ARTICLE AD BOX
فؤاد بلحسن
عن ضرورة الإصلاح السياسي من أجل دولة عاقلة
الإثنين 28 فبراير 2022 | 19:40
[ذكرى حركة 20 فبراير؛ غلاء الأسعار؛ انحراف سياسة التعاطي مع الجائحة]
آراء أخرى
«قلبُ القلبِ دامع في وطن الأعمار المغدورة وبلد الفواجع» محمد الشرڭي
في الذكرى 11 لسنوية حركة 20 فبراير -وهي الحركة التي ناضلت من أجل إدخال إصلاحات سياسية حقيقية على نظام الحكم بالمغرب- نجد أنفسنا في نفس الدائرة، وربما أسوأ. نَركب، معا، قارَب المغرب رِفقة قلق يساورنا بشأن الوجهة.
في بلادنا، نعيش على إيقاع زمنَـيْـن سياسيين: أحدهما جارٍ والآخر مؤَجَّل إلى حين! الأول نعيشه في اليومي ويشكل روتيننا العام، بينما ينفلت الثاني من أيدينا ثم نَستلِمه، لاحقا، كفشلٍ أو خيبةٍ أو هما معا. ماكياج على الوجه، خراب في العمق! من اقترب من السلطة غَنِم، ومن عارضها عُوقِب. الغني والفاسد يزدادان غنى وحضورا، والفقير والنزيه يزدادان فقرا وإذلالا وتهميشا.
منذ دستور 2011، تضافرت عديد من المؤشرات من أجل الدفع بنقاش الإصلاحات السياسية الحقيقية للبلاد إلى هامش الأحداث، حتى أن الحديث عن إصلاح الدولة أصبح في حد ذاته وسيلة لتأجيل إصلاح الدولة! وبين هذا وذاك، تم التراجع عن مكاسب سياسية وخدماتية وإدارية أخرى (سجن الصحفيين، انتشار الفساد في معظم القطاعات، تراجع جودة الخدمات العمومية في التعليم والصحة، تدهور الحياة السياسية،…). هذه هي الدراما المغربية بحق: لا شيء يصل إلا نهايته السعيدة، كل شيء ينحرف في الطريق لينتهي إلى ملهاة أو مأساة. من موقعنا اليوم، بِتنا ننظر إلى وعود الأمس، الـمُسطَّرة في دستور 2011، كخديعة.
إلى أين وصلنا في ورش تنزيل الدستور؟ هل نجحنا في تحقيق فصل ناجع بين السلطات؟ ما الذي يعرقل، حتى الآن، انتقالنا الفعلي والكامل إلى ديمقراطية مغربية مبنية على قواعد واضحة تضع القانون فوق الجميع؟ لماذا لا تزال انتخاباتنا تجري في أجواء تفتقد إلى حياد السلطة وتُكرِّس توجيه الناخبين وتتهاون في محاربة عمليات الإفساد الانتخابي؟ كيف نحقق سمو القانون على غيره من الاعتبارات في الإدارة والاقتصاد والسياسة والقضاء والأمن؟ كيف ننهي ثقافة الريع؟ لماذا لم نتقدم في مقاربة ربط المسؤولية بالمحاسبة حتى الآن؟ لماذا تضعُف مؤسساتنا الدستورية والاستراتيجية، وكيف نُقويها؟ ما السبيل لتنشيط طاقة المجتمع في التعليم والمعرفة والعلم والاقتصاد والعمل المدني؟ أين ثروة المغاربة؟ هذه الأسئلة ومثيلاتها، التي من شأنها تجديد نقاشنا العام وإنضاج حياتنا السياسية وتطوير وضعنا التنموي، ما عادت أسئلة تشغل السلطة والنخب على السواء. النقاش الجاري اليوم في الإعلام والفضاء العام هو نقاش أبعد ما يكون عن الأسئلة الجدية. ماذا نجد؟:
1/ جرى حصر النقاش بشأن دستور 2011 في قالب طقس خطابي مناسباتي يُزَف فيه كمَعْلم تاريخي، لا كمشروع سياسي وطني ينبغي تفعيله وتقييمه، وهذا بعد ان تم إفراغه من مضامينه وتعطيل عديد من مؤسساته والانحراف عن غاياته (طَمْر دور مجلس حقوق الإنسان، التدخل في أداء مجلس المنافسة، إفساد الانتخابات، اللاحياد في التعاطي مع الـمَجمع الحزبي، إضعاف القضاء، اختراق المجتمع المدني بواسطة المال، الضغط على أداء مؤسسات الضبط والحكامة والرقابة،…)،
2/ يجري إلهاء الناس بكل ما من شأنه زرع الطُّفالية في العقل العام. فمن خلال تحكم السلطوية والمال في الإعلام، أمست النقاشات الجادة والملفات الساخنة تأخذ طابع الموجات الإعلامية العابرة. فقد أمسى إعلام السلطوية بارعا في حرف النقاشات وتوجيه الرأي العام، بدعم من نخبة السلطة (أقول هذا بدون تعميم، فما تزال بعض جيوب الممانعة قائمة، لكن قدرتها الميدانية ضعيفة، كما أن قدراتها على خلق توجه سياسي وسط المجتمع تظل محدودة).
