عندما تنفصل الأحزاب السياسية عن المجتمع

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

لا يمكن تصور ديمقراطية حديثة وناجعة، دون أحزاب سياسية. فالأحزاب، كما استقر على ذلك الفكر السياسي المعاصر، ليست مجرد تنظيمات انتخابية أو هياكل تتنافس على السلطة، بل هي التعبير المكثف عن الجغرافيا الاجتماعية للمجتمع، والفضاء الطبيعي لتدافع الأفكار والمشاريع والتصورات المرتبطة بتطوير المؤسسات وتجويد الخدمات . لذلك ظلت توصف في الأدبيات الدستورية بأنها العمود الفقري للديمقراطية، لأن وجودها لا يرتبط فقط بتدبير التنافس السياسي، بل بقدرتها على تحويل مطالب المجتمع وتطلعاته إلى سياسات وبرامج ومؤسسات.

غير أن هذه الوظيفة النبيلة، تصبح مهددة عندما تفقد الأحزاب صلتها بالواقع وبالمجتمع الذي من المفترض أن تمثله. فالحزب الذي لا يصغي إلى التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية العميقة التي يعيشها المجتمع، ولا ينجح في استيعاب انتظارات المواطنين وآمالهم، يتحول تدريجيا من أداة للتغيير إلى عائق أمام هذا التغيير ، ومن مؤسسة لتنشيط وتطوير الحقل السياسي إلى مجرد ديكور باهت في المشهد العام. وعندما يحدث ذلك، تصبح الحاجة ملحة إلى مراجعة أساليب العمل السياسي وإبداع صيغ جديدة للممارسة الديمقراطية، بدل الاستمرار في إعادة إنتاج الأوهام والوعود والارتهان لممارسات تقليدية تكرس التخلف السياسي، وتصادر الإرادة الشعبية بوسائل تفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية الأخلاقية.

في الأنظمة الديمقراطية التمثيلية، يظل الناخب هو المصدر الحقيقي لقوة الأحزاب وشرعيتها. فهو الذي يمنحها الحياة ويضعها في مواقع القرار، حتى وإن لم يكن منخرطا تنظيميا داخلها. غير أن الناخب ليس مجرد رقم انتخابي أو كتلة صماء يمكن توجيهها كيفما اتفق، بل هو مجموع من القناعات والتجارب والمشاعر والتطلعات. وحين يشعر بأن الوعود التي تلقاها لم تتحول إلى سياسات ملموسة، أو أن البرامج المعلنة لم تكن سوى شعارات ظرفية للاستهلاك الانتخابي، فإنه يمتلك القدرة على الرد عبر صناديق الاقتراع بأسلوب عقابي قد يكون قاسيا ومؤلما.

من هنا يمكن فهم جوهر الأزمة التي تعيشها الأحزاب في علاقتها بالمواطنين. إنها ليست أزمة تواصل أو تسويق سياسي فقط، بل أزمة تأقلم مع مجتمع يتغير بوتيرة متسارعة، ويتطلع إلى إصلاحات حقيقية، وقطائع واضحة مع أنماط التدبير التقليدية. فالمواطن لم يعد يكتفي بالشعارات الكبرى أو الخطابات الإيديولوجية الجاهزة، بل أصبح يبحث عن نتائج ملموسة، وقدرة فعلية على تحسين شروط حياته. وفي المقابل، ما تزال مكونات عديدة في المشهد الحزبي، أسيرة منطق انتخابوي ضيق، تحكمه الحسابات التكتيكية والمصالح المباشرة، أكثر مما تحكمه رؤية استراتيجية بعيدة المدى تستجيب لحاجيات المجتمع وتحولاته.

