ما بال من يمنح الجوائز بهتانا..!

منذ 1 ساعة 1
ARTICLE AD BOX

عبد السلام فزازي

ما بال من يمنح الجوائز بهتانا..!

الخميس 07 ماي 2026 | 12:39

في زمن كان يُفترض فيه أن تكون الجوائز الثقافية تاجا على رؤوس الإبداع، ووساما يُعلّق على صدور الكلمة الحرة، أخذت هذه الجوائز—في غير قليل من الحالات—تنزاح عن غايتها النبيلة، لتتحول إلى مرايا تعكس اختلالات عميقة في بنية الحقل الثقافي نفسه. أكيد لم تعد الجائزة دائما اعترافا موضوعيا بقيمة النص، ولا حتى احتفاء خالصًا بالمبدع، بل غدت في بعض السياقات نتاج شبكة من العلاقات، وامتدادًا لمنطق “الإخوانيات” الذي يُغلب القرب على الكفاءة، والولاء على الجدارة.

آراء أخرى

  • الترحال السياسي" والبرغماتية السياسوية

  • هل الصحافة في حاجة إلى مراجعة قانون الشغل؟

  • من أجل برلمان نظيف وهادف!

إن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط إقصاء أصوات حقيقية تستحق التقدير، بل إعادة تشكيل الذائقة الثقافية وفق معايير مغشوشة. فحين تُمنح الجائزة لمن يملك شبكة علاقات واسعة بدلا من امتلاك نص عميق، فإن الرسالة الضمنية التي تُرسل إلى الأجيال الصاعدة هي أن الطريق إلى الاعتراف لا يمر عبر الاجتهاد والموهبة، بل عبر بناء التحالفات والاقتراب من دوائر النفوذ الثقافي. وهنا تبدأ الثقافة في فقدان روحها وجوانيتها، لتتحول إلى سوق رمزية تُباع فيها القيم وتُشترى.

وليس خافيًا أن بعض الجوائز—لا كلها—تُحاط بكواليس معقدة، حيث تتداخل المصالح الشخصية مع الحسابات المؤسساتية، وتُدار أحيانًا بمنطق “ردّ الجميل” أو “تقاسم الأدوار”. في مثل هذه الأجواء، يغدو المبدع الحقيقي غريبًا في بيته، محاصرا بصمت لا يليق بما يكتب، بينما يُرفع آخرون إلى منصات التتويج لا لشيء سوى لأنهم أتقنوا لعبة العلاقات.

أما المقابل المادي وغير المادي، فيفتح بابًا آخر للريبة. فحين تتحول الجائزة إلى وسيلة لضمان الولاءات أو تلميع صور مؤسسات أو أفراد، فإنها تفقد استقلاليتها، وتتحول من أداة تقييم إلى أداة توجيه. وهنا يُطرح السؤال المؤلم: هل ما زالت بعض الجوائز تقيس القيمة الأدبية، أم أنها أصبحت تقيس مدى “الانخراط” في شبكات معينة؟

غير أن التعميم يظل ظلما في حق تجارب جادة ما تزال تحاول الحفاظ على مصداقيتها، عبر لجان تحكيم مستقلة، ومعايير شفافة، ونقاشات نقدية حقيقية. فثمة جوائز تقاوم هذا الانحدار، وتصر على أن تكون منبرًا للتميز لا للترضيات. لكن هذه الاستثناءات، مهما كانت مشرقة، لا تُلغي الحاجة الملحة إلى مساءلة شاملة للمنظومة.

إن إصلاح واقع الجوائز الثقافية يبدأ من ترسيخ مبدأ الشفافية: إعلان المعايير بوضوح، الكشف عن خلفيات لجان التحكيم، وتبرير الاختيارات بشكل نقدي مقنع. كما يتطلب الأمر تحصين اللجان من تضارب المصالح، وفتح المجال أمام أصوات نقدية مستقلة تراقب وتُقيّم. فالثقافة لا تزدهر في الظل، ولا تنمو في بيئة يختلط فيها الإبداع بالمحاباة.

في النهاية، تبقى الجائزة، في جوهرها، فكرة نبيلة: الاعتراف بالجمال حين يُكتب، وبالحقيقة حين تُقال. لكن هذه الفكرة تفقد معناها حين تُختزل في حسابات ضيقة. وما لم يستعد الحقل الثقافي شجاعته في النقد الذاتي، ويُعيد الاعتبار لقيمة النص قبل اسم صاحبه، ستظل كثير من الجوائز مجرد أصداء باهتة لعدالة غائبة.

إن المعركة الحقيقية ليست ضد الجوائز في ذاتها، بل ضد ما يعتريها من انحراف. فحين تنتصر الكلمة الصادقة على العلاقات، ويعلو صوت الإبداع فوق همس المصالح، آنذاك فقط يمكن للجوائز أن تستعيد هيبتها، وأن تعود إلى موقعها الطبيعي: احتفالا نقيا بالإنسان حين يبدع.

المصدر