أصدرت المحكمة الدستورية بتاريخ 15 يونيو 2026 القرار رقم 263/26 م.د، ملف عدد : 313/26 بشأن القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول.
ويأتي هذا القرار بعد اطلاع المحكمة الدستورية على رسالة الإحالة التي توصلت بها في 15 ماي 2026، ويطلب فيها (93) عُضوا بمجلس النواب من المَحكمة الدستورية، أن تبت، في مطابقة 8 مواد من القانون فَضْلا عن مواد أخرى أو مجموع النص، للدستور.
قبل الخوض في التعليق على هذا القرار لابد من تسجيل اختلاف في عدد أعضاء مجلس النواب الموقعين على رسالة الإحالة، الذي بلغ 96 عضوا، وبين العدد الذي اعتمدته المحكمة الدستورية في قرارها، حيث أشارت إلى أن الطلب مقدم من 93 عضوا فقط، فيما لم توضح المحكمة الأساس الذي اعتمدته في استبعاد بَعض التوقيعات.
التعليق على القرار :
من خلال قراءة متأنية للقرار تبرز مفارقة تتعلق بحدود الرقابة الدستورية على السلطة التقديرية للمُشرع، واكتفي بمقارنة بت المَحكمة الدستورية بشأن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 53 والفقرة الأولى من المادة 63 من قانون تنظيم مهنة العدول.
صرحت المحكمة الدستورية بعدم مطابقة بعض مقتضيات المادة 53 من هذا القانون للدستور، إذ اعتبرت تلقي الإشهاد بالإشارة المفهومة من الأشخاص في وضعية إعاقة على مستوى السمع أو الكلام دون تحديد معيار قانوني واضح لمضمون هذه « الإشارة »، وكذا السماح بالاستعانة بـ »كل شخص مؤهل » دون ضبط قانوني لمفهوم التأهيل وشروطه، يشكل غموضا تشريعيا من شأنه المساس بالأمن القانوني وتعريض إرادة هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاص لاحتمالات سوء التأويل أوالتحريف، بما يتعارض مع الدستور.
بينما رفضت المحكمة الدستورية، تمكين العدول من آلية قانونية لإيداع الأموال لدى جهة مُؤهلة قانونا للاحتفاظ بالودائع (على غرار الموثقين الذين لديهم آلية إيداع الأموال لدى صندوق الإيداع والتدبير)، حيث اعتبرت رسالة الإحالة عدم التنصيص على هذه الآلية يشكل فراغا تشريعيا بما يمس بالحماية الدستورية لحق الملكية والأمن التعاقدي.
واعتبرت المحكمة الدستورية ما أثارته رسالة الاحالة لا يتعلق بعيب دستوري في النص وإنما بغياب آليات تنظيمية مكملة، وأن تحديد وسائل تأمين المعاملات العقارية يدخل في نطاق السلطة التقديرية للمشرع.
لقد اعتمدت المحكمة الدستورية في قرار واحد معيارين مُختلفين، اعتبرت الضمانات القانونية غير دستورية بشأن تَوثيق العقود لفائدة الأشخاص في حالة إعاقة، بينما اعتبرت الضمانات كافية رغم حرمان العدول من آلية إيداع أموال.
عللت المحكمة الدستورية، في جزء مهم من قرارها بشأن المواد 37 و50 و51 بالإضافة إلى المادة 63 على فكرة « السلطة التقديرية للمُشرع » لتبرير عدم تدخلها في بعض الاختيارات التشريعية،. وهي فكرة مشروعة من حيث المبدأ، لأن القاضي الدستوري ليس مشرعا بديلا والمحكمة الدستورية ليست « غرفة ثالثة » ولاتملك أي صلاحية بأن تحل محل البرلمان، غير أن توسيع نطاق السلطة التقديرية للمشرع دون وضع ضوابط وروابط واضحة قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى إضعاف فعالية الرقابة الدستورية ومنها الإحالة الاختيارية خاصة إذا كانت الجهة المحيلة أقلية برلمانية وإن تمكنت من جمع النصاب المطلوب.
بقي الإشارة في ختام هذا التعليق، إلى وجود موقف فقهي سابق منشور سنة 2021 على هامش الجدل الذي أثاره قرار المحكمة الدستورية بشأن القاسم الانتخابي، حيث حذر فيه كاتبه من التوسع غير المنضبط في التذرع بالسلطة التقديرية للمشرع، معتبرا في تعليق أن التسليم المطلق بهذا المفهوم قد يؤدي إلى تحويل الرقابة الدستورية إلى ما يشبه منح المشرع « شيك على بياض » يحدد بمقتضاه مضمون الحقوق والحريات وضماناتها دون رقابة فعلية على اختياراته.
ومن غريب الصدف أن يكون صاحب هذا الرأي الجريء ليس سوى الفقيه الدستوري الأستاذ مُحمد أمين بنعبد الله، رئيس المحكمة الدستورية الحالي، وهي ملاحظة منهجية، تثير إشكالية حول مدى انعكاس التصورات الفقهية النقدية على البناء الحجاجي للقضاء الدستوري، وحدود انتقاله من المجال النظري إلى المجال القضائي.
*عدل باستئنافية الرباط وباحث في القانون
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







