ARTICLE AD BOX
فؤاد بوعلي
لننته من هذا الصخب الهوياتي!!!
الأحد 28 يونيو 2026 | 14:25
يعيش فضاء التواصل بالمغرب على إيقاع تجاذب هوياتي وصراع محتدم محوره الأمازيغية عِلما وانتماء. إذ انتشرت منذ مدة مقالات وأبحاث ترفع اللثام عن علاقة بعض الفعاليات المحسوبة على الحركة الأمازيغية بالموساد الصهيوني، ووصل الأمر إلى المطالبة بتدخل الدولة لمحاسبة “عملاء” الدولة الأجنبية وأدوارهم في تخريب الوطن وتحويل بوصلة الانتماء الهوياتي للمغرب خدمة للأجندة الإسرائيلية. وصاحَب هذا “الكشف” نقاش علمي وبراغماتي تصدى له العديد من الباحثين في التاريخ حول أصالة الحرف الذي تكتب به الأمازيغية وجدواه وأهميته. إضافة إلى نقاشات دائمة لا تتوقف عن الأصل التاريخي للأمازيغ وموطنهم الأول وعلاقتهم بالعرب…… حتى غدت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي ميدانا للصراع الهوياتي والحدة الخطابية التي تبين عن عمق الأزمة الوجودية للمجتمع المغربي من جهة، وعن فشل الدولة في حسم الخيارات الهوياتية، من جهة أخرى، بالرغم من التنصيص الدستوري والقوانين ذات الصلة و”الفقاعات” الإعلامية. فأين الإشكال إذن؟ وكيف الانتهاء من هذه الحالة الصراعية التي تهدد التماسك المجتمعي؟ ولم إثارة هذا الصخب الهوياتي الآن؟ وهل الأمازيغية هي المعادل المغربي للارتماء في أحضان الصهيونية؟
آراء أخرى
يبدو أن الإشكال الجوهري هو الأسلوب الذي أدير به الملف الهوياتي منذ التعديل الدستوري الأخير وما صاحبه من نقاشات. لأن الترسيم الدستوري للتعدد لم يحل الإشكال في جوهره، بل كان له دور حاسم في تعقيده وجعله جزءا من مسار التشظي الهوياتي. فالطريقة التي صيغت بها روافد المغرب وانتماءاته لم تساهم في رسم معالم الوطن المشترك بقدر ما فتحت الباب على مصراعيه أمام الانتماءات الضيقة. والذين قبلوا النص على عواهنه انطلقوا من جمال اللحظة الدستورية التي خلقت توافقا مجتمعيا فريدا وفتحت الأفق أمام إمكانية التمكين للغات الوطنية وتجاوز الفوضى التي طبعت عقودا من التدبير السياسي للمسألة اللغوية. لكن الذي وقع أن كل الأطراف أخذت الدستور مظلة للدفاع عن مشروعها الخاص وليس المشروع الوطني المشترك، وبدل البحث عن القواسم الوطنية بحثت عن شرعيتها الخاصة واختارت الانكفاء في قوقعتها الذاتية. حيث انتقل النقاش بعد المصادقة الشعبية إلى الحديث عن الحسانية باعتبارها لغة مستقلة عن الأصل العربي، وغدت الأمازيغية مساوية في الترسيم للعربية بالرغم من ضبابية النص، حتى وجدنا بعض المؤسسات الممولة من طرف الدولة تستغني عن الحرف العربي لكنها لا تستغني عن الحرف اللاتيني، وأصبحت الأصول الإفريقية موازية لإعادة التموقع الاستراتيجي للمغرب، والعبرية تعني احتضان كل اليهود المغاربة في كل بقاع العالم حتى زعماء الإبادة الإنسانية، والعامية وجدت لها سندا رسميا في التعبيرات الثقافية. بمعنى أن النص بدل أن يحل الإشكال ملأه بالعديد من الألغام القابلة للانفجار الهوياتي. لأن هم واضعيه آنئذ هو خلق التوازن والبحث عن الترضيات النخبوية ـــ حسب أحد الباحثين ـــ مما فتح الباب أمام استقطابات هوياتية، مشرعنة قانونا، وجعل النص الدستوري الذي يفترض أن يكون نهاية الصراع الهوياتي، هو بدايته الحقيقية.