3/في الإعلام العمومي، يجري حصر كل الاهتمام على ملف التلقيح، كما لو أنه لا موضوع غيره. إلى درجة أمسى برنامج التلقيح الوطني والتعاطي مع الفيروس برنامجا سياسيا وحيدا للبلاد، لدرجة (وقد أصبح هذا البرنامج برنامجا سياسيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، عقِب تقزيم أبعاده العلمية والصحية).
4/ جرى شل النقاش الخلاق على مستويي المجتَمَعين المدني والسياسي؛ بعد أن تم تعطيل الحركة الطبيعية لأدائهما وإغراقهما بالرشى العمومية ومال الكارتيلات الاقتصادية الرديفة للسلطوية.
*
لم ينجح ما أُطلق عليه بـ«العهد الجديد» في إرقاء البلاد في سلم التنمية البشرية (ما زلنا نراوح مكاننا على مستوى أهم مؤشرات تقييم الأمم). وفي الوقت الذي اعتقد البعض أن الجائحة ستُشكل موردا جديدا لتجديد شرعية السلطة عبر نهجها لسياسة عمومية فعالة تستجيب لمطالب الناس وحاجتهم للحماية الاجتماعية، كشفت تطورات الأحداث أن هذا الأمر لم يتحقق [في بداية الجائحة، راود هذا الطموح السلطة أيضا، لكنها فشلت]. ولهذا، زاد التشكيك في مصداقية المؤسسات وفي كفاءتها، وشعرت فئات واسعة بتخلي الدولة عنها، كما اكتشف عديد من الناس افتقارهم لأي صمام أمان من لدن الدولة (أُفلست مقاولات عديدة؛ سُرِّح عديد من العمال بدون حماية اجتماعية؛ ارتفعت مؤشرات البطالة؛ ارتفع معدل الفقر؛ زادت هشاشة عديد الأسر؛ تدهورت العديد من الخدمات، ازداد الضغط على الطبقة المتوسطة؛…). خلال الجائحة، لم تنهَار الدولة. وفَورَ استيعابها للصدمة، انخَرطت السلطة في تدبير الوضع بمزيج من الارتجالية والقسوة والضرب تحت الحزام. فسرعان ما تحول المشكل الاجتماعي والهاجس الصحي والرغبة في صيانة أركان الدولة إلى مشروع سياسوي هَمُّه توظيف أزمة صحية واجتماعية لخدمة السلطوية (تتذكرون كيف جرت الانتخابات! مهزلة !).
عرت الأزمة الحالية عما كان قبلها: العجز (على المستوى الاجتماعي) والفشل (على مستوى التواصل السياسي ومؤسسات الدولة الخاصة بالحكامة والضبط والمحاسبة) وسوء التنسيق (إشراك ضعيف للقوى السياسية والمدنية، بل والسعي إلى إضعاف بعضها أو تهميشها).
وفي الواقع، إن ما يصدق على الأنظمة السلطوية يصدق على المغرب، فهو واحد منها مع بعض المرونة (الذين يقولون أن المغرب بلد ديمقراطي أو أنه يسير على سكة تنموية ناجعة وقويمة يخادعون أنفسهم وغيرهم. هل أمسى قول الحقيقة صعبا إلى هذا الحد؟! أم أن الكذب صار مصدرا مُفضَّلا للكَسب؟!). لا يشغل بال الأنظمة السلطوية البحث عن بدائل سياسية توافقية ترقى إلى مشاريع وطنية عامة، ولا العمل على تأنيس الفضاء العام. وإنما همها الحسم المرجِّح لمنطق القوة والإذعان والتصنيف إلى فئة خيرة موالية وفئة شريرة معارضة! السياسة بالضغط والهيمنة على الإعلام الرسمي واستثمار الانقسام في الرأي العام وإغلاق توزيع الخير العام على نطاق مجتمعي أوسع. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: هل نحن بصدد سلطة تُدير مصالح شعب بكل فئاته فعلا، أم بصدد فئة صغيرة تدير البلاد لفائدة فئة معينة على حساب باقي فئات المجتمع؟!
