لقاء سهيل القش

منذ 2 سنوات 5
ARTICLE AD BOX

هناك أصدقاء نلتقيهم في وقت متأخر، وفي اللحظة التي نكون قد فقدنا فيها كل أمل في الصداقة. “آه يا أصدقائي أين الصديق؟” سيسأل مونتاني ومن قبله التوحيدي، وسيحذرنا أرسطو في وقت مبكر من كثرة الأصدقاء، لأن الأمر يتجاوز قدرة الانسان على الوفاء بحقوق الصداقة، بل ويؤكد أمراً ، وهو أن الصداقة لا تقوم إلا في سياقات تكون فيها السلطة ضعيفة، وهي جملة يمر عليها قراء “أخلاق نيقوما”، دون أن ينتبهوا إليها، ولكني لست هنا بصدد مناقشة فلسفات الصداقة على قلّتها، ولست البتة بصدد تقديم شهادة بحق صديق، فقد يكون الصمت اليوم أكثر تعبيراً عن الصداقة. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكنني إلا أن أكون شاكراً له والذي عبره فتحت أعيني على عوالم وأسئلة أخرى كنت أجهلها. فالصديق هو من يخرجك من نفسك، ومن ذلك الاختناق في الذات. وهذا هو سهيل القش. إنه من تلك النوعية النادرة، والتي في أعلى درجات تماهيها مع ثقافتها ووطنها وناسها، لا يقف المرء عندها على انتماء ضيق أو طائفية بغيضة ما زالت تسكن بعضا ممن يُحسبون عندنا على الثقافة والفكر، بل نحن أمام التزام يتأسس على روح كوسموبوليتية، إو بالأحرى على كوسموبوليتية نقدية، وعلى انتماء إلى العالم، وإلى الإنسانية، ولمن يرى بأن “من يقول الإنسانية، يقول الخديعة”، وأعني هنا الفقيه النازي كارل شميث، نرد عليه، بما كتبه هرمان كوهين من أن “الرب لم يخلق إنسانيتين”. وسهيل القش واع بذلك وهو يدرك، رغم كل النقد الذي يوجهه للمركزية الغربية، بأن مستقبل العرب في الالتحاق بالحداثة ومنجزها السياسي والابستمولوجي والقيمي وليس في الكفر بها.

