ARTICLE AD BOX
عمرالطالب
لهذا يجب أن يعود بنكيران إلى البرلمان
الجمعة 13 مارس 2026 | 13:55
في انتظار الكشف عن علبة مفاجآت تزكيات الأحزاب لخوض غمار انتخابات 23 شتنبر المقبل، بدأت منذ الآن تتسرب أولى الأسماء التي تستعد للنزول إلى حلبة أكثر الدوائر الانتخابية اشتعالاً وإثارة. آخر الأخبار المتداولة تتحدث عن ترشيح كل من الاتحادي عبد الكريم بنعتيق، الذي يرى فيه البعض بديلا محتملا لقيادة الوردة بعد انتهاء كابوس إدريس لشكر، والرجل الثاني في الأصالة والمعاصرة، المهدي بنسعيد، الذي يُمنّي النفس بحجز مقعد له في الحكومة المقبلة، إلى جانب رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران، الذي يقود حزب العدالة والتنمية منذ غداة سقوطه من الطابق 17 في انتخابات 2021؛ وهي الأسماء التي يُرتقب أن تتواجه في دائرة الرباط المحيط، المعروفة إعلامياً بـ“دائرة الموت“.
آراء أخرى
بالنسبة لي، اسم واحد فقط يستحق كل الانتباه في هذا الكاستينغ الانتخابي، هو عبد الإله بنكيران، الرجل الذي لا أحد يعرف، بما في ذلك هو نفسه، كيف ومتى ستنتهي حياته السياسية، ما يجعل كل خطوة له في المعركة القادمة مليئة بالإثارة والترقب.
عندما نزل، مساء 15 مارس 2017، بلاغ الديوان الملكي الذي أعلن إقالة بنكيران من رئاسة الحكومة، ظن الكثيرون أن القصر قد ضرب عصفورين بحجر واحد، وأنه لم يُقدِم فقط على إعفاء بنكيران من تشكيل الحكومة، بل وقّع أيضاً على إحالته على التقاعد السياسي، ليُلحقهُ باليوسفي وعباس اللذين غادرا، كل على طريقته، المشور السعيد والحياة السياسة إلى غير رجعة.. لكن بنكيران، الذي لم يتجرّع تسريحه بتلك الطريقة، بعد كل الخدمات التي قدّمها للدولة في أزمة 2011، رفض القبول بالأمر الواقع؛ وبين اللايڤات التي ظل يبثها من صالون بيته، وأوراق الزبدة التي كان يعمّم عبرها مواقفه من إخوانه، ظل يتحيّن الفرصة للعودة من جديد إلى الواجهة، إلى أن حلّ تسونامي 8 شتنبر 2021 الذي أطفأ المصباح وأشعل شرارة العناد في رأس بنكيران الذي لا يتقن شيئاً مثلما يتقن العودة من حافة الهاوية.. فالرجل الذي أدمن الأضواء وصخب الميكروفونات، رفض أن يكون مجرد متقاعد فوق العادة يكتفي باجترار ذكريات مجده الغابر، بل اختار أن يظل شوكاً في حذاء خصومه، يداعب كبرياءه بجنون العظمة الذي يجعله يرى في نفسه دائماً بطل العرض الذي يرفض الخروج من المشهد حتى لو انتهى تصوير الفيلم !
هذا الإصرار المرضي على البقاء تحت الأضواء، ليس ماركة مسجلة باسم بنكيران وحده؛ ففي الضفة الأخرى من المتوسط، ثمة رفيق له في محنة الخروج من الباب الضيق، تقاسمَ معه مرارة الرحيل في نفس السنة تقريباً. فبعد ثلاثة أشهر فقط من مغادرة بنكيران أسوار تواركَة مكرهاً، حزم فرانسوا هولاند حقائبه مغادراً قصر الإليزيه، لكنه لم يغادر أبداً بلاتوهات القنوات والإذاعات الباريسية، حيث ظل يمارس بلا عياء هواية القنص السياسي ضد خلفه إيمانويل ماكرون الذي حرمه من حلم الولاية الثانية.
هكذا ظل هولاند، تماماً كبنكيران، يقتات على النقد والمشاكسة ويتحيّن الفرص، إلى أن حلّ صيف 2024، حين قرر ماكرون، في لحظة جنون سياسي، حل البرلمان. عندها، لم يتردد هولاند في خلع بذلة الرئيس السابق لينزل إلى وحل الميدان في منطقة “لاكوريز” لانتزاع مقعد برلماني صغير.. وها هو اليوم، يجلس تحت قبة الجمعية الوطنية كنائب عادي من أصل 577 نائباً، يرفع يده للتصويت أو لطلب الكلمة، في مشهد ديمقراطي نادر يجمع بين التواضع والدهاء، في الوقت الذي ما يزال الجميع يناديه بـMonsieur le Président.