نلمس هذه الفجوة التي ما تزال تتوسع بين الإنسان المغربي والسلطة (أو الدولة، ليس في بعدها المجرد، بل باعتبارها نسقا ديناميا على الأرض) في المسافة بين حال المواطن الفعلي ورهان المواطنة في بُعدَيها (الحق والواجب): ما يعيشه المواطن على الأرض شيء، وما يجب أن تختزله علاقة المواطنة من رقي حضاري شيء آخر تماما. وللتعويض عن هذه الفجوة، يجري توسيع شبكة الولاءات للسلطة من خلال توزيع المنافع على «الموالين بلا شرط» وإضعاف كل سلطة موازية حتى وإن كانت صغيرة ضمن حدود معينة ومقبولة. الأمر الذي يزيد من تعميق أزمة التمثيلية داخل المجتمع، وبالتالي تجريف السياسة من الحياة العامة وإفشال المؤسسات، لصالح «سلطة-تعاونية» تختزل عملها في تقريب الخاضع وإبعاد المختلف، تمكين الموالي وتحطيم المعارض، توزيع مِنح الولاء على هؤلاء وحرمان أولئك. وإذا كان هذا الوضع يضمن استقرار النظام السياسي–على المدى المتوسط على أبعد تقدير- فإنه لا يضمن بناء دولة حديثة، دولة مؤسسات وقانون وحريات وابتكار.
ولهذا، فاليوم نسجل تشكيكا واسع في التعددية السياسية القائمة وغاياتها؛ بعد أن أمست تعددية لتكريس الوضع القائم أكثر منها تعددية لاقتراح البدائل والدفع بالتغيير نحو الأفضل في إطار مناخ سياسي يتيح تقاطع وتنافس الأفكار والأفعال على أساس قواعد سلوك شفافة ونزيهة تتموقع فوق الجميع تحت رقابة القضاء. التعددية الوظيفية في بنية النخب اليوم، تُخفي وراءها –والتعبير لشارلز رايت ميلز- «وحدة المصالح» باعتبارها «نخبة القوة»، قِشدةُ المجتمع. إنها تعددية لا تعكس بأي حال مصالح باقي الفئات المجتمعية على مستوى وسط وأسفل الهرم الاجتماعي.
بُعيد أزمة الجائحة، وقبيل انتهاءها، وفي سياق موجة ارتفاع الأسعار، ظلت الأزمة الاجتماعية جاثمة بثقلها على كاهل المواطنين والدولة. عالميا، والإحصاءات والتوقعات -بما فيها توقعات البنك الدولي- تؤكد ارتفاع عدد الفقراء، مع ما سيرافق ذلك من مشاكل اجتماعية وسياسية. ولن يُستثنى المغرب من تداعيات أزمة ما بعد كورونا، سياسيا واجتماعيا وأمنيا. ونحن نسجل مجموعة متنوعة من الاحتجاجات الحضرية وفي القرى، لا يمكننا أن نستبعد تطورها إلى أزمات سياسية، هنا أو هناك، بالنظر إلى توسع قاعدة الفقر وتدهور وضع الطبقة المتوسطة وتذمر فئات واسعة من المتعلمين على الأوضاع التي تعيشها البلاد والطريقة التي يجري تدبيرها بها (مثقفون؛ طلاب؛ متحزبون؛ معارضون؛ أناس عاديون يتثقفون سياسيا في العالم الرقمي؛…). وستظل الأوضاع على صفيح ساخن، مع كل احتمالات التأزيم، ما لم تتخذ الدولة مبادرات لاستيعاب البطالة ودعم الفقراء وإسناد المقاولات و تعويض الأجراء المفصولين عن وظائفهم، وتحسين القدرة الشرائية للموظفين الصغار، أولا. ثم محاسبة المفسدين وترميم البناء السياسي ورفع اليد عن الحياة الحزبية والكف عن التدخل في الانتخابات وإصلاح القضاء، ثانيا.
إن صحة بلادنا ليست بخير، أما الدستور، الذي تم الرهان عليه كمشروع سياسي للبلاد لفترة ما بعد الربيع العربي، أمسى مجرد حِبر على ورق!!! فإلى أين يتجه المغرب؟!
.jpg)
منذ 4 سنوات
15







