في يوم وقفة غضب المحاميات والمحامين.. النقيب الجامعي يكتب: المحاماة صامدة أمام كل متاجرة بثوابتها

منذ 1 ساعة 3
ARTICLE AD BOX

في يوم وقفة غضب المحاميات والمحامين.. النقيب الجامعي يكتب: المحاماة صامدة أمام كل متاجرة بثوابتها

النقيب عبد الرحيم الجامعي

الإثنين 29 يونيو 2026 | 00:18

يعلمنا المفكر المغربي محمد عابد الجابري، من خلال كتابه «العقل السياسي العربي»، بأن العنف السياسي والتشريعي للدولة ليس انحرافًا عارضًا، بل هو امتداد بنيوي لموروث «القبيلة» و«الغنيمة»، حيث تُستخدم آليات القمع والتشريع لتكريس التسلط بدلًا من العقد الاجتماعي.

وفي رأيي، يمكن أن يكون رأي هذا المفكر العملاق وصفًا علميًا وسياسيًا لما مارسته الحكومة المغربية، ولما صدر سواء عن رئيسها أو عن وزير العدل تجاه مهنة المحاماة، بعد أسابيع من «حوار الخديعة» الذي كفرت رئاسة الحكومة بنتائجه، وبما توافقت عليه مع جمعية هيئات المحامين في جلسات طويلة، بعد أن حسبناها حكومة تستحق ثقة هيئات المحامين، وحكومة واعية بمسؤولياتها أمام ممثلي مهنة من أكبر المهن، مهنة تتميز بأدوارها الاستراتيجية في الدولة الحديثة، منذ أن سقطت الديكتاتوريات في الغرب، ومنذ فجر النهضة وبداية عصر حقوق الإنسان بقيادة مفكرين وفلاسفة القانون…

لقد مارست الحكومة، بقبائلها السياسية والمؤلفة قلوبهم معها، النصب السياسي على جمعية هيئات المحامين، وفي حق المحاماة وهيئاتها، وأكدت أمام المجتمع بأنها تفتقد إلى الحس السياسي، وعاجزة عن احترام أخلاق الحوار والتفاوض والالتزام بنتائجه. وبذلك حفرت لنفسها خندقًا عميقًا، لتموت في آخر عمرها السياسي محنطة بروائح تحريف الحقيقة وخيانة العهد في حق مؤسسة الدفاع وممثليها، ولتتسبب، عن قصد، في جائحة أخطر من الكوفيد، وهي إفراغ المحاكم من أهلها، وهم جماهير المحامين، وتعليق الجلسات، وإصابة المتقاضين في مصالحهم، ولتصيب مرفق العدالة والقضاء والمحاكم والمتقاضين، عن قصد، في مراكزهم.

أوليس الأزمة التي صنعت حلقاتها، ورتبت لها الحكومة برئيسها ووزير العدل، ودبرت لها الجهد والزمن، أكبر أزمة سياسية يشهدها المغرب في السنوات الخمس من حكمها؟ والتي كان يتعين إسقاطها قبل استقالتها، لو كانت هناك ممارسة سياسية تؤمن بالمساءلة والمحاسبة.

إن الحكومة ورئيسها ووزارة العدل ووزيرها استغلوا أخلاق ممثلي مؤسسات الدفاع وجمعيتهم، التي تعاملت وضحت كثيرًا لإفهامها معاني وأبعاد إعادة النظر في قانون المحاماة، ودلالات تعزيز مقومات رسالتها، ليس بصياغة الجمل وتركيب المفردات في المواد والفصول، بل بما يقوي تحصين استقلالها، ورفع الوصاية عنها، ومنع سلب سلطات مؤسساتها في تسيير مرفقها، وضبط جداولها والمنخرطين فيها، وجعل العلاقات بينها وبين المؤسسات القضائية قائمة على حماية الثقة في المنظومة القضائية، بروح معاني ومبادئ الدستور، بعيدًا عن كل تبعية أو سلطوية أو استقواء.

وكم كانت المحاميات واثقات، والمحامون واثقين، بأن السلطة التنفيذية برئيسها، ووزارة العدل بوزيرها، حافظ الأختام، سيصنعون مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب حدثًا تاريخيًا قبل نهاية ولايتها، وأنها ستقدم أقوى دليل أمام الرأي العام بأن المقاربة التشاركية قناعة لديها، وممارسة سياسية تؤمن بها وتفعلها مع أكبر مهنة قانونية، وهي المحاماة وممثلوها. لكن، ومع الأسف، حصل العكس، لما قدمت الحكومة ووزارة العدل منتوجًا فاسدًا، وهو عبارة عن مشروع قانون المحاماة، يقطر حقدًا على حق الدفاع، ويبث السموم لقتل المحاماة في استقلالها، وإضعاف واحتقار مؤسساتها.

