ARTICLE AD BOX
حين وفدت الحداثة نحو مجتمعات الظل، كانت تستفسر في تحققها عن عاملين أساسيين: أولهما قدرة الوافد الجديد على الالتزام بالقيم المرجعية خارج مداراته، وثانيهما يتحسس قدرة المجتمعات التقليدية على استيعاب الوضع الجديد. وللأسف، لم تنشأ العلاقة بينهما على ود ووفاق، بل رافقتهما خطيئة النشأة حين ارتمت الحداثة في حضن مشروع كولونيالي يبحث عن الأسواق والأرباح، ولا يكترث لقيمة الإنسان وثقافته وهويته.
آراء أخرى
وكان طبيعيا أن تتصدى المواقف السلبية لهذا المشروع في المجتمعات العربية الإسلامية، عكس ألمانيا التي شكا مثقفوها من تأخر تاريخي سحيق، وسرعوا من عملية الالتحاق بقطار الحداثة الغربية، والشأن نفسه حدث لشعوب أمريكا الشمالية. والواقع أن اقتران الحداثة بالاستعمار هو ما أحيا نزعات الهوية والقومية، وجذر نزوعات الاحتماء بالماضي؛ حتى لا تنسحق المجتمعات التقليدية في صيرورة التغريب. وفي اللحظة التي وعت فيها الذات ذاتها، وسرى في أوصالها عمق الإحساس بالتفاوت، كان الموروث التاريخي قد استثقل على الجميع، وحكم على مشاريع الإصلاح بالعطالة الدائمة.
وعلينا أن نعود إلى هذا اللقاء؛ لقاء التقليد بالحداثة الذي كان قد بدأه ماكس فيبر قبلا، من أجل القول بأنه صاغ وضعا تاريخيا مركبا، ورسم مسارين متضادين: مسار التكيف ومسار التصادم، وجعلهما في مواجهة أربعة عوامل مهيكلة للفهم: عامل تاريخي-سياسي، وعامل سوسيو-اقتصادي، وعامل أنثروبولوجي، وعامل أيديولوجي-ثقافي.
لم تهتد حركات التحرر الوطني إلى توحيد الصورة الذهنية، وظلت تنسج صورتين متناظرتين: صورة أوروبا الظالمة (مغتصبة الحقوق)، وصورة أوروبا المستنيرة (حاملة القيم الأنوارية). وفي هذا السياق، يحفر العروي في هذه اللحظة عميقا، ويوجه عنايته إلى أسئلة الإستوغـرافيا (التأريخ) أكثر من الأسئلة الأنثروبولوجية التي تنسحب على لحظة مخصوصة دون أن تهتدي إلى الإحاطة بالنسق العام والقبض على بنيته الكلية.
يدقق العروي في مفهوم الوطنية (Nationalisme)، ويرغب في أن يُبدي تميزه حين يحيطه بدلالتين مترادفتين: وطنية تكتيكية، ووطنية تاريخية. ويقول في هذا الشأن: “لقد بدا لنا ضروريا أن نميز بين ما نسميه بشكل عام وطنية، وهي تعني حركة سياسية محددة من خلال إطار كولونيالي، وبين الرحم التاريخي الذي يستطيع وحده أن يمنحها قدرتها الانتشارية وقوتها في التجذر. إنها بذلك، تعكس وجود بنية اجتماعية، ليست أبدا راهنة، إذ يمكن لكل الطبقات، وفي كل لحظة تاريخية محددة، أن ترى فيها ذاتها، وهي ليست أيديولوجيا من الأيديولوجيات، بل إنها الأيديولوجيا بامتياز”.
.jpg)
منذ 2 ساعات
2







