ARTICLE AD BOX
في خريف 2008، تخيّل موظفًا عاديًا في بنكٍ استثماري بنيويورك يفتح بريده الإلكتروني فيجد رسالة باردة: “تم إنهاء خدماتك… غادر الآن”. في ساعات، ينهار البنك، وتتطاير مدّخرات آلاف الأسر، وتتبخّر صناديق تقاعد، ويكتشف الناس أن “الأرقام” التي كانت تتحرك على الشاشات قادرة على تدمير حياةٍ كاملة. تلك اللحظة لم تكن أزمة مالية فحسب ، بل كانت أكبر من ذلك كانت أزمة قيم : لماذا صار الربح أعلى من العدالة؟ ومن منح السوق حقَّ أن يسبق الإنسان؟
آراء أخرى
قيمة القيم
هذه القصة تختصر ما سماه المفكر المغربي الراحل “المهدي المنجرة ” رحمه الله الأزمة الحضارية للعالم المعاصر، فالمنجرة لم يرى المشكلة في نقص الموارد أو ضعف التكنولوجيا، بل في انهيار منظومة القيم التي تضبط معنى التقدم نفسه. فالعولمة – في نظره – لم تعد مشروعًا للتكامل الإنساني، بل تحولت إلى قوة تقنية بلا أخلاق، وتنمية بلا إنسان، واقتصاد بلا عدالة.ومن هنا جاء مفهومه العميق: “قيمة القيم” ، فالقيم ليست زينة ثقافية أو خطابًا وعظيًا، بل البنية العميقة لأي مشروع حضاري وتنموي.
قوة عمياء
فالتنمية التي تنفصل عن القيم لا تتحول فقط إلى عملية تقنية محايدة، بل إلى قوة عمياء بلا بوصلة أخلاقية. فهي قد ترفع معدلات النمو، وتراكم الثروة، وتوسع الأسواق، لكنها في الوقت نفسه تُنتج اللامساواة، والتهميش، والاستلاب، وتفكك الروابط الاجتماعية. أي أنها تنتج “نجاحًا اقتصاديًا” مقرونًا بـ فشل إنساني وحضاري.
الهيمنة الحضارية
يرى المنجرة أن العولمة في صيغتها النيوليبرالية ليست مجرد مرحلة متقدمة من التكامل الاقتصادي، بل هي نمط جديد من الهيمنة الحضارية، حيث تُفرَض منظومة قيم واحدة (قيم السوق، الربح، الاستهلاك، الفردانية) على العالم كله، ويتم تقديمها بوصفها “قيم كونية”، بينما هي في الحقيقة تعبير عن مصالح تاريخية محددة. وهكذا تتحول التكنولوجيا من أداة تحرير إلى أداة سيطرة، والاقتصاد من وسيلة لخدمة الإنسان إلى غاية في ذاته، والإنسان من فاعل تاريخي إلى مجرد رقم داخل معادلات السوق.
وفي هذا السياق، يميّز المنجرة بين نوعين من التقدم:
تقدم تقني: يقاس بالسرعة، الإنتاج، القوة.
تقدم حضاري: يقاس بالعدل، الكرامة، المعنى.
وخطورة الحداثة الغربية ، أنها حققت الأول على حساب الثاني، أي أنها صنعت عالمًا قويًا تقنيًا، لكنه فقير أخلاقيًا، متقدمًا ماديًا لكنه متخلف إنسانيًا. لذلك يؤكد المنجرة أن العالم لا يعيش أزمة اقتصاد، بل يعيش أزمة نموذج حضاري، حيث فقدت القيم دورها كمرجعية ناظمة للفعل الإنساني، وتم استبدالها بمنطق المنفعة والربح والقوة.