آراء أخرى

  • في ذكرى 31 يوليوز 1984، ما الحصيلة؟

  • زيارة كيسنجر للصين ومحاولة تحيين مخرجات زيارته السرية لبكين عام 1971

  • قرْنٌ و26 عَاماً مرّت على ظُهور شخصيّة دْرَاكُولاَ المُرْعِبَة

إن ما أريد أن أتوقف عنده في هذا المقال، هو موقف مفكر عربي، منفي، من قضايا العرب اليوم، وقضايا بلده خصوصا. لا نمتلك كلنا ترف الهجرة بلا عودة. هناك أمرٌ يظل يُلح علينا، تذكرنا به العنجهية الغربية أحيانا، ومآسي أوطاننا أحيانا أخرى. نعم، من حقنا أن نختار أوطاننا.. نظريا على الأقل، ونحن لا نشعر بالمواطنة إلا في سياق يريدنا مواطنين لا رعايا، وإلا في سياق نستنشق فيه الحرية وليس الوصاية.. إننا نعرف أنها “حرية صعبة”.. . وأنها مغمسة بالبرد والعنصرية والتهميش، ولكن لماذا نريدها رغم كل شيء؟! ومع ذلك فإن المثقف العربي يفقد الكثير في ديار الغربة.. وأول ما يفقده، أسئلته الحقيقية.. تلك الأسئلة التي يمكننا أن نصفها بأنها من لحم ودم. فكثيرا ما يضطر هذا المثقف للانخراط في أجندة الاستشراق المُسيّسة، ويتماهى بالدور الذي يريده له الخطاب الرسمي.. سيخطئ من يعتقد بأن هناك مكانا للعربي في الفضاء العام بأوروبا.. إننا أمام مونوديمقراطية، والتدخلات التجميلية لا يمكنها أن تخفي ذلك.. الشخصيات الكاريكاتورية من العرب، والتي صنعها الإعلام الغربي، تبعث أكثر على الشفقة. إن من يجرؤ على نقد خطاب المركزية الغربية، سيموت جوعاً وبوسائل ديمقراطية! ولربما نحن نشهد اليوم نهاية وهم أو نهاية حلم اسمه أوروبا بالنسبة للمثقف العربي. أجل، إنه لا يمكننا إلا أن نتعلم من التجربة الغربية ومن الثقافة الغربية، ولكنّا سنكون واهمين إذا اعتقدنا بأنه يمكن لنا أن نكون طرفا فعالا في هذه التجربة كما كان اليهود يوما طرفا فيها. إن مهمة المثقف العربي في المنفى ستكون لا ريب، ويتوجب أن تكون، التفكير في مصير وطنه، فهو يمتلك حرية للتفكير في ذلك المصير لا يمتلكها آخرون ممن يقبعون تحت نير السلطوية. وهذا بالضبط ما انتبه سهيل القش إليه في منفاه الكندي. ظل في تلك السنوات الطويلة التي قضاها في جامعة لافال بكندا أستاذا للفلسفة السياسية، وعلى الرغم من انخراطه في الأجندات البحثية المرتبطة بالسياق الغربي، يحرص دوما على البقاء قريبا من المشرق العربي وقضاياه وأسئلته. إن كتابه: “المرآة المتكسرة. تشظي الكيان اللبناني” (رياض نجيب الريس 2022)، والذي جاء ثمرة إقامة بحثية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، خيرُ شاهد على ذلك. إننا نقف أمام قراءة معقدة، هي تعبير عن تعقيد الشرق المعاصر، وحتى وإن كان تركيز الكتاب على لبنان، وهو أشبه بالوصية السياسية إلى هذا البلد، يكتبها مفكر لبناني اضطر للهروب من بلد دمّرته الطائفيات والتدخلات الإقليمية والدولية، فإن الحديث عن لبنان يعني بالضرورة الحديث عن كل المشرق العربي أو ما تبقى منه، وهو ما يستدعي أيضاً الانفتاح على مختلف السرديات الغربية والعربية المتعلقة بهذا البلد والمشرق العربي والإسلام عموما. وما يميز هذا الكتاب هو أساسه النظري الصلب، فالقش يتعرض، وبروح نقدية، لمختلف السرديات التي تعرضت للبنان، الكاثوليكية والماركسية والاستشراقية، وما يطبع هذه السرديات عموما هو مركزيتها الغربية ونظرتها الخطية للتاريخ، وتصورها الدوني عن الآخر، ويتوقف عند أسئلة ما زالت تُلحّ علينا، من قبيل: “هل انتفضت الشعوب العربية لتبني مستقبلا نموذجه الغرب، أم أنها انتفضت دفاعا عن ماض ثقافي كان مهددا بالتفوق التكنولوجي الغربي ومؤسساته الديمقراطية؟” أو السؤال عما إذا كانت الحداثة الغربية “في علاقتها بالمجتمعات غير الحديثة، تتوخى تعميم نموذجها وتلقين الشعوب المغلوبة الأسرار العلمية والتكنولوجية التي تضمن تفوقها؟”، ومُعرّجاً على الأسس الفلسفية – الهيغلية – للمركزية الغربية، والتي ستتحكم في رأيه “بمعظم سرديات الاستشراق الأيديولوجي التي خلقت شرقا خياليا لا يعدو كونه شيئا خاضعا للبحث”، أو شرقا غير قادر على التفكير وعاجز عن الابداع، كما سيدعي ارنست رينان وكثير غيره، أو حجر عثرة أمام “التقدم الأوروبي” مع ماركس.