لكن، لماذا هذا الپاراليل بين بنكيران وهولاند ؟ ما الذي يجمع ابن العكّاري بابن روان النورماندية، غير صدفة الرحيل في نفس العام ؟ الحقيقة أن الرجلين تجمعهما قواسم سياسية مشتركة عديدة تجعل من مساريهما نسخة كربونية صيغت بمداد التحدي ضداً في رغبة السيستيم وتوقعات المراقبين.. فبغض النظر عن انتمائهما لنفس الجيل العمري، فإن خيوط اللعبة شدّتهما إلى منصة الحكم في لحظات كان فيها الرهان عليهما يشبه الرهان على جواد خاسر.
ففي الوقت الذي لم يكن فيه أكثر المتفائلين في المغرب يجرؤ على تخيل بنكيران رئيساً للحكومة، كان فرانسوا هولاند في الضفة الأخرى يغرق في مستنقع الأرقام؛ حيث لم تكن تمنحه استطلاعات الرأي، قبل سنة واحدة من الرئاسيات، سوى نسبة مُهينة لا تتعدى 3%، مما حوّله إلى مادة دسمة لسخرية الصحافة الفرنسية التي أطلقت عليه لقب “Monsieur 3%”؛ غير أن المعجزة السياسية كان لها رأي آخر تماماً : عاد فرانسوا هولاند من بعيد وأسقط ساركوزي في معركة كسر عظام مثيرة، تماماً كما فعل بنكيران حين قلب الطاولة على الجميع، وخرج من الإقامة الملكية بميدلت وفي جيبه ظهير تعيينه رئيساً لأول حكومة في ظل دستور محمد السادس.
ولأن كيمياء التشابه بين الرجلين لا تتوقف عند عتبات الصعود إلى السلطة، فقد جاءت حصيلتهما معاً لتشكّل الوجه المشترك للخيبة. ففي الوقت الذي كان يرى فيه شعب اليسار، ومعه فئات عريضة من المجتمع، في هولاند وريثاً شرعياً لإرث الرئيس السابق فرانسوا ميتيران، ومنقذاً سيرمّم ألق الرئاسة وهيبتها، انتهت ولايته على وقع سكتة قلبية في شعبيته التي تهاوت إلى مستويات قياسية غير مسبوقة؛ مما أجبره على تجرع مرارة الاستسلام وإعلان عدم ترشحه لولاية ثانية، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجمهورية الخامسة.
هذا الإفلاس في الرصيد الشعبي، لم يكن بنكيران بمنأى عنه؛ هو الذي دخل رئاسة الحكومة محمولاً على أكتاف آمال الربيع العربي وحراك 20 فبراير، قبل أن يجد نفسه يمارس دور “الإطفائي” الذي يخمد حرائق المطالب الاجتماعية بقرارات لا شعبية أحرقت، مع مرور الأيام، الكثير من رصيده وصورته، دون الحديث عن ميله إلى خطب ود القصر والتقرب منه، ما أدى إلى التراجع عن المكتسبات الديمقراطية الهشة التي انتزعها الشارع في 2011.. وكما غادر هولاند الإليزيه في صمت تراجيدي دون أن يأسف عليه أحد، خرج بنكيران من الباب الصغير للمشور السعيد، دون وداع ولا تكريم ولا حتى مكالمة هاتفية تشكره على المساعدة التي قدّمها للإجهاز على الحلم الديمقراطي !
ورغم كل هذا، ودون السقوط في فخ العواطف السياسية، سيكون دخول بنكيران إلى البرلمان مكسباً للحياة السياسية أكثر منه ضرراً بها. فأن يعود رئيس حكومة الانتقال الديمقراطي المجهوض إلى داخل المؤسسات، هو في حد ذاته وقود سيغذي النقاش السياسي الراكد، ويفتح نوافذ أخرى للمساءلة والنقاش بلسان يعرف جيداً خبايا الطّنجرة الحكومية وأسرار طبخاتها. ومثلما استوعب المشهد الفرنسي فرانسوا هولاند في موقعه الجديد كبرلماني يرفع يده ليطلب الكلمة من خلفيته كرئيس سابق للجمهورية، فإننا بدورنا يلزمنا شويا ديال التيساع فالخاطر لاستيعاب بنكيران وتركه يتحدث من داخل البرلمان عوض لايڤاته العابرة للقارات.. ففي جميع الأحوال، لن يتوقف بنكيران أبداً عن الكلام، ولن يضع لجاماً للسانه مهما كان الزمان أو المكان؛ فحبذا لو يفعل ذلك من داخل البرلمان.
.jpg)
منذ 1 شهر
11







