ARTICLE AD BOX
عبد الصمد بنشريف
لامين جمال وعلم فلسطين: حين يتحول التضامن الإنساني إلى تهمة
الثلاثاء 12 ماي 2026 | 17:44
تحوّل رفعُ علم فلسطين، في زمن الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي يطبع جزءًا واسعًا من المشهد الغربي والإسرائيلي، من تعبير إنساني بسيط عن التضامن مع شعب تحت الاحتلال، إلى “جريمة رمزية” تستوجب التخوين والتحريض والشيطنة. وما تعرض له لامين جمال بعد تلويحه بالعلم الفلسطيني خلال احتفالات فريقه برشلونة بالتتويج بالدوري الإسباني، يكشف إلى أي حد أصبحت الآلة الدعائية الصهيونية عاجزة عن تقبل أي موقف إنساني لا ينحاز لروايتها المطلقة.
آراء أخرى
فجأة، تحوّل لاعب شاب، كان إلى حدود الأمس القريب معجزة كروية تسحر الجماهير وتبهر العالم بموهبته الاستثنائية، إلى “متطرف” و”مستفز” و”مثير للاشمئزاز”، وقد يُتهم بمعاداة السامية، فقط لأنه رفع علم شعب يعيش تحت الاحتلال والحصار والقتل اليومي. لم تعد مهارات لامين جمال ولا أهدافه ولا مراوغاته تهمّ. صار كل شيء فيه موضع شبهة: أصوله المغربية، خلفيته الإسلامية، عائلته، وحتى مشاعره المفترضة ونواياه الباطنية.
هذا الانزلاق الخطير من نقد موقف سياسي إلى محاكمة الهوية والانتماء، يكشف الطبيعة العنصرية والشوفينية للخطاب الصهيوني المتطرف، الذي لا يرى في التضامن مع فلسطين موقفًا أخلاقيًا مشروعًا، بل يعتبره تهديدًا وجوديًا ينبغي سحقه. لذلك لم يكن غريبًا أن تصف بعض المنابر الإسرائيلية رفع العلم الفلسطيني بأنه “تلويث” لفرحة التتويج، أو أن يُنعت اللاعب بـ”العار” لأنه تجرأ على حمل “علم منظمة التحرير”، في محاولة متعمدة لمحو اسم فلسطين ذاته، وكأن الاعتراف بالعلم اعتراف بالشعب والدولة والحق التاريخي.
إن جزءًا كبيرًا من النخبة السياسية والإعلامية في إسرائيل لا يؤمن أصلًا بفكرة وجود شعب فلسطيني له حق في الأرض والحرية والدولة. ولهذا فإن أي تعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين يُستقبل باعتباره انحيازًا إلى “أعداء إسرائيل”، لا باعتباره موقفًا إنسانيًا من مأساة مستمرة منذ عقود. ومن هنا نفهم كيف تم تقديم لامين جمال في بعض المنابر كشخص “متطرف” فقط لأنه رقص بعلم فلسطين، وكيف تحوّل شاب في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره إلى هدف لحملات كراهية وتحريض بلغت حد الدعاء عليه بالإصابة ومنع مشاركته في كأس العالم.
ولعل أكثر ما يكشف الانحدار الأخلاقي الذي أصاب بعض الأصوات الإعلامية والسياسية، هو ذلك التماهي الصريح مع خطاب الحقد والرغبة في الانتقام من أي شخصية عامة تخرج عن “الإجماع” المطلوب. فعندما يتمنى صحافي إصابة لاعب شاب فقط لأنه عبّر عن تعاطف رمزي مع الفلسطينيين، فإننا لا نكون أمام اختلاف في الرأي، بل أمام سقوط مدوٍّ للقيم الإنسانية نفسها.
ومع ذلك، فإن الضجيج التحريضي لم ينجح في حجب قوة الصورة ولا دلالتها الرمزية. فالصورة التي ظهر فيها لامين جمال حاملًا العلم الفلسطيني لم تُقرأ فقط باعتبارها موقفًا سياسيًا، بل باعتبارها لحظة إنسانية صادقة اختزلت إحساس أجيال كاملة بالظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. لذلك احتفت بها وسائل إعلام إسبانية، وتداولتها شخصيات ومؤسسات عديدة باعتبارها تعبيرًا عن شجاعة أخلاقية أكثر منها استفزازًا سياسيًا.