فوجئت حين كنت مسؤولا في إحدى المؤسسات البحثية بزيارة لأستاذ جامعي من دولة شقيقة، وحين عرف منافحتي عن العربية ودفاعي عن التمكين لها، بدأ في انتقاد الأمازيغية والأمازيغ بأقذع النعوت. واضطررت آنئذ إلى الرد بقسوة على هذا الموقف الذي يخلط بين الأمازيغية والخطاب الأمازيغي. والبون شاسع بين الطرفين، بل بينهما تناقض صارخ في كثير من الأحيان. فالأمازيغية هوية شعب وانتماؤه، ومكون من مكونات وجوده، ساهمت في تشكيل حياته وطبعِها ورسمِ ثقافته وجغرافيته. وحين دخلت العربية احتضنتها وآمنت بها وبرسالتها المقدسة وجعلتها خطابها الرسمي وكانت متصلها الطبيعي، حيث أسسا معا نظاما قيميا واحدا لا يمكن الفرز بين عناصره. حتى أتت اللحظة الاستعمارية التي بنت سياستها على الفصل بين الطرفين وبناء جيتوهات خاصة ورسم معالم كل هوية على حدة. من هذه الزاوية كان دفاع الأمازيغ عن العربية دفاعا عن مكون من وجودهم، فأبدعوا بها ونافحوا عنها وآمنوا بقدراتها. ويكفي زيارة أي مدرسة قرآنية في أعماق سوس وحاحا وجبال الأطلس وقلب الشرق لتعرف مكانة العربية وحب الأمازيغ لها. هكذا قلت لزائري. فيكفي أن تحب نفسك لتحب أمازيغيتك. ومازلت إلى اليوم أفضل قراءة القرآن الجماعية بلكنة أهل سوس، ولحد الآن لا أستمع إلى البردة والهمزية، لا بألحان سامي يوسف أو غيره من رواد الأنشودة، بل أتلذذ بلكنة فقهاء سيدي غانم ونغمة طلبة تمسولت، وما زلت أترنم بألحان الحاج بلعيد وثورية إزنزارن عبد الهادي. هكذا ذاتي وإيماني بانتمائي، وهكذا ظني بالمشترك المغربي. فالأمازيغية في وطني ليست بهارات تنضاف أو ورقة توظف بل هي عمدة الوطن وركيزة تميزه.
يعتقد بعض المنافحين عن العربية أن نقد الأمازيغية وتحقيرها وربطها بالأجندة الصهيونية، واستعادة “قصة” الأصول العربية، وفتح ملفات مازالت جراحها تنكأ في الذات الوطنية، سيحل الإشكال الهوياتي للمغاربة، وهم لا يعرفون أنهم باستدعاء القضايا التي حسم فيها النقاش المؤسساتي ـــ على الأقل حاليا ـــ يصبون الزيت على نار الفتنة التي تنتظر من يشعل أوارها. فلا أحد يمكنه الحجر على التناول العلمي لمواضيع ستظل مطروحة على مجهر الدرس التاريخي واللغوي، لأن قضايا الحرف والعلاقة مع الجغرافيا والتاريخ لا يمكن الحسم فيها بقرار سياسي، بل سيظل هذا الأخير عرضة للهجوم ما دام لم يحترم الاختلافات البحثية والاجتهادات التي تظهر في المخابر والمجلات العلمية، وليس توجيه النقاش نحو مقاصد سياسية وإيديولوجية. ومن يتصور أن مسألة الحرف أو الكتابة أو العلاقات الإثنية والاجتماعية بين الأمازيغ والعرب، قد انتهت في المغرب فهو مخطئ، لأن القضايا الهوياتية والثقافية لا تحل بقرارات إدارية، ولا “بعلماء” المنابر الصحافية والسجالات الإعلامية، ولا برافعي الأعلام الانفصالية، بل ببحث علمي يستحضر الآفاق الإجرائية للوضع اللغوي عموما. فأخطر ما يهدد الأمازيغية في المغرب ليس نقدها بل مسارها المؤسسي المرتكز على فرض اختيارات علمية وتأويلات معينة أنجزت داخل مكاتب مغلقة، وهو ما خلق وعيا مجتمعيا مضادا وصامتا ومتناميا. لذا ليس مفاجئا أن تتصاعد حدة الثورة على هذا المسار. لكن هذه الثورة لا ينبغي أن تنسينا أن النقاش الهوياتي إن لم يضع نصب عينيه بناء المشترك الوطني وتهيئة الأجواء لنقاش مجتمعي هادف ورصين فهو لعب بالنار وتجييش للمجتمع، خاصة حين يكون المجال هو فضاء التواصل الاجتماعي بكل محاذيره وانحرافاته. فليس كل ما نعتقده نقوله في كل اللحظات وفي كل الفضاءات، والبحث العلمي له مجالات تصريفه أخطرها منتديات الفايس والتويتر. فالمواقف حول تيفيناغ وتاريخيته، والأندلس وأحداثها، والأصول التاريخية، لا يمكن أن تطرح في أسواق النت، بل في الندوات والمؤتمرات العلمية والفضاءات الأكاديمية.