يتوقف سهيل القش في الجزء الثاني من كتابه أمام الوضع اللبناني الشديد التعقيد ومحيطه الاقليمي، مخصصا فصلا كاملا لما يسميه بـ “المقتلة السورية” وتأثيرها على لبنان، ومقارنا “بين تحليل سمير أمين الماركسي لكل من سورية والعراق في زمن البعث، وتحليل ميشال سورا الخلدوني لـ “دولة التوحش””، مُنتصراً لتحليلات سورا، والتي برأيه “تلقي ضوءا على البنى السياسية الماقبل رأسمالية التي تغيب عن المفاهيم الماركسية التي استخدمها سمير أمين، كمفهوم البورجوازية الوطنية أو رأسمالية الأطراف، والتي تبدو وكأنها تتحدث عن بلد رأسمالي غربي تقتصر مشاكله السياسية على الإصلاح الزراعي.”، قبل أن ينتقل لتقديم قراءة للكيان اللبناني من خلال مفاهيم أربعة: “المقاطعجي”، “الملة”، “المدبر” و”الطائفة”، وإذا كانت المفاهيم الثلاثة الأولى تنتمي إلى عصر سابق على الحداثة، فإن الطائفية تعبر عن ذلك التناقض الشديد للمشروع التحديثي في لبنان، والذي يريد الحداثة ولكن في ظل الحفاظ على الطائفية، وكل ذلك بدعم فرنسي أيضا. ولكن هل لنا أن نندهش مثلا من هذا الدعم الفرنسي؟ إننا نعرف كيف حدّث الاستعمار الفرنسي خطاطة “الشيخ والمريد” في المغرب مثلا، وكيف دعم البريطانيون القوى الارتكاسية في مختلف مستعمراتهم ومنها مصر، وذلك ليس فقط من أجل حرماننا من الحداثة وقيمها. وإذا كانت الطائفية، كما يعرفها عزمي بشارة، “تعكس وظيفة الهوية بإحلالها محل القيم، والتعصّب محل المعايير الأخلاقية، ما يؤدي إلى طمس الحدود بين الخير والشر والفضيلة والرذيلة، وإحلال الحدود بين “نحن” و”هم” في مكانها”، فإنها بذلك تعكس أيضا الحدود بيننا وبين الحداثة. ولكن الطائفية لاتكتفي بذلك، فهي، في الآن نفسه، تحرمنا أيضا من حقنا في التقاليد، ومن معرفة علمية بها. ذلك أن الطائفية السياسية تعمل على أسطرة الماضي وأدلجته وتسييسه، لتحوّله بذلك إلى عقبة أمام بناء مستقبل مشترك، إذ كما كتب محمد عابد الجابري: “فإن التراث في المجتمع الطائفي ليس واحداً والأصول ليست هي هي، أو على الأقل لا يتم الارتباط بها بالحماس نفسه ولا بالرؤية نفسها، بل كثيراً ما يحدث، وهذا ما حصل بالفعل، أن تعطى الأولوية ليس للصراع ضد “الآخر” أو من أجل تجاوز الماضي إلى المستقبل، بل للصراع من أجل “الأصول” نفسها”.

لا يمكن لهذا المقال القصير أن يحيط بأسئلة هذا الكتاب وأفكاره ومشاربه الفكرية، فلا يعدو أن يكون الأمر مجرد بطاقة تحية إلى صديق، منفي في الشمال الأمريكي، ومع ذلك لا بأس من أن أنوه بأمر يتضح لكل قارئ متفحص، وهو أن هذا الكتاب ليس كتابا حول لبنان فقط، بل إننا نتعلم من هذه القراءة التي يقدمها سهيل القش للوضع اللبناني والوضع في المشرق العربي عموما، الشيء الكثير عن مجتمعاتنا العربية والتي مازالت تراوح بين الحداثة والتقليد، وتتبنى التحديث ضد الحداثة، وتمارس التقليدانية ضد التقاليد.

المصدر