غضبة عامل ودروشة مدير

منذ 1 سنة 18
ARTICLE AD BOX

عبد الالاه الشرفي

غضبة عامل ودروشة مدير

الإثنين 27 يناير 2025 | 11:24

غضب السيد العامل، غضب وخرج عن طوره وعن حدود اللياقة التي يفرضها مقام الاجتماعات الرسمية ومقام المنصب، “زَمَّرَ وبَوْكَرَ” وهدد بالصوت والصورة. فما سبب غضبته إذاََ؟ لا يهم. أو بالأحرى لا يهمنا مادام أن عجعجة الطحن قامت على شكل الغضبة لا على مضمونها. القصة صارت معروفة ولا فائدة من إعادة سرد تفاصيلها مادام أنها قد غدت مسألة رأي عام تباينت مواقفه، بين مؤيد للعامل الذي جسد حسب رأيهم صورة المسؤول الصارم المغيار على المصلحة العامة من مرض المماطلة والتسويف، وبين مستقْبِحٍ لردة فعل المدير الإقليمي للتربية الدي حسب نظرهم قبل أن” يُرَبى” بتلك الطريقة المهينة أمام الملأ من طرف مسؤول، هو في حكم القانون نظير له. فلا شيء، لا شيء يمكنه تبرير لهجة التقريع والإهانة التي خاطب بها العامل المدير الإقليمي الذي أبقى على رأسه مطأطأَ، يتجرع التوبيخ ويتلعثم في الإجابة كطفل أمام معلمه بسبب تهاونه في انجاز واجباته المدرسية.
قد يكون، نعم. قد يكون العامل من تلك الطينة من المسؤولين الذين يأكلهم ثعبان الإنجاز. فدفعته الحماسة واللهث وراء النجاعة القفز على الشكليات الإدارية، حين فضل عوض الاتصال بالوزير المسؤول، التوجه مباشرة إلى المدير غير عابئ بالمساطر القانونية المتبعة في مثل هذه الحالات بغية الضغط تسريعا لمشاريع متأخرة. ولكن، أليست الشكليات والإجراءات أمور يفرضها القانون الدي ينص على وجوب احترامها ومراعاتها قبل اتخاد أي قرار إداري، لأنها تدخل في تكوينه وتشكيل محتواه. أليست روح الديمقراطية في الجوهر هي احترام للشكليات، إذ بدونها يصعب العثور على عنوان صانع القرار الدي يصبح بلا هوية، متشردا، متنقلا من مكان إلى آخر، يبيت فقط في الأقبية التي يكون فيها منسوب الحُكم طاغيا مما يُشرع أبواب الشطط واستعصاء المسائلة.
مع ذلك، الا يمكن أن يكون الأمر برمته مجرد سوء فهم، حادث عابر، يُعاز إلى نفحة حماسة مباغتة باعتها الصالح العام، حماسة تدفع أحيانا ببعض المسؤولين الدوس على الإجراءات المقيدة للعزائم الصلبة، وأن الأمر ليس كما روجت له بعض الأصوات “الحاقدة” من مغالطات اعتبرت أن ما قام بع عامل سطات ليس مجرد فعل منعزل، بل هو أمر شائع في سلوك العمال مع ممثلي المصالح الخارجية للوزارات، وأن خروجه للعلن هو ما أثار كل هذه الضجة. ربما، لذلك نقول لك لابأس…لابأس سيدي العامل. فمن يشتغل كثيرا لا بد أن تعترضه الأخطاء كما أنه في الأخير، لا يمكن لقاعد أن يفتي لمجاهد.
مرة أخرى نضظر لنقول لك أعدرنا سيدي العامل، لكن ما دخل العزائم “بالزمَر والبَاكُور”؟ أ زلة لسان هي؟ أم مجرد هفوة كلامية سببها نوبة غضب متَفَهَّمَة، أم أن المشهد في كنهه لا يختلف كثيرا عن تقريع الأب لابنه عندما يلاحظ الاب تهاونا أو تقاعسا في سلوك الإبن. ألا يمكن اعتبار المدير في منزلة الابن للعامل بالنظر لسنهما. ألا يمكن تفسير تطاول العامل بتأويل تقليدي لسلطة الأب تتجاوز حدود سلطة المؤسسات. ممكن لذلك نقول لك مرة أخرى لا عليك سيدي العامل…لا تكترث فالمغارية لم يقتلوا الاب بعد، فسلطته الرمزية مازالت متجذرة في كل الساحات وأهمها ساحة السياسة.
السيد العامل، بغض النظر عن كل ما قيل، فأنت في الأول والآخر ممثل رئيس الدولة، لذلك يجب أن تراعي قيمة المنصب وخصوصيته وأن تتحكم في أعصابك وتحسب كلامك جيدا. Un homme ça s’empêche على حد قول ألبير كامي. فالغضب لم يكن يوما مفتاحا لحلحلة المشاكل، بالعكس فهو يزيد من تعقيدها لأنه غالبا ما يكون مرادفا للاعقلانية، في حين أن العقلانية هي ما يحاول القرار السياسي مناشدته. لذلك تجنبه ما أمكنك لأن نتائجه غالبا ما تكون عكسية. ولكن ماذا لو كان الغضب هو الغاية، ماذا لو كان للغضب أهدافا مشفرة بحيث يُحرَص على نقله بالكاميرا ليتردد صداه في أرجاء المعمورة كي نقول للعالم من خلاله إننا نشتغل، نجاهد لنجعل حياتك أفضل أيها المواطن لكن أعداء الإنجاز كثُر لا تنفع معهم لا لباقة ولا لقانون. أن نبعث من خلاله مثلا رسالة تفيد بأن الداخلية هي المتحكمة في قطاع التعليم وأن وزارة التعليم مجرد كومبارس. ألم تقل للمدير “ولا خْرُجْ عْلِيَ”.
في الحالة الأولى كليشيه وفي الحالة الثانية تذكير.
والآن لنحاول فهم دروشة المدير، نقصد الفهم لا الحكم. لأن الحكم واضح وسهل إذ يكفي الاتكاء على قيمة الكرامة لنقول إن عدم رد المدير على إهانة العامل أنه جبن وكفى. إذ كان بإمكانه مثلا أن يتوجه للعامل بنبرة جادة قائلا: لقد تجاوزت حدودك أيها العامل، من أنت لتخاطبني بهذه اللهجة. أن يقولها وليقع ما يقع. لكن للأسف حقيقة البشر تخبرنا أن ليس كل الناس قادرين على ذلك، ودعونا من الأصوات الكثيرة التي استأسدت عليه من خلف الشاشات، فأكثرهم لو كانوا مكانه لتصرفوا لربما مثله أو أكثر. وذلك ليس لأن للعامل كاريزما خارقة أو مزمارا سحريا يجدب الناس فيخضعون له طواعية، بل هو الخضوع الأزلي المستوطن في نفوس البشر من سلطة الخوف. نعم، الخوف من السلطة التي يمتلها العامل في المخيال الجمعي للمغاربة. خوف منبعث من بئر عميقة بني قطعة قطعة في تنشئتنا الاجتماعية، في الأسرة، في المدرسة، في الشارع، في الإحباط الذي كان ينتابنا عندما تلغى حصة الرسوم المتحركة لإفساح المجال لتغطية زيارة رسمية، في ساحة القيادة التي كان معلمونا يجروننا إليها في الثالث من كل مارس لننشد النشيد الوطني أمام القائد المتبختر في زيه العسكري الأنيق. المدير…المدير كان طفلا من بين أولئك الأطفال.
هل هذا كل شيء؟ لا نظن. هنالك ربما أمر آخر لجَم رد فعل المدير المنتظَر اتجاه تهجم العامل: إنها أسطورة la .carrière فالمِهْنَويُون les carriéristes في سعيهم الدؤوب لصعود القمة، تتماهى لديهم المسيرة المهنية مع معنى الوجود. يقتلون أو يمدون أعناقهم طواعية للمقصلة، مستعدين للقيام بكل شيء للاحتفاظ بمناصبهم. يشبه الأمر شخصيات فيلم “ألعاب الجوع “حيث يقوم كل فرد بالقيام بكل ما يلزم من أجل البقاء. فالمِهْنَوي لا يتخيل حياة أخرى خارج عالم المهنة. إنها الحياة، التفريط فيها انتحار…قليلون هم من لهم شجاعة الانتحار.