****

ولتكون النتيجة، في النهاية، هي اكتشاف هيئات المحامين وجمعيتهم لمخطط مدروس مسبقًا، وهو إضعاف مؤسسة تاريخية ومصيرية في جسم العدالة والقضاء، وهي المحاماة، من أجل الهيمنة عليها وكسر نفوذها المعنوي والحقوقي. واختارت الحكومة هذا الاتجاه في أدق فترة تاريخية، وطنيًا ودوليًا؛ تتميز، وطنيًا، بتدني صورة الحكومة لدى المغاربة، وفقدان مصداقيتها في خطابها وممارساتها، واتساع صور الفساد والتلاعب بالثروة لدى العديد من أعضاء أحزابها… إلخ، وتتميز، دوليًا، باستبداد الأقوياء في العالم، والهجوم على القانون الدولي، والانتهاك الممنهج لحقوق الإنسان، وزعزعة استقرار الشعوب، والحصار المُبيت للقضاء الدولي والمحاكم الدولية. فأبت السلطة التنفيذية المغربية إلا أن تساهم، وتقدم للرأي العام الدولي رسالتها، وتعلن فيها أنها تخطط لنسف مهنة المحاماة، كما خططت الولايات المتحدة الأمريكية لنسف القانون الدولي والأمن الدولي.

ومن هنا يتأكد بأن القصد من تصرفات الحكومة ومواقفها، ومواقف وزيرها في العدل، ومن مشروعها، هو السير بالمحاماة نحو التدرج في سلم الانهيار؛ لأن المحاماة رفضت ترك مقعدها في المجتمع، ورفضت أن تصبح أداة في يد السلطة، وقالت: لا، لحكومة أرادت أن تستفرد بها وتفرض عليها سلطانها واختياراتها.

وفي لحظات الجدل، في ساحة العنف السياسي الحكومي، أُحيل المشروع على البرلمان، كما يعلم الجميع، ونوقش وصُوِّت عليه بمجلس النواب، ثم بمجلس المستشارين، وهو اليوم بلجنة العدل والتشريع أمام الغرفة الأولى في قراءة ثانية، وهي القراءة التي لا يدري أحد كيف ستتم، ومن أي منطلق ستنطلق، وما هي التجاذبات السياسية التي ستتحكم في النقاش، وهل سينظر مجلس النواب إلى ما وراء النص ومواده، وهل سيتحرر من التزام أغلبيته بدعم الحكومة والتماهي مع مشروعها؟ وبمعنى آخر، هل سيتحرر النقاش البرلماني من الضغط السياسي للحكومة؟ وهل سيمارس البرلمان، من جهته، خيار التحكم والعنف التشريعي، ويضحي بالمحاماة وبرسالتها وتنظيمها ومؤسساتها، كما ضحت الحكومة بها؟

إن الرأي العام الوطني، ومعه الرأي العام الدولي المتتبع لما يشهده الوضع المهني للمحاماة بالمغرب، لن يستطيع الخروج من الحيرة التي أثارتها مواقف الحكومة ومواقف البرلمان تجاه قانون المحاماة، ولا يمكن لهما استيعاب معنى تحالف العنف السياسي للحكومة مع العنف التشريعي للبرلمان، واستيعاب ما قصدته السلطتان التنفيذية والتشريعية من جر المحاماة والمنتمين إليها إلى مواجهات لن يكون لهما ربح من ورائها، سوى رغبتهما في إفراغ الساحة القانونية من قوتها القانونية الأولى، وهي قوة المحاماة، وقوة المحامين والمحاميات، وإسقاط حصانة المهنة، واستقلالها، وتنظيمها، وممارستها بحرية، وفي النهاية قتل مقومات ومستقبل دولة القانون بالمغرب، ولكي تستريح السلطات الحكومية من مؤسسات وهيئات المحاميات والمحامين، ممن ينبهها، أو يعارضها، أو يقاوم انحرافاتها، أو يدعوها أمام القضاء وأمام المحاكم الإدارية والتجارية والجنائية… وهذه هي وضعية الهيمنة والاستبداد التي يبحث عنها أصحاب مشروع قانون المحاماة، وهي تشبه ثقافة الطاعة والاستعباد التي كانت تستهوي رؤساء العشائر والقبائل والباشوات في عهد الاستعمار.