من هنا تأتي قوة مفهوم “قيمة القيم”، فالقيم ليست مكمّلًا ثقافيًا للتنمية، ولا خطابًا أخلاقيًا زائدًا عن الحاجة، بل هي الشرط الإبستمولوجي لإمكان أي تنمية ذات معنى. أي أنها الإطار الذي يحدد: ماذا ننتج؟ ولمن ننتج؟ وبأي ثمن إنساني وبيئي؟
عقلانية أداتية
فمن دون هذا الإطار القيمي، تتحول التنمية إلى ما يسميه بعض فلاسفة الاجتماع عقلانية أداتية Instrumental Rationality ، أي عقل يحسن الوسائل ويجهل الغايات، ويُتقن الحساب ويعجز عن الإجابة عن سؤال: لماذا نفعل ما نفعل؟
قفص حديدي
وهنا يتقاطع نقد المهدي المنجرة مع أطروحات فلسفية غربية كبرى، مثل نقد ماكس فيبر لعقلنة العالم، حيث حذر مبكرًا من أن الحداثة قد تنتج “قفص حديدي” يحبس الإنسان داخل أنظمة تقنية وإدارية تفقده المعنى، أو أطروحة يورغن هابرماس حول “استعمار العالم المعيشي” من طرف منطق السوق والإدارة.
لكن ما يميز المنجرة هو أنه يربط هذه الأزمة القيمية مباشرة بـ علاقات الهيمنة العالمية: فغياب القيم ليس خللًا داخليًا فقط، بل أداة سياسية، تسمح بتبرير: الحروب باسم الديمقراطية، العقوبات باسم الحرية، الفقر باسم السوق، والاستغلال باسم التنمية.
وبذلك تصبح “قيمة القيم” ليست مفهومًا أخلاقيًا مجردًا، بل مفهومًا نقديًا راديكاليًا: يفضح الأساس القيمي الخفي للنظام العالمي، ويكشف أن ما يُقدَّم بوصفه “تقدمًا كونيًا” هو في الواقع إعادة إنتاج للهيمنة في شكل جديد.
وباختصار، فإن أطروحة المنجرة يمكن تلخيصها في معادلة بسيطة لكنها خطيرة: حين تنفصل التنمية عن القيم، يتحول التقدم إلى توحش، والاقتصاد إلى أداة سيطرة، والإنسان إلى ضحية نظام بلا روح.
وما يجعل هذا النقاش اليوم أكثر راهنية هو أن “الخلل القيمي” لم يعد موضوع فكري مجرد؛ بل أصبح يُترجم في الأحداث الجارية: تنافس أمريكي–صيني يتجاوز التجارة إلى التكنولوجيا والمال، حروب تعريفات ورسوم، سباق على سلاسل الإمداد، وضغط على العملات وأنظمة الدفع والتهديد بالسيطرة على دول وشعوب وجزر وثروات …
فالعالم يشهد انتقال دراماتيكي من العولمة بوصفها “ساحة تبادل” إلى العولمة بوصفها “ساحة صراع”. والانتقال من التجارة إلى “حرب الأنظمة”
السنوات الأخيرة أظهرت أن النموذج التنموي الغربي—الذي قدم نفسه كقالب كوني—يتصدّع حين تصطدم “حسابات السوق” بحدود السياسة والأمن. خذ مثلًا ما ورد في تقارير بحثية رسمية بالكونغرس الأمريكي حول مسار الرسوم بين واشنطن وبكين: تصعيدات ثم تخفيفات مؤقتة وتمديدات زمنية… في مشهد يعكس أن الرسوم ليست مجرد سياسة تجارية، بل أداة ضغط تفاوضي في صراع أوسع.
وفي مطلع 2026 برزت موجة جديدة من إجراءات تخص أشباه الموصلات/الرقائق—قلب الاقتصاد الرقمي—عبر تعريفات وإجراءات ترخيص وتقييد، بما يؤكد أن المعركة لم تعد على “السلع” بل على “العقول” و”المعالجة” و”الذكاء الاصطناعي”. هنا يصبح السؤال: هل ما نراه “تجارة” أم إعادة تصميم للنظام العالمي على أسس أمنية وجيوسياسية؟
توحّش الرأسمالية
اقتصاديًا، تُقرأ هذه التحولات على خلفية نقدٍ واسع للرأسمالية المالية: حين ينفصل “القطاع المالي” عن “الاقتصاد الحقيقي”، يُصبح المال غايةً في ذاته، وتتحول المخاطر إلى أعباء على الفئات الأضعف. و هذا ما أشار إليه “جوزيف ستيغليتز “في نقد للرأسمالية المعاصرة بوصفها مصدر لعدم المساواة وللدورات الصدامية بدل الاستقرار. وهنا نصل إلى لب الأزمة:التوحّش ليس اقتصاديًا فقط، بل أخلاقي ووجودي.