وإذا كانت الانتخابات تمثل إحدى أهم مصادر الشرعية الديمقراطية، فإنها ليست ملكا خاصا للأحزاب، تتصرف فيها وفق مصالحها وتفسرها حسب أهوائها. فالانتخابات في جوهرها محطة من محطات البناء الديمقراطي، وآلية لتجديد الثقة والمحاسبة وتداول السلطة. لذلك فإن التعامل معها بمنطق الغنيمة، أو باعتبارها مجرد وسيلة للتموقع السياسي. يفقدها معناها الحقيقي، ويحولها إلى مصدر للتشكيك والالتباس. وكل ممارسة تفرغ الانتخابات من بعدها الديمقراطي، لا تؤدي في النهاية إلا إلى تعميق أزمة الثقة، وإشاعة الشعور باللامبالاة السياسية، وتوسيع دائرة النفور من الشأن العام.

ولعل أكثر ما يثير الأسى لدى كثير من المغاربة، هو شعورهم بأن جزءا مهما من استثماراتهم العاطفية والفكرية والسياسية قد تبدد وتلاشى. فآلاف المناضلين والمتعاطفين الذين أفنوا سنوات من أعمارهم في الدفاع عن مشاريع سياسية « يسارية « ، وحملوا بحماس مفاهيم المواطنة والعدالة الاجتماعية والدولة الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والكرامة إلخ …، يكتشفون اليوم أن بعض هذه الأحزاب التي غرست فيهم هذه القيم، لم تعد متمسكة ومؤمنة بهذه القيم والشعارات .

لقد كانت هذه الأحزاب، تقدم نفسها باعتبارها صوت الطبقات الشعبية والمسحوقين. وحاملة مشروع التغيير الديمقراطي، لكنها ما لبثت أن فككت تدريجيا ارتباطها بهذه المرجعيات، وتحررت من الالتزامات الأخلاقية والنضالية التي شكلت شرعيتها التاريخية. والأخطر من ذلك أن بعضها لم يكتف بالتخلي عن شعاراته، بل انخرط في ممارسات تناقضها بشكل صريح، متجاوزا في بعض الأحيان حتى السلوكات التي كان ينتقدها لدى خصومه السياسيين، خاصة الذين كانوا ينتمون إلى أحزاب مقربة من السلطة كانت تنعتها بالأحزاب الإدارية.

وهكذا انتقلت المعركة لدى جزء من النخب الحزبية، من النضال من أجل التغيير إلى التنافس على المواقع والامتيازات. لم تعد الأولوية الدفاع عن مشروع مجتمعي أو بناء بديل سياسي، بل أصبحت مرتبطة بمنطق التسلق الاجتماعي، وتحسين الأوضاع المادية وتوسيع دوائر النفوذ والمصالح. وفي هذا السياق، تراجعت الحدود الفاصلة بين المبدأ والمصلحة، وبين الالتزام والانتهازية، إلى درجة أصبح معها كل شيء قابلا للتبرير باسم الواقعية السياسية أو ضرورات التدبير.

إن الأزمة التي تعيشها الأحزاب اليوم ليست أزمة تنظيمات فقط، بل أزمة معنى ووظيفة ورسالة. فالديمقراطية لا تضعف عندما تخسر الأحزاب الانتخابات، بل عندما تفقد قدرتها على تمثيل المجتمع وإقناع المواطنين بجدوى العمل السياسي. وعندما يصبح الحزب بعيدا عن نبض الناس، منفصلا عن معاناتهم وتطلعاتهم، فإنه لا يفقد شعبيته فحسب، بل يساهم أيضا في إضعاف الثقة في الديمقراطية ذاتها.

لهذا فإن تجديد الحياة السياسية، لا يمر فقط عبر تغيير الوجوه أو تحديث الخطاب، بل عبر استعادة المعنى الأصلي للعمل الحزبي. بوصفه التزاما أخلاقيا وتعاقدا مجتمعيا، قبل أن يكون منافسة على السلطة. فالمجتمعات لا تحتاج إلى أحزاب تعيد تدوير الأزمات، بل إلى أحزاب تمتلك الشجاعة لمواجهة الواقع، والقدرة على الإنصات للمواطنين، والإرادة الصادقة في تحويل الديمقراطية من شعار يرفع في المناسبات إلى ممارسة يومية تخدم المواطنين وتحفظ كرامتهم.

المصدر