إن الحكومة، برئيسها، ووزارة العدل، بوزيرها، هما اليوم في قفص الاتهام أمام الرأي العام، والتهمة هي ضعف النضج السياسي لديهما، واستغلال النفوذ، وممارسة الشطط، لمحاولة قتل المحاماة، والثأر منها، والتلاعب بمصيرها، وممارسة انتهاك القانون الدولي للمحاماة، والتشجيع على عرقلة مسار العدالة، وإضعاف القضاء، من خلال الاعتداء على مكون أساسي لها، وهي المحاماة، وهم المحاميات والمحامون.

****

سيكون يوم غدٍ الإثنين يوم وقفة الغضب، وسيرافع فيه المحاميات والمحامون مرافعةً نوعية، شفوية وعلنية، أمام الجمهور الواسع بالمغرب وأمام العالم، دفاعًا عن مغرب قوي بمؤسسة محاماة قوية ومستقلة، ودفاعًا عن مجتمعهم، ليكون آمنًا ومحصنًا بنساء ورجال المحاماة المجندين من أجل حقوقهم وحرياتهم، ودفاعًا عن مؤسسة قضائية مستقلة بمحاميات ومحامين أحرار مستقلين، منتمين إلى مهنة قوية بقوة هيئات المحامين، ودفاعًا عن قيم المحاماة التي لا وجود لها إلا بالاعتراف باستقلالها التنظيمي والمؤسساتي والإداري والمالي، وبمنع كل تدخل في تدبير جداولها وحياة أهلها.

غدًا الإثنين، وبعد الإثنين، سيلجأ المحامون والمحاميات إلى الرأي العام، وإلى المواطنين، والقانونيين، والمثقفين، والسياسيين، والديمقراطيين، والإعلاميين، وإلى المؤسسات المعنية بالعدالة، والقضاء، والحكامة، وحقوق الإنسان. كل هؤلاء سيستمعون إلى صوت مهنة المحاماة من العاصمة، ليحتكم أمامهم المحاميات والمحامون، وليشهدوا على ما دُبِّر ضد المحاماة بالمغالطات، والتدليس، واللعب على الحقيقة والتاريخ…

على البرلمان ومكوناته أن يتحملوا مسؤولياتهم الدستورية في اتخاذ قراراتهم بحرية، وأن يرفضوا كل ضغط أو استسلام للحكومة أو مناصرتها، غالبة كانت أو مغلوبة.

على البرلمان، وهو في القراءة الثانية لمشروع قانون مهنة المحاماة، أن يدرك أنه لا يشرع للحكومة، ولا يناصرها بشكل أعمى، وعليه أن ينظر إلى القانون وإلى أبعاده، بغاية أساسية، وهي خدمة عدالة المغرب وتعزيز بناء دولة القانون، بغض النظر عن المنافع السياسية أو الانتخابية للحكومة أو لوزرائها.

على البرلمان ومكوناته، أثناء القراءة الثانية، أن يزن مصلحة المغرب في مجال المنافسة الدولية وفي محيطه الأورومتوسطي، وعليه أن يقتنع بأن بناء المحاماة القوية يوجد في قلب بناء الديمقراطية ودولة القانون، التي تعطي للمغرب الحظوة في علاقاته مع شركائه، ومن بينهم مجلس أوروبا، سواء من حيث مكانته كشريك من أجل الديمقراطية، أو كفاعل في تعزيز التعاون معه في مجالات استراتيجية، مثل حقوق الإنسان، وسيادة القانون، ودعم الإصلاحات الديمقراطية. وأن يستحضر اتفاقية الشراكة الجديدة الموقعة بين المغرب والمجلس للفترة المقبلة 2026 – 2029، لدعم الإصلاحات المؤسساتية وتعزيز دولة القانون، وهذا يفرض عليه الانضمام إلى الاتفاقية الأوروبية المتعلقة بضمان حماية مهنة المحاماة والمحامين وهيئاتهم، التي أقرها مجلس أوروبا في ماي 2025، علمًا بأنه سبق أن انضم إلى اتفاقيات أخرى صادرة عن المجلس، منها اتفاقية المعالجة الآلية للمعطيات ذات الطابع الشخصي، واتفاقية بودابيست بشأن الجريمة السيبرانية، واتفاقية غسل الأموال… وغيرها من الاتفاقيات، بالرغم من أن المغرب خارج الاتحاد الأوروبي.

ورغم الضجر، يبقى المحامون مصابين بمرض الأمل…

الرباط: 28 يونيو 2026

المصدر