لطيفة الفن والتعليم بالوكالة

منذ 1 سنة 2
ARTICLE AD BOX

عبد الرحيم أبو عزيز

لطيفة الفن والتعليم بالوكالة

الإثنين 20 يناير 2025 | 09:28

أثار تعيين الممثلة لطيفة أحرار عضوا بمجلس إدارة الوكالة الوطنية لتقييم وضمان جودة التعليم العالي والبحث العلمي ردودا من الأفعال المتباينة توزعت بين مناوئ لأحقيتها في التعيين، وبين مؤيد يظهر جدارتها وحنكتها اعتبارا من كونها تدير مؤسسة تعليمية فنية هي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وبين ساخر ومنتقص منها انطلاقا من تقييمه الشخصي لما تقدمه من فن، وخرجت هي مدافعة عن نفسها بكون الجمهور يجهل “مسارها العلمي والأكاديمي الثري”، مضيفة: “تواجدي به يظهر أنني اشتغلت على نفسي وأجتهد”.

آراء أخرى

  • ألفريد جوزيف ناكيت والحركة الصهيونية

  • حزب العدالة والتنمية.. من الإنقاذ إلى استعادة المبادرة

  • لا لتحجيم الحق في الإضراب!

لكن الأسئلة الحقيقية التي كان يجب طرحها هي: ما هي القيمة المضافة التي ستقدمها لطيفة أحرار إلى التعليم؟ وما هو مشروعها البيداغوجي والأكاديمي الذي تروم تطبيقه في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي؟ وما هي الآليات التي ترى أنها ستضمن من خلالها جودة ونجاعة هذه البرامج؟

في الحقيقة إن تعيين لطيفة أحرار في هذه الوكالة -من حيث المبدأ- ليس فيه ما يعيبه اعتبارا من كونها فنانة، ذلك أن هناك حاجة لتعليم الفنون كما هناك حاجة إلى تعليم العلوم، واعتبارا لكون أننا في حاجة ملحة إلى التربية الجمالية والفنية التي ستمكن النشأ من تعليم متوازن، لتتسنى له تنشئة سوية ومتكاملة، وتنمي لديه ملكات تذوق شتى أنواع الفنون، وصقل مواهبه لتصل بها إلى درجة الإبداع.

لكن الرافضين لهذا التعيين لديهم من الحق الشيء الكثير، رغم حجاجهم الضعيف ورفضهم العابر، وانتقالهم إلى نقاش آخر كما هو الشأن في كل كَرَّةٍ مع أي موضوع يطفو على السطح، فبدل تنميته ليصبح نقاشا مجتمعيا وحوارا بناء يكون له دوره في بناء نسيج مجتمعي واع وفاعل، سرعان ما يتحول النقاش إلى موضوع آخر، متناسين القضايا المهمة والأسئلة الحرجة كما هو الشأن بخصوص تعيين لطيفة أحرار في مجلس إدارة الوكالة، التي تحوم حولها الكثير من الأسئلة أعلاها ما الفائدة من وجود الوكالة في ظل وجود الوزارة الوصية على قطاع التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر؟ وفي ظل وجود لجان علمية في كل مؤسسات التعليم العالي؟ بل وفي ظل وجود المجلس الأعلى للتربية والتعليم والبحث العلمي؟

إن تفريخ مثل هذه المؤسسات القرعاء يكاد في بلادنا هواية كل مسؤولين حكومي، حيث تخرج نصوصها القانونية والتنظيمية بسرعة وتخبط، وذاك ما يفسر السرعة التي تم بها نسخ النصوص القانونية المنظمة للوكالة في ظرف وجيز، رغم أنها لم تقم بأي دور، اللهم توزيع المناصب تارة من خلال التعيين وتارة أخرى بالترشيحات التي لا تخضع إلى كثير تمحيص ولا مراقبة، لأنها تنطلق من مبدأ التعيينات في المقربين أولى، وأن المنع والحظر هو نصيب كل من سولت له نفسه التصدي للبرامج والمشاريع التي تصرف عليها ملايير الدراهم، ليظهر فيما بعد عدم جدواها، واتهام المسؤولين عنها بالاختلاس ونهب ميزانيتها، والسمسرة في صفقاتها العمومية، كما جرى في ميثاق التربية والتعليم وفي المخطط الاستعجالي.