آراء أخرى

  • رواية "المغاربة".. نفسانيات مُركبة

  • برنامج "ترامب" في ولايته الثانية..

  • عزيز بلال: المقاومة الفلسطينية والحركة الثورية العالمية (*) 

أخر الأخبار

"المبادرة المغربية للدعم والنصرة" تستنكر دعوة ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة

دعوات للاحتجاج تزامنا مع محاكمة مناهض التطبيع إسماعيل الغزاوي

قرعة كأس أمم إفريقيا 2025.. المغرب يفتح أبوابه لبطولة قارية تاريخية

أطباء القطاع العام يعلنون إضرابا وطنيا جديدا احتجاجا على تجاهل مطالبهم

طوفان بشري.. عشرات الآلاف من الفلسطينيين يعودون إلى غزة (فيديوهات)

المزيد من رأي

  • محمّد محمّد  الخطّابي

     إوجين يُونيسكُو ومسرح اللاّمَعقُول هل كان كاتباً عبثيّاً حقّاً ؟

  • عادل  الشياظمي

    كيف يخطط ماسك ليكون الرئيس القادم؟

  • توفيق بوعشرين

    مازال هناك أمل

  • جدعون ليفي

    حرب إسرائيل على غزة من أجل إقامة دولة فاشية

  • عبد الحكيم الزاوي

    المدرسة.. الحق في الحُلم أو هندسة الفشل الاجتماعي

  • محمد البشير الزناكَي

    الحاجة لأدوات ناجعة جديدة

  • المقال التالي

  • المصدر