ARTICLE AD BOX
أكتب هذه الخاطرة المسبحة بحمد ربها، الراضية بقضائه، وأنا أنتعش بدعوات الخير منكم، تتسلل إلى غرفتي كفراش مضيء فتملأها محبة وحناناً. أتلقف دعواتكم وكلماتكم الطيبة بكل شكر وامتنان، وأحمد الله أن أجرى على ألسنتكم ثناءً طيباً بما تعرفون من هذا العبد الفقير، وستر عنكم ما يسوءكم.
آراء أخرى
ما أجمل المواساة وما أطيب التخفيف من معاناة الناس ولو بكلمة طيبة! لو يعرف الإنسان سر هذا الإكسير العظيم ووقعه على القلوب؛ لتكلفها وبذلها لكل إنسان، خصوصاً المرضى والمكلومين، فإنهم كالمستصرخ المتغوث يفرح بكل قشة دعاء يعتقد فيها نجاته. لا تدري قدر هذه الكلمة الطيبة؛ لعلها تكون من رضوان الله، فتكون سبباً لك لنيل السعادة الأبدية.
أن تجد في الناس من يحبك لله، هذا مغنم عظيم، وذخر للآخرة عميم؛ لأن الله جلت قدرته جعل من أسباب الشفاعة والسعادة الأبدية أن يجد لك مجرد حميمٍ يسعده بنجاتك، ويسعدك لأجله.
أول ما يستشعر المرء وهو طريح حالة المرض والضعف نعمة الصحة والعافية، وتجتمع آماله كلها في أمل واحد؛ هو أن يمنّ الله عليه بها، وأن ينشط من عجز ويفك من عقال. تجتمع مطالبه في فسحة وقت بدون ألم، ويصبح لديه مسكن الألم أشهى من كل شهي من المأكولات والمشروبات.
عندما تصبح شربة ماء دون غصة أقصى إنجازاتك اليومية، تعرف أنك كنت ترفل في النعمة، بينما كنت تسعى لكسب غيرها ولا تقدرها حمداً، وتشكر الله على كل سُلامى عضو فيك. فسبحان من جعل زوال النعمة تذكيراً بها! وجعل التذكير مرقاة لمعرفة المنعم بها وإلى شكر الله عليها، وتعرُّفاً منه إليك سبحانه.
تنظر كيف كنفك الله بعنايته في حالة مرضك كوليد صغير بعقل بالغ، لا يتحرك ولا ينطق، عاجز منقهر، يوصل إليك النعمة والعناية على أيدي خلقه من كل الأقوام والأديان بلطف وحنو يفوق الخيال عبر أخلاقهم العالية. خُلق جعلهم الله نظراء لك في الخلق وإن خالفوك في الدين، مجلى أسمائه وخلفاءه وميزاب رحمته وحنوه عليك. فطوبى لمن كان خليفة لله ينوب منابه في إيصال حنوه لخلقه، وطوبى لمن وجد أن كل الحنو من الله عبر خلقه، فيشكر الله بشكر من أجرى النعمة إليه على أيديهم
تنتبه أيضاً بصفو ذهنك وخلو قلبك، إلى أن الخلق كلهم عباد لله، تسري عليهم مشيئته سبحانه، مطيعون للأمر الإلهي الوجودي، إن لم يكونوا مطيعين لأمر الله الشرعي الرسالي بحكم قانون: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. كلٌّ يُنادى إلى المنتهى المعلوم من مكان خاص به، يُنادى من قريب أو من بعيد.
تدرك أن كل الخلق كلمات الله في قبضة المشيئة الإلهية، وتشهد بتوحيد خالص أن الموجودات كلمات الله. كتبتها يد الإرادة بأقلام تقدير القدرة، ونوّعتها تصاريف المشيئة. فالمخلوقات مكتوبة بماء بحر واحد، وتنوعها نقوش، وأحرف تلاوينها رسوم اختلاف وتمايز ألوان.
في المرض أيضاً تسقط كل أنواع الخصوصية والأبهة، تصبح متاحاً للجميع دون احتشام ولا تأفف من أي شيء، مستسلماً راضياً، وأنت الذي كنت تستنكف أن يراك أحد بشعر أشعث أو تكون في غير هندام مرتب وحلة جميلة برائحة طيبة. تدرك معنى أنك من تراب مهما تسترت بكل أقنعة الدنيا من لباس وحلي، وإليه ستصير.