لقد قيل مرارًا إن التضامن مع فلسطين لا يحتاج إلى انتماء ديني أو قومي أو أيديولوجي، بل يكفي أن يمتلك الإنسان حدًا أدنى من الحس الإنساني والقدرة على رؤية المأساة كما هي. فمن الصعب على أي ضمير حي أن يتابع مشاهد القتل والتهجير والحصار والتجويع والاستيطان دون أن يشعر بأن هناك ظلمًا تاريخيًا مستمرًا. والمشكلة أن السردية الصهيونية المتطرفة لا تكتفي بتبرير هذا الواقع، بل تسعى إلى فرضه باعتباره الحقيقة الوحيدة المسموح بها، حتى لو اقتضى الأمر شيطنة كل من يجرؤ على التعاطف مع الضحايا.
إن الحديث عن فلسطين، بالنسبة لكثيرين، ليس ترفًا أيديولوجيًا ولا موضة عابرة، بل تجربة ووعي ومسار طويل من الاحتكاك المباشر بالواقع. فعندما يزور الإنسان غزة، ويتنقل بين جباليا وبيت لاهيا ومخيم الشاطئ ورفح ودير البلح، ويرى بأم عينه كيف يعيش الناس تحت الحصار والخوف والفقر والموت، كما عاينت ذلك شخصيًا، تصبح القضية أكثر من مجرد عناوين أخبار. وعندما يعبر جسر الملك حسين ويشاهد الإذلال اليومي الذي يتعرض له الفلسطينيون، أو يقف أمام جدار الفصل العنصري ويرى كيف يتحول الاحتلال إلى نظام كامل للعزل والقهر، فإنه يدرك أن ما يجري ليس “نزاعًا معقدًا” كما تحب بعض الدوائر الغربية أن تصفه، بل واقع استعمار وتمييز وهيمنة.
لقد التقيت، في إطار مهني، على غرار عدد من الصحافيين، بمسؤولين من مختلف الفصائل والمستويات، من السلطة الفلسطينية إلى حركة فتح وحركة حماس والجبهة الشعبية وغيرها، كما التقيت أيضًا بأصوات إسرائيلية حرة وشجاعة، مثل الصحافية الإسرائيلية عميرة هاس، التي ما تزال تدافع عن الحقوق المشروعة للفلسطينيين من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. وهذا وحده يكفي ليفضح زيف الادعاء القائل إن كل متضامن مع فلسطين هو بالضرورة “متطرف” أو “إرهابي”.
إن المواقف الحقيقية لا تولد من فراغ، بل تتشكل عبر التجربة والمعرفة والمعاناة والاحتكاك المباشر بالواقع. وما يكتبه الصحافي أو المثقف أو الشاعر حول فلسطين ليس مجرد شعارات عابرة، بل امتداد لقناعات فكرية وأخلاقية تشكلت عبر الزمن، وأحيانًا عبر تجارب شخصية مؤلمة، من الاعتقال والاستنطاق والتضييق بسبب قصيدة أو موقف أو كلمة.
ولهذا فإن الكتابة عن فلسطين تظل، بالنسبة لكثيرين، دفاعًا عن فكرة العدالة ذاتها، وعن حق الإنسان في أن يكون حرًا في أرضه وذاكرته وتاريخه. كما أن ممارسة الصحافة نفسها تفقد معناها إذا انفصلت عن القيم الكبرى: الحقيقة، والكرامة، ورفض الظلم، والانتصار للإنسان أيًا كانت هويته.
أما أخطر ما يعيشه العالم اليوم، فهو هذا التآكل الأخلاقي الذي جعل بعض وسائل الإعلام الغربية، ومعها جزء من النخب السياسية والثقافية، تتعامل مع المأساة الفلسطينية بازدواجية فاضحة. إذ تُرفع شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية حين يتعلق الأمر بقضايا معينة، لكنها تتبخر فجأة حين يصبح الضحية فلسطينيًا.
وربما لهذا السبب بالذات أثارت صورة لامين جمال كل ذلك الغضب؛ لأنها أعادت التذكير، ببساطة وعفوية، بأن فلسطين ما تزال حاضرة في الضمير الإنساني، وأن علمها ما يزال قادرًا على فضح التناقضات الكبرى لعالم يدّعي الدفاع عن القيم، بينما يصمت أمام واحدة من أطول المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
.jpg)
منذ 4 ساعات
3







