ناقش مسؤولون وخبراء قانونيون، أمس السبت، آفاق تطبيق العقوبات البديلة ونظام التخفيض التلقائي للعقوبة، خلال ندوة علمية احتضنها الرواق المشترك للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، ضمن فعاليات الدورة الـ31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب، وذلك في سياق النقاش المتواصل حول تحديث السياسة العقابية بالمغرب والانتقال نحو عدالة ذات بعد إصلاحي وتأهيلي.
وشكل هذا اللقاء مناسبة لتسليط الضوء على الأبعاد القانونية والفلسفية للعقوبات البديلة، وكذا آليات التخفيض التلقائي للعقوبة، باعتبارهما من أبرز المستجدات التي حملها الإصلاح الجنائي المغربي، في ظل السعي إلى الحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية وتعزيز فرص إعادة الإدماج.
وأكدت السيدة فاطمة الزهراء بنسعيد، رئيسة شعبة الإجراءات الجنائية وحقوق الإنسان بقطب القضاء الجنائي لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة يمثل “تحولا استراتيجيا” في السياسة العقابية، بعدما أظهرت العقوبات السالبة للحرية محدوديتها في تحقيق الردع والإصلاح، وما ترتب عنها من آثار اجتماعية وإنسانية، من قبيل ارتفاع نسب العود وتفكك الأسر.
وأوضحت أن القانون الجديد يكرس فلسفة العدالة التصالحية من خلال إشراك المحكوم عليه في تعويض الضرر أو تقديم خدمة للمجتمع، انسجاما مع قواعد طوكيو الأممية التي تعتبر السجن “الملاذ الأخير”. كما كشفت أن المجلس أعد دليلا عمليا من حوالي 500 صفحة لتأطير تنزيل المقتضيات الجديدة، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية للقضاة ومواكبة البنيات القضائية المختصة.
واستعرضت المتحدثة أصناف العقوبات البديلة التي أقرها المشرع المغربي، وتشمل العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق، والغرامة اليومية، مع استثناء جرائم محددة من الاستفادة منها، من بينها الجرائم الماسة بأمن الدولة والاتجار الدولي في المخدرات والاستغلال الجنسي للقاصرين.
من جانبه، أكد السيد مراد العلمي، رئيس قطب الدعوى العمومية وتتبع تنفيذ السياسة الجنائية وتحليل ظاهرة الجريمة لدى رئاسة النيابة العامة، أن اعتماد العقوبات البديلة جاء استجابة لانتقادات متزايدة مرتبطة بالاكتظاظ السجني، وامتثالا للمعايير الدولية وتوصيات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة.
وأوضح أن هذه العقوبات تهم الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها خمس سنوات حبسا، مع استبعاد حالات العود القانونية، مبرزا أن قاضي تطبيق العقوبات يضطلع بدور أساسي في استبدال العقوبات الحبسية بعقوبات بديلة وفق معايير اجتماعية وصحية وسلوكية.
وكشف العلمي أن المحاكم أصدرت إلى حدود أبريل الماضي نحو 2600 مقرر قضائي في إطار العقوبات البديلة، شملت الغرامات اليومية والعمل للمنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية، مشيرا إلى أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بترسيخ ثقافة مجتمعية تؤمن بإعادة التأهيل والإدماج بدل الاقتصار على العقاب التقليدي.
وفي محور آخر من الندوة، تناول السيد هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، نظام التخفيض التلقائي للعقوبة، معتبرا إياه مستجدا قانونيا يقوم على الموازنة بين الشرعية الجنائية وتفريد العقوبة.
وأوضح أن هذا النظام يتيح تخفيضا تلقائيا للعقوبة بمجرد استيفاء السجين شروطا قانونية محددة، دون الحاجة إلى مساطر معقدة، مع بقاء سلطة الرقابة لقاضي تطبيق العقوبات في حال الإخلال بالضوابط.
وأشار المسؤول بوزارة العدل إلى أن أكثر من 88 ألف سجين استفادوا من هذا النظام منذ دخوله حيز التنفيذ، ما أسفر عن الإفراج الفوري عن حوالي 9 آلاف سجين، معتبرا أن هذا الإجراء ساهم بشكل مباشر في التخفيف من الاكتظاظ داخل السجون.
من جهته، شدد الأستاذ الجامعي بجامعة جامعة محمد الخامس عبد الجليل عينوسي على أن العقوبات البديلة تستند إلى فلسفة إصلاحية تعتبر العقوبة وسيلة لإعادة الإدماج وليس فقط للردع، مبرزا أن العقوبات الحبسية القصيرة المدة أثبتت محدوديتها وأحيانا آثارها السلبية على السجين وأسرته.
وأكد المتحدث أن نجاح هذا التحول التشريعي يقتضي تطوير الرعاية اللاحقة وتعزيز آليات الصلح الجنائي، محذرا من اختزال العقوبات البديلة في الغرامات المالية فقط، على حساب العمل لأجل المنفعة العامة الذي اعتبره الأكثر انسجاما مع فلسفة الإصلاح وخدمة المجتمع.
.jpg)
منذ 1 ساعة
6