بفضل الله، أعيش مرضي كأنه نعمة عظيمة واحتواش إلهي إلى كنف الله حيث العناية والرحمة، وأن الألم عبارة عن شقوق ليوصل الله الودود بها بلطفٍ النورَ إلى قلبك، إلى معناك. والحمد لله والمنة لا أجد في نفسي ذرة تأفف أو اعتراض، وذاك من أعظم ما تفضل به عليّ، قبل المرض وأثناءه؛ لا تعرف الشكوى لي طريقاً.
الحمد لله عشت خمسين عاماً من عمري وأنا أتمرغ في نعم الله؛ كيف أنسى الجميل السابق، والعناية والمبادءة بالإحسان بهذا الابتلاء العارض؟ وهو نعمة أيضاً إذا نظر المرء إلى عاقبته؛ فإمّا تطهير بالمعاطب من المعايب التي اقترفتها في حياتك، أو اختبار لتحسن صنعاً، أو معراج إلى فضل عظيم منه قدره لك لكن قصُر عنه عملك، أو ما شاء الله من واسع فضله العظيم. وإن كان هذا مرض نهاية الأجل فنعم الختام.
خبرت وعشت أغلب المتع في الحياة الحسية، ومرّ عليّ أغلب المعاناة أيضاً، وكان أحلاها سجدة خافقة بالليل، ولم تكن هذه الحالات كلها سوى تجليات أسماء حسنى لله سبحانه؛ فهو المعطي المانع، وهو سبحانه الخافض الرافع، أقبلَ عليك من كل نواحيك لتسير نحوه.
عشت حيوات كثيرة؛ عرفت الجوع والضعف ولم أجد أقبح من الظلم، وعشت أغلب مضان المتع الأخرى؛ دخلت السجون، ودخلت القصور، واعتليت منصات النجاح والتتويج والإشادة، عرفت أراذل الخلق، وخالطت أكابرهم، وكانت متعتي في صحبة المساكين والبسطاء وإسعادهم ما استطعت. لا أنام على امتلاك شيء وأنا أعرف أحداً يحتاجه لفك كربته، ولا أتجاهل أحداً في كربة بعد أن أطلعني الله على حاله، والحمد لله.
في حال المرض والعجز؛ يفتح لك تفكرك بصيرة فهم بعض أسرار القدر، فترى الإله العظيم كيف يبتلي عباده بالشر والخير فتنة، ليسلّ منهم دعاء التضرع والإنابة.
توقن أن تصاريف الحق على العبد واختلاف أحوال قدره وقضائه، إنما هي تجليات لأسمائه وصفاته؛ لكي يتعرّف عبده إليه في كل شيء ولا يجهله في شيء. ففي ضعف العبد يعرف عزة مولاه وقدرته، وفي مرضه يدرك لطفه وشفاءه، وفي فقره يدرك جوده وغناه، وفي حدوث ذنبه يدرك توبته ومغفرته وصفحه.
هكذا اقتضت ربوبيته سبحانه؛ أن يستدعي تجلي كل اسم من أسمائه وصفاً وفعلاً من عبده، حتى يتعرف العبد من خلال نقصه إلى كمالات ربه عز وجل.
فمثلاً؛ إن الله سمى نفسه الغفور وتسمى بالغفار، ووصف نفسه بالتواب وكتب على نفسه الرحمة: “وربك الغفور ذو الرحمة“، وأحب العفو والصفح وأحب الاعتذار وأحب المغفرة، ومحبته الشيء سبحانه من إرادته، وإرادته نافذة ماضية في الوجود والإمكان، وهو سبحانه أحب أن يتعرف إليه خلقه، ويعرفوا كمالاته وأوصافه وأسماءه الحسنى.
لأجل ذلك لابد من وقوع وصفه بخلقه، ولابد من ظهور كمالاته في وجوده، وأن يظهر عليك ما يقتضي المغفرة والستر والعفو. يصير حتى الذنب جنداً من جنده تعالى يستجلب به ندمك وتضرعك وتمسكنك ببابه الكريم حتى يجود عليك بالمغفرة والعفو. هكذا اقتضت المشيئة، وإلا استتر الوصف وخفي النعت وانعدمت المعرفة به سبحانه؛ التي أوجد الأكوان من أجلها. ما أعظمه من كريم يحب سبحانه أن يُسأل ويُمدح ويُعبد ويُحب ويُفرد! يحب أن يُعرف، ومن أجل ذلك خلق الخلق والأكوان، ومن أجل ذلك بعث الرسل وأنزل الشرائع، ومن أجل ذلك يجري عليك قدره، ويخلف ليلك بنهارك.
