاريخ بقدر ما كانت وسيلة “لتحديث” أدوات الدولة للدفاع عن سيادتها. ويا للمفارقة! فقد قام النظام الثوري بمهمة تحديث المجتمع بشكل أسرع مما كان سيفعل “الشاه”: محا الأمية في الأرياف، وخلق طبقة متوسطة متعلمة هي اليوم العمود الفقري لهذه الدولة الحديثة التي تصمم مسيرات متطورة وتدير مفاعلات نووية معقدة؛ وهي أفعال لا تصدر عن “مجانين”، بل عن جهاز تخطيط عقلاني متطور.
أكذوبة “قطع رأس النظام”
يتجلى الجهل ببنية الدول القديمة في الاعتقاد بأن اغتيال “المرشد” أو القادة الكبار كفيل بإسقاط النظام. إن القوة في إيران ليست مركزة في شخص واحد، بل هي موزعة على مراكز قوى متداخلة (Overlap of Power Centers) تعمل كجسد مؤسساتي مبرمج على الاستمرار. ومن منظور أنثروبولوجي، فإن الثقافة الشيعية القائمة على “المظلومية والشهادة” تحول القائد المغتال من “فاعل سياسي” إلى “رمز دائم”، مما يمنح النظام شرعية متجددة وحالة من التعبئة الوطنية القومية تتجاوز الخلافات الداخلية. إيران ليست “شركة” تنهار بموت مديرها، بل هي كائن حي يمتلك أجهزة دفاعية تمتص الصدمات الكبرى.
العدمية الغربية مقابل الواقعية الإيرانية
بينما تمر الولايات المتحدة وحلفاؤها بحالة من “العدمية” – تدمير الأنظمة دون بدائل، وتغيير التحالفات بفوضوية – تتحرك إيران ببطء وثبات، وفق مشروع، وطني، واضح. إن سعيها للردع النووي أو النفوذ الإقليمي ليس “هوساً دينياً”، بل هو سلوك دفاعي منطقي لدولة محاطة بقواعد عسكرية معادية وقوى نووية. إنها ممارسة الـ Realpolitik في أبهى صورها؛ عبر بناء تحالفات استراتيجية بعيدة المدى مع الصين وروسيا والانضمام لتكتل “بريكس”.
نحو الاعتراف الحتمي
إن الاندحار الغربي في المنطقة لن يكون “منهجياً” أو بقرار طوعي، بل سيكون نتيجة “تآكل بنيوي” وتراكم للأخطاء الناجمة عن الانجرار خلف الأجندة الإسرائيلية التصادمية. سيتطلب الأمر وقتاً لكي يدرك الغرب أن “الجديد” لا يولد أوتوماتيكياً، لكن الحقيقة ستفرض نفسها في النهاية: إيران طرف ندّ ومساوٍ، ودولة قومية عقلانية لا يمكن تجاوز مصالحها الإقليمية المشروعة.
العقلانية لا تعني بالضرورة محبة النظام أو كرهه، بل تعني الاعتراف بقدرته على حساب المصالح والمخاطر ببراعة جعلت الغرب يبدو “تائهاً” في مواجهته. لقد آن الأوان لاستبدال “المنظور الأيديولوجي الضيق” بتحليل موضوعي يقر بأن زمن الإملاءات قد ولى، وأن “الدولة-الأمة” في إيران قد حجزت مقعدها في النظام العالمي الجديد.
.jpg)
منذ 1 شهر
12