إن هذه الوكالة ليست بدعا من هذه المؤسسات التي تسمى مؤسسات الحكامة الجيدة، حيث تشهد تخبطا وارتباكا غير مبرر، فبالنظر إلى منظام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي نجد أن الوكالة تعتبر من الهيئات التابعة للوزارة الوصية، لكن قانون الوكالة ينص على أن مجلس إدارتها يرأسه رئيس الحكومة وليس الوزير الوصي عن القطاع، ولا غرو في ذلك إذا علمنا أن الذي وقع على إصدار القانون هو رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران المشهود له بحبه الكبير للزعامة، وتضم في عضويتها رئيس المجلس الأعلى للتربية والتعليم والبحث العلمي، الذي يعد بدوره من مؤسسات الحكامة الجيدة، والذي أنيطت به أدوار تتعلق بتقييم التعليم والبحث العلمي، والذي يضم في منظامه هو الآخر هيئة قارة مهمتها هي العمل على تقييم البرامج التعليمية والبحث العلمي، لكن الغريب هو التنصيص على أنه من الممكن للوكالة أن تقوم بطلب من المجلس الأعلى بتقييم البرامج التعليمية لفائدته، مما يبرز أنه هناك ازدواجية وتداخلا غير سليم بين هذه المؤسسات التي من المفترض أنها يجب أن تحظى بالاستقلالية التامة في الاضطلاع بأدوارها التي أنشئت من أجلها، فلا يعقل أن تطلب الحكومة رأي المجلس الأعلى للتربية والتعليم بخصوص تقييم البرامج التعليمية والبحث العلمي، فيتقدم هو الاخر بطلب إلى الوكالة التي يرأسها رئيس الحكومة وتعد هيئة من الهيئات التابعة للوزارة الوصية قصد تمكينه من هذا التقييم رغم أن ذلك من أدواره الرئيسية، هذه الدائرة المفرغة تبرز بجلاء أن كل تقييم للتعليم والبحث العلمي لا يرقى أن يكون مجرد استقراء سطحي للمعطيات والأرقام والميزانيات المرصودة له، إلى أن تفضحها التصنيفات العالمية التي تصدر كل سنة، حيث لا تجد ولا جامعة مغربية واحدة من ضمن 1000 جامعة، بل تجد جامعات ببلدان تعيش تحت ويلات الحروب وعدم الاستقرار تتفوق بفوارق كبيرة عن جامعاتنا المغربية.

كان من الممكن اعتبار تعيين لطيفة أحرار عضوا في الوكالة بحكم تخصصها الفني من باب الحاجة إلى إعداد برامج تعليمية توافق بين التحصيل العلمي والتربية الفنية الجمالية، من خلال تأسيس محترفات المسرح والموسيقى، كما هو الشأن في مصر، حيث لا تكاد تجد فنانا ولا مطربا غير حاصل على درجة علمية تحصل عليها بالموازاة مع تحصيله العلمي في الجامعة، فيما كان ركح المسرح الجامعي منبع إشعاعه الثقافي، ومهنته المستقبلية.

غير أن جامعاتنا الغارقة في الفساد كما اندلع ذات يوم فضيحة الجنس مقابل النقط، وحيث تجد الكثير من البحوث المسروقة، وتجد أساتذة جامعيين يبنون أطروحاتهم وكتبهم على بحوث طلبتهم، وأساتذة يسمون باحثين لا يكتبون مقالا أكاديميا واحدا، وأساتذة ينتهجون مبدأ بضاعتنا ردت إلينا مانعين الطلبة من الاجتهاد خارج ما يدرسونه لهم في اغتيال صريح لمبدأ أصيل في الجامعة وهو البحث العلمي، وفي غياب أي أنشطة رياضية أو فنية موازية لعملية التعلم تمكن الطلبة من بناء فكري وعلمي متوازن ورصين.

كان من الممكن أن يكون تعيين لطيفة أحرار لَطِيفَةً تحسب لهذه الحكومة، إن كان المراد به تمكين الطلبة من التعرف على المهن الفنية، والمشاركة في محترفات المسارح والموسيقى وباقي الفنون، لكنه يظهر أن الغاية منه سوى مَلْءِ الفراغ بما لا يناسب، وتسمين للحسابات البنكية بالباطل، دون غاية ترجى، ودون القيام بأدوار تنفع، حيث أن هذه الوكالة تعتبر قرعاء وعاجزة عن القيام بمهامها المنوطة بها، فالتقرير الوحيد الذي قامت به منذ إنشائها سنة 2014 يعود إلى سنة 2017 والذي اقتصر على بعض المسالك فقط، واعتمدت فيه على انتداب الأساتذة الجامعيين في كل تخصص ليقوموا بتقييم برامج بعضهم البعض في مؤسسات جامعية لا يعملون بها، وفي غياب أي تقرير آخر لا يمكن الوقوف على التوصيات والخلاصات التي انتهى إليها التقرير، لأن العجز الحقيقي مازال قائما، وهو عجز مؤسساتي في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية للنهوض بقطاع التعليم ككل بدل إلصاق العيوب في مؤسسات معاقة وقرعاء غير قادرة على العمل وتتقاطع مع مؤسسات أخرى متمثلة المثل القائل تشبث غريق بغريق.

المصدر