من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية
هذه الأزمة القيمية لم تبقى حبيسة الكتب، بل ترجمت نفسها في السياسة الدولية. العالم اليوم يشهد انتقالًا من “العولمة التعاونية” إلى “العولمة التصادمية” :
حروب تجارية، رسوم جمركية، صراع على سلاسل الإمداد، سباق على الرقائق والذكاء الاصطناعي، وإعادة تموضع استراتيجي للدول الكبرى. فالتنافس بين الصين والولايات المتحدة لم يعد مجرد صراع صادرات وواردات، بل صراع على :
من يضع قواعد التجارة؟
من يسيطر على التكنولوجيا؟
من يتحكم في المال؟
أي أننا أمام حرب أنظمة لا حرب بضائع.
تسليح الدولار وصراع العملات
وفي قلب هذا الصراع يقف الدولار، فالهيمنة التاريخية للدولار على النظام المالي العالمي منحت واشنطن قدرة هائلة على الضغط عبر العقوبات، وتجميد الأصول، والإقصاء من منظومات الدفع الدولية. وهنا ظهر مفهوم “تسليح الدولار”: أي تحويل العملة من أداة تبادل إلى أداة قوة جيوسياسية.لكن السؤال الأخطر ليس: هل الدولار قوي؟ بل: هل هذا الاستخدام المفرط لقوة الدولار سيقوّي النظام أم يُضعفه على المدى الطويل؟
لهذا نرى اليوم:
حديثًا متزايدًا عن تقليل الاعتماد على الدولار.
محاولات لبناء قنوات دفع بديلة.
نقاشات داخل “بريكس” حول أنظمة تسوية جديدة.
اهتمامًا بالعملات الرقمية للبنوك المركزية.
قد لا يعني هذا نهاية الدولار قريبًا، لكنه يعني شيئًا أخطر: أن الثقة في النظام المالي العالمي لم تعد مطلقة.
أزمة حضارة
في مقابل هذا المشهد، يقدم التصور الإسلامي للاقتصاد والتنمية رؤية مختلفة بشكل جذري :فالتنمية ليست نمو جاف، بل عمارة: أي تعمير الأرض والإنسان معًا، تحقيق التوازن بين الروحي والمادي، ومنع التوحش الاقتصادي القائم على الربا والاحتكار وتسليع الإنسان.فالاقتصاد بهذا المعنى ليس ليس مجال محايد، بل مجال أخلاقي مقصدي، تحكمه غايات كبرى: العدل، الكرامة، حفظ الإنسان، لا فقط تعظيم الأرباح.
بخلاصة، أزمة العالم هي أزمة قيم وليست أزمة موارد، بل أزمة أخلاق
ليست أزمة إنتاج، أزمة معنىو ليست أزمة اقتصاد، بتعبير أدق نحن نعيش أزمة حضارة.فحين تنفصل التنمية عن القيم، يتحول التقدم إلى توحّش مقنّع، وتصبح العملات أسلحة، والتجارة حروبًا، والإنسان ضحية في لعبة كبرى لا يفهم قواعدها.
إقتصاد في سياسة
كل هذه الأسئلة الكبرى، من توحّش الرأسمالية، إلى تسليح الدولار، إلى صراع الصين وأمريكا، إلى مستقبل النظام المالي العالمي ، نناقشها بعمق وتحليل في برنامج: “اقتصاد في سياسة” مع الدكتور طارق ليساوي..برنامج يحاول أن يفهم الاقتصاد لا كأرقام، بل كقوة سياسية، وكأداة هيمنة، وكمرآة لأزمة القيم في عالمنا المعاصر. تابعوا الحلقات الكاملة على قناة يوتيوب.. Dr. Tarik Lissaoui – @TarikLissaoui ولا تنسوا الاشتراك في القناة والإعجاب بالحلقات ومشاركتنا آراءكم في التعليقات، لأن فهم الاقتصاد اليوم…هو في الحقيقة فهم مصير الإنسان في عالم بلا بوصلة..والله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون ..
كاتب وأكاديمي مغربي
.jpg)
منذ 2 أشهر
8