يغلب على المريض لأجل ضعفه حال الانكسار والدعاء والضراعة، يصبح لسانه لهجاً بالدعاء وقلبه مفعماً بالرجاء. وهذه حالة مرضية يريد أن يراها الله عليها. الدعاء مخ العبادة، ذو دعاء عريض، والله يحب العبد الملحاح، ويغضب عمّن لم يسأله. يتنبه أن دعاءه ليس تذكيراً لله من إغفال أو تنبيهاً له من إهمال؛ فمتى مر عليه حين من الدهر غير مذكور بالإتحاف والعناية واللطف؟ بل هو عبودية محضة تقتضيها حال العبد مع ربه عز وجل، وإن في كل الدعاء استجابة محققة مرجوة، في الوقت الذي يريده الله وبالمقدار الذي يريده؛ لكل أجل كتاب.
يغلب على المريض أيضاً حال من التسامح والصفح؛ يرجو من الله ألا تكون في رقبته مظلمة من مظالم الناس يثقل حمله بها يوم القيامة، ويصفح هو عن الجميع ممن ظلموه في حياته ويرجو المغفرة والرحمة للجميع.
وأنا كذلك أفعل؛ فمن كانت له عندنا مظلمة غير عينية فليصفح عني لوجه الله تعالى، ومن كانت مظلمته عينية عندنا نرجعها له.
وكل من ظلمني –كلهم– فإني أصفح عنهم لوجه الله تعالى؛ عسى أن يصفح عني الحليم الكريم يوم القدوم عليه سبحانه وأن نقدم عليه بقلب سليم.
اعلم يا أخي ويا أختي؛ أن مساحة العمر مهما طالت، أنفس من أن تعمرها بمظالم الناس. العمر أقصر من أن تصرفه في غير السعي فيما ينفعك في حياة الأبد. إنها قضيتك ونجاحك أنت، إنه قدومك على ربك حيث السعادة أو الشقاء –والعياذ بالله-. لا يستحق شيء أن يعطل سيرك ولا أن يثقل كاهلك.
تقوى عند المريض أيضاً ملكة التخيل من قلة كثافته، فتستدعي له مخيلته كل الذين مروا في حياته، وعبر صفحات عمره، خصوصاً الذين طبعوها وأثروا فيها سلباً أو إيجاباً؛ فيناجيهم ويكلمهم، ويناغيهم ويتحاور معهم. وقد تخترق قوته المتخيلة حجب الزمن فينفذ إلى المستقبل ويرى بعض مشاهده. هذا دون تناول بعض الأقراص المخدرة، أما بالتخدير فالقوة المتخيلة تسرح وتمرح، وقد تستعين بالقوة المتوهمة. دعك من هذا؛ مريض يهذي، وليس على المريض حرج.
الجسد هو سفينة الروح، وأيضاً صندوق لرسائل الحق إليك؛ عبره حساً ومعنى يصلك مراد الله منك، واضطرارك وعجزك هما الحالة المرضية التي تليق بك كعبد بين يدي مولاه. كلما كنت مضطراً كلما كنت أقرب للإجابة والنجدة؛ فكن بوصفك متحققاً دائماً، ولا تجعل حظوات الدنيا من عافية وجاه وقدرة تنسيك الخضوع لمولاك وديمومة التضرع بين يديه والتبتل والمسكنة. والله دعاك إلى حضرته بألطافه، وجعل ما أوجبه عليك سلاسل تجرك إليه، فرضها وأفرغك إليه بكل المقادير عليك، وأفجعك في كل شيء تتعلق به حتى لا تركن إليه ويتباطأ خطوك إليه. إنّ إلى ربك الرجعى.
ينتبه المريض في تفقد أحواله واستقراء فصوله، أن أمره لا يخلو من أن يكون إما في نعمة أو نقمة ظاهرة، وأن الله جعل السراء والضراء خلفة عليه في فلك عمره؛ ابتلاءً ليشكر في السراء ويصبر في الضراء، أو يرضى، أو يشكر؛ لأن البلاء هو عطاء مستتر فيما تكره لأنك عنود، والمحنة هي عين المنحة لو أنك تشهدها من الله اللطيف؛ أيها الكنود
.
العمر هو فرصتك ورأس مالك، وقلبك هو آلتك وميدان اشتغالك، والرسالة هي طريقتك وسبيل وصالك، والقبلة هي الله؛ هو المعبود المحبوب المقصود. فاجتهد أن تحظى بالله في آخر الرحلة.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
رشيد غلام – 07 ماي 2026، من مستشفى بلندن.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