يبدو أن محاولة التشكيك في العلاقات المخابراتية لبعض المحسوبين على الحركة الثقافية الأمازيغية هو من باب المغالطة الإعلامية. إذ لم يتورع هؤلاء عن الاحتفاء بعلم الكيان الصهيوني داخل أرض الوطن أو في فلسطين المحتلة، بل البعض منهم أسسوا جمعية للصداقة الإسرائيلية الأمازيغية، وتتابعوا على زيارة الكيان الغاصب، والزيارات لم تكن سياحية بل القصد منها تمثل النموذج الصهيوني في بناء القومية الأمازيغية بكل عناصرها بدءا من اللغة والثقافة والمزايلة عن الجوار وصولا إلى اصطناع قضايا وهمية وتوجيه الأحداث الاجتماعية نحو ترسيخ الفكرة القومية، مما جعل الحركة “تنزلق من إطارها الوطني التعاقدي إلى إطار تدويلي تتدخل فيه أطراف خارجية تحت شعارات عدة منها حقوق الإنسان، العلمانية، حقوق الشعوب الأصلية، الحكم الذاتي، التمثلات الأسطورية أو هويات تحجيمية تفصل بين ما هو “مشترك مغربي” وبين ما هو خصوصي أمازيغي” كما قال أحد الباحثين. ومن ثمة فالتوظيف الصهيوني أو الأمريكي أو الفرنسي، أو حتى من بعض دول الجوار، للورقة الأمازيغية هو جزء من صراعات النفوذ الطبيعية بين الدول. ألم تكن بعض الدول توظف الورقة العروبية ضد الأنظمة؟ ألم يكن التوجه القومي جزءا من استراتيجية العديد من الأنظمة حتى التي ليس لها علاقة بالعربية والعروبة؟ أليست الورقة الإسلامية بكل تمثلاتها وتأويلاتها ورقة في يد الدول المختلفة توظفها حسب المصلحة؟ والتجربة التركية خير النماذج، حيث يوظف العرق أو اللغة أو الدين حسب الحاجة الاستراتيجية. فالقضية هي أعمق من التناول السطحي العرضي للأحداث. لكن الذي يهمنا في هذا السياق هو أن التركيز على هذه الاستثناءات وتسليط الضوء على الآراء الشاذة هو الذي يثير الصخب الهوياتي ويشغل الرأي العام بقضايا الذات بدل الانشغال بقضايا التأسيس ويساهم في تشظي الهوية المغربية إلى هويات. فمواجهة هذا الخطر لا تكون من خلال نقد الأمازيغية واستدعاء الخلافات القديمة والاستثناءات المرصودة والنقاشات التي لن تفيد في تغيير الواقع، ولو كانت من باب البحث العلمي، ولكن من خلال احتضان الرصيد الوطني من الفعاليات الأمازيغية، وهم الأغلب الأعم. لأن بين الباحثين المؤمنين بالأمازيغية والمشتغلين في قضاياها رجال مخلصون لوطنهم ودينهم، ومن بين أبناء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حفظة لكتاب الله وعلماء يشتغلون في هدوء، ومن بين النشطاء في الأمازيغية مؤمنون بالقضية الفلسطينية ومنافحون عنها. لكن تصويب سهام النقد والتجريح يجمع الكل في مرمى واحد، ويلغي التمييز ، ويفقدنا أهداف المشترك الوطني الذي كانت العربية والأمازيغية، ومازالتا على الدوام ركناه الأصيلان.
لقد آن الأوان أن ننتهي من هذا الصراع الهوياتي ونفتح الباب لنقاش متوازن وهادف دون صخب او استدعاء لقضايا الخلاف التي يمكن أن تجد حلها في مظانها.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







