ARTICLE AD BOX
سعيد أهمان
كلام بحجم التّبرير..
الأحد 08 مارس 2026 | 12:49
في المغرب، لا شيء يكبر بسرعة مثل التّبرير. فالأزمات قد تبقى كما هي، وربّما تتضخّم، لكنّ التّبرير يكبر معها كظلّ ممدود في آخر النهار، حتى صار لدينا في الإدارة والإعلام والسياسة والانتخابات اقتصادٌ كامل قائم على إنتاج التّبرير، صناعة غير قابلة للإفلاس مهما تراكمت الوقائع.
آراء أخرى
في الإدارة، حين تسأل عن ملف أو مشروع متعثّر منذ سنوات، لا تجد جوابا بقدر ما تجد خطابًا طويلا يشبه المظّلة…مظلّة لغوية كبيرة تحجب الشّمس والواقع معا. يقال لك إن “الإجراءات في طور المعالجة”، وأن “الموضوع يخضع للدّراسة”، وأن “الظّرفية تفرض بعض التّأخير أو التّأجيل”. وكلما طال الانتظار، ازداد حجم التّبرير، كأنّنا أمام مشروع استثماري ضخم في تأجيل الحقيقة.
أما في الإعلام، فالقصّة أكثر طرافة. بعض المنابر لم تعد تنقل الوقائع بقدر ما تترجم التّبريرات إلى عناوين برّاقة و”مانشيطات مثيرة”. يصبح التّعثّر “مرحلة انتقالية”، والفشل “رهانا إصلاحيا”، والتّأجيل “مقاربة تدريجية نسقية”. وهكذا يتحول القارئ/ المتلقّي المسكين إلى متفرّج في مسرح لغويّ، حيث الكلمات والصّور تؤدي أدوارها ببراعة بينما الحقيقة تنتظر خلف الستار.
وفي السّياسة، التّبرير ليس مجرّد خطاب، بل فنّ بلاغي قائم بذاته. فالسّياسي الذي وعد بالمعجزات في الحملة الانتخابية يتحوّل بعد “الفوز” إلى خبير في شرح لماذا لم تتحقق تلك المعجزات؟ فجأة تظهر الأعذار: السّياق الدولي، والوضع الاقتصادي، والإرث الثقيل، والإكراهات البنيوية، وحتّى سوء الأحوال الجوية أحيانا. كأن السّياسة عندنا تشبه مباراة كرة قدم لا تنتهي أبدا، لكن مع تعليق دائم يشرح لماذا لم يُسجل الهدف.
أما الانتخابات، فهي موسم التّبرير الأكبر. قبلها وعود بحجم الوطن، وبعدها تبريرات بحجم الخريطة. النّاخب المكلوم الذي يعيش على “أماني معسولة” الذي كان “محور العملية الديمقراطية” يتحوّل بعد الفرز إلى مجرّد شاهد على مهرجان الأعذار. وكلّ دورة انتخابية تضيف طبقة جديدة من الخطاب، بينما الواقع يبقى في مكانه كصخرة لا تتحرك.
المفارقة أن التّبرير في المغرب أصبح أكثر تطورا من الحلول نفسها، حيث لدينا خطاب غنيّ بالمصطلحات، متخم بالمقاربات، مملوء بالاستراتيجيات… لكن حين تبحث عن النّتائج، تجدها أقل حضورا من الكلمات التي شرحت غيابها.
وهكذا صار المشهد بسيطا إلى حدّ السّخرية والألم :واقع لا يرتفع… وتبرير لا يتوقّف عن الارتفاع. والنّتيجة أن المسافة بين الاثنين صارت مثل واد عميق؛ في قاعه يقف المواطن يتساءل: هل نعيش أزمة فعلية… أم فقط أزمة في الاعتراف بالأزمة؟
إلى أن يأتي الجواب، سيظلّ الّتبرير هو العملة الأكثر تداولا في الإدارة والسياسة يروّج له في الإعلام وتصيبه شظاياه، وسيبقى الواقع، كعادته، ينتظر دوره في الكلام.
.jpg)
منذ 1 شهر
